يبدو ان فكرة تدوير المديرين من حين إلى آخر, التي طرحناها أمس في سياق التعليق على ندوة (أفضل الممارسات الحكومية) قد راقت لكثيرين, خاصة الموظفين , من الذين يتصور بعضهم أن مجيء مدير جديد إلى دائرته قد يكون فيه رحمة للموظفين, فنعرف أن مثل هذا يؤيد الفكرة لا لمردودها الإيجابي على الادارة, وانما نكاية بمديره وتخلصاً منه, فنذكره بالمثل المعروف: ما بتعرف خيري لين ما تجرب غيري. غير أن الموظف قد يعرف خيراً من المدير الجديد, على خلاف ما يذهب إليه المثل من معنى حيث يحذر من التغيير ويدعو إلى التمسك بما هو موجود, فيذكرنا بمثل شعبي آخر يصب في الاتجاه نفسه هو: إمسك مجنونك لا يجيك أجن منه, فالخير المأمول ليس شخصياً مع تدوير المديرين, بقدر ما هو خير عام يمكن أن يتحقق مع نقل المديرين من دائرة إلى أخرى, كما من إدارة إلى أخرى ومن قسم إلى آخر, في الدائرة نفسها. ونبقى مع الانتقال من دائرة إلى دائرة, فهذا يمكنه ان يحقق من الأهداف الادارية الكثير, أبرزها إكتساب المزيد من الخبرة والدراية والمهارات للمدير نفسه, الذي ينتقل من العمل في قطاع إلى قطاع آخر مختلف في نوعية النشاط, كما أن من أهدافه إكساب الدائرة نفسها خبرة مدير جديد ومهاراته وعلومه, إضافة إلى تخصيب الدائرة باتجاهات وتيارات إدارية مختلفة, وبمدارس متنوعة في فن الإدارة والقيادة, أكثر من يستفيد منه من بعد الدائرة ونظمها وقوانينها, هم الموظفون أنفسهم والمساعدون للمدير. وبطبيعة الحال, فإن هناك مشكلات متوقعة عند إنتقال مدير إلى دائرة أخرى لم يتعرف ويتعود على أنظمتها ولا على موظفيها وكفاءاتهم بعد, ولا هم تعرفوا وتعودوا على أسلوبه الإداري بعد, إلا أن كل المشكلات من هذا النوع والمتوقعة, يقل تأثيرها وأهميتها عند النظر إلى حجم المردود الايجابي المتوقع من عملية الإنتقال, والتي أبرزها, إضافة إلى ما سبق ذكره, كشف العلل والاخطاء والقصور مع مجيء المدير الجديد, حيث عادة ما يتجه كل مدير مقيم في دائرته لسنوات طويلة إلى طمسها ودفنها تحت التراب وإخفائها عن الأنظار. وهكذا يمكنني أن أقرر (على الورق طبعاً) نقل قاسم سلطان مثلا من البلدية ليتولى إدارة الشرطة (حتى لو لم يكن عسكرياً), ونقل ضاحي خلفان ليتولى إدارة البلدية في المقابل (وان كان الأصلح أن يتولى جهازاً إعلامياً نظراً لروحه الإجتماعية وتقبله الرأي الآخر), ونقل عبدالرحمن غانم المطيوعي ليتولى إدارة التنمية الاقتصادية, ومحمد العبار ليتولى سلطة الموانىء والمنطقة الحرة, وسلطان بن سليم ليتولى دائرة الصحة والخدمات الطبية وأحمد عتيق الجميري ليتولى دائرة الجمارك والدكتور عبيد صقر بوست ليتولى إدارة غرفة التجارة والصناعة, إلى آخر ما يمكن أن نتخيل من تنقلات, شرط ألا يزيد بقاء كل مدير في دائرة واحدة أكثر من خمس إلى عشر سنوات. وما ينطبق على الدوائر ينطبق قطعاً على الإدارات والأقسام الداخلية لكل دائرة, فهذه ربما تحتاج إلى تدوير مديريها ورؤساء أقسامها مرة كل عامين على الأقل, إما لتجديد الدماء ولتوزيع الخبرات, وإما لمزيد من التأهيل والتدريب وإكساب المهارات والخبرات, وإما لدفع العمل وتطويره إلى الأمام من دون توقف أو جمود. ويبقى الأهم من التدوير الذي راق للقراء (ويستطيع هؤلاء أن يدوروا مديري الدوائر الحالية في خيالهم كيفما شاءوا وحسب ما يرون في إمكانيات كل مدير ومواهبه) هو تجديد دماء الدوائر بالكامل بالقيادات الجديدة, عن طريق تحويل المدير الذي أمضى في الخدمة حوالي عشرين عاماً إلى مستشار في الدائرة (كالتجربة اليابانية) وتسليم زمام القيادة الى الرجل الثاني فيها, لولا أن الرجل الثاني في أغلب دوائرنا لا وجود له للأسف, وإذا كان موجوداً فهو على الورق فقط, ولا يرقى إلى المدير سواء في صلاحياته أو كفاءاته, ما يجعل من مثل هؤلاء (أي نواب المدراء) نموراً من ورق, وتلك علة إدارية يتحمل مسؤوليتها المديرون.