شهدت دبي حدثا استثنائيا مميزا ولأكثر من ساعتين من الزمن كنا مشدودين إلى عرض رائع من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وهو يستعرض صفات القائد والقيادة ويتجاوز هذا الموضوع لينقل لنا رؤياه الطموحة لمستقبل الامارة . ولا حاجة للتأكيد بأن الشيخ محمد طموح, فطاقته ونشاطه خير دليل على ذلك, والعرض الذي قدمه كان تأكيداً آخر لمن يحتاج الى تأكيد. كمّ الحضور ونوعيته أثلج الصدر, فهذا الحشد الكبير من الاداريين المخضرمين والشباب الواعد في الكوادر الإدارية المحلية جمع قلما يتحقق, وهي بلا شك فرصة ذهبية لنقل رؤية القيادة السياسية للسواد الأعظم من القيادات التنفيذية, فنتأكد بأن التصور العام سينتقل دقيقا ولن يضيع شيء من التفاصيل في (الترجمة) والتفسير, فالرسالة حية من سمو ولي العهد وكأنما هي شخصية ومباشرة. كما أن الرسالة ايجابية وتشدد على ان دبي تتطلع الى غد مشرق وأن قيادتها تكره الروتين وتسعى للابتكار والتجديد, وأنها فوق ذلك كله لا تقنع بالكثير الذي تحقق بل تسعى الى التحليق الى آفاق جديدة أكثر رحابة, ومروج غنية أكثر اخضرارا. ثقة سمو الشيخ محمد في المواطن المتسلح بالعلم كبيرة وهو جانب برز في أكثر من مناسبة, كما انه توجه ورد مرارا على لسانه في هذه الأمسية وهو فوق ذلك كله إيمان وطني من مسؤول يدرك حرص المواطن على مسيرة وطنه ورقيه ورخائه, وهذه الثقة ترتبط بقناعته بأهمية العمل الجماعي وبروح الفريق الواحد, فهي في المحصلة دعوة مخلصة من هذا المسؤول الديناميكي لنبذ الأنانية في العمل العام ووضع المصلحة الوطنية نبراسا نقتدي به ولا نحيد عنه. فنجد الشيخ محمد يؤكد ضرورة تجنب ما أسماه أخطاء الاعتزاز بالنفس واعتقاد المسؤول بأنه لا يخطىء, مدركا أن مثل هذا الاعتقاد يمثل مانعا رئىسيا في وجه العمل الجماعي العقلاني. نجاح الأمم عبارة عن جهد وعمل تراكمي ومن هذا المنطلق لم يكن من المستغرب أن الشيخ محمد شدّد على الدور الذي لعبته القيادة التاريخية لدولة الامارات العربية المتحدة. فنهج صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئىس الدولة حفظه الله أسس النهضة التي نعيش تحت ظلالها الوارفة, كما أن دور المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم جهد أساسي أشار اليه الشيخ محمد حين تحدث عن تأسيس مشروع جبل علي العملاق والنظرة الثاقبة التي عرف بها رحمه الله. إنه بلا شك إدراك وإقرار أن النهضة واستمرارها يتطلبان تسلسل أجيال من القادة والكفاءات يجمعهم طموح وطني مخلص يتجاوز الأجيال, وأن علينا نحن أيضا مساهمة رئىسية نؤديها في هذه المسيرة المباركة, فكما ذكر المحاضر في مستهل طرحه أن التنمية لا تحدث صدفة بل هي حصيلة جهد ونشاط وعمل دؤوب. ومن هذا المنطلق أسهب الشيخ محمد في الاشارة الى الممارسات الادارية الحالية فطالب بالابتكار والمتابعة والتعاون بين الدوائر وتيسير أمور المراجعين وفوق ذلك كله ضرورة وجود خطة استراتيجية لكل دائرة تحدد أهدافها في ظل فهم للطموح العام للإمارة. أمور عملية صغيرة ودقيقة ولكنها مهمة لأن الطموح الكبير يتطلب تفاصيلا دقيقة ومتابعة حريصة كي لاتزل المسيرة ولاتتشتت الجهود, هي إذا كالسجادة الرائعة, سحرها وجمالها عبارة عن رسم رائع وتفاصيل عديدة وعمل متقن. في الحوار الذي تلا المحاضرة واستمر لفترة طويلة برزت سعة صدر سمو ولي العهد التي عهدناها فيه, فجاء الحوار صريحا ورائعا ودافئا وديمقراطيا, كما جاء منوعا ليشمل اهتمامات وهموماً متشعبة من دور القطاع الخاص لدور المرأة والتوجهات الصناعية الى السياسة الاعلامية والخارجية الى شجون التركيبة السكانية ــ مشكلة الامارات الملحة ـ وبرز بشكل خاص دعم الشيخ محمد اللامحدود للمرأة الاماراتية وثقته في قدراتها وتشجيعه لها, فهي بلا شك تلعب دورا محوريا في الطموح وتساهم في نقل الرؤية الى واقع ملموس وهي نصف المجتمع الذي تشكل مساهمته التنموية ضرورة لا ترف. كما شدد الشيخ محمد على محورية قضية التركيبة السكانية وضرورة وجود حل تدريجي لها, نرجو أن تكون إجابة الشيخ محمد حول هذه القضية حافزا مهما يعيدها الى صدر الاجندة السياسية الوطنية فهي بطبيعتها هم شائك لا يحتمل التعطيل والانتظار. بدأت فكرة الامسية كما فهمنا باستعراض تجربة الدوائر الناجحة في الامارة ونقل عناصر النجاح, متى أمكن, للدوائر الاخرى, أي أنها في جانب منها لقاء للمسؤولين المباشرين لاستشراف آفاق وتحديات المستقبل, وتوسعت هذه الفكرة المميزة بأن يلقي الشيخ محمد محاضرة عن القيادة. فكرة بلا شك رائدة وغير مسبوقة تم من خلالها تجاوز المحاضرة الصرفة واستغلال المناسبة خير استغلال للتطرق لمنهاج العمل الحكومي والى جوانب معينة من الشأن العام. ولكن ماذا عن صفات القيادة؟ إنها كما ذكر الشيخ محمد تعريفها صعب وتفسيرها أصعب, ولكنها بلا شك ترتبط بوجود رؤية وتتطلب شحذ الامكانيات البشرية والمادية لتحقيق هذه الرؤية, انها صفات لا تتوفر في الجميع ولكنها خصائص يمكن تحديدها وبإمكان المرء أن يستخدمها مقياسا لقدراته ومهاراته. بلاشك هناك صعوبة في تحسس فكرة القائد والقيادة ولكن بإمكاننا ان نميز هذه الصفات حين نراها, ويستحضرني في هذا المقام رأي قرأته قبل سنوات للجنرال البريطاني ويفل ــ وهو من قادة الحرب العالمية الثانية البارزين ــ حين قال في وصف القائد (لا يوجد قدر من التعليم والتمرين يجعل من المرء قائدا إلا إن كانت لديه المؤهلات الطبيعية للقيادة) . كنا في هذه الأمسية بلا شك أمام طرح طموح لقائد طموح يقول لنا جميعا أبناء وطنه: أمامكم فرصة لتعزيز إنجازاتكم وطرق أبواب خلتوها موصدة, فلتتضافر جهودنا ولتجتمع هممنا ولننظر إلى غد أكثر إشراقا.