الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بمحاضرته القيمة التي ألقاها يوم الأربعاء الماضي في قاعة المؤتمرات بفندق جميرا بيتش حول القيادة , أثبت وبشكل لا يدع مجالا للشك أو المقارنة بأنه رجل السياسة الذي تلبسته هموم التنمية والتطوير الاداري حتى النهاية, وقد كشف سموه في محاضرته عن نمط جديد لفئة (ثورية) من زعماء العالم الثالث يعيشون في اطاره العام لكنهم يفكرون بعقلية منفتحة بعيدا عن أجوائه المثقلة بتركة ضخمة من التخلف والبيروقراطية والجمود والتآكل. والمعروف عن سموه انه يشن حربا ضد البيروقراطية والترهل الاداري, وليس بمستغرب على سياسي شرب فنون الادارة والسياسة من رجل فذ كالمغفور له الشيخ راشد ان يكون بهذا المستوى من التفكير الابداعي, كما انه ليس بمستغرب من رجل يملك زمام السلطة ان يعلن سياساته وحربه هذه بكل صراحة ووضوح فهذا هو المطلوب تماما, فحينما يكون القرار بحجم بناء دولة أو تطوير مجتمع, فان من شروط القيادة ان تتخذ قرارها الحاسم وتمضي فيه بكل قوة وثبات حتى آخر الشوط, وهذا ما يؤكده سمو ولي عهد دبي. لقد بدا واضحا من تفاصيل ما قاله سموه أمام حشد ضخم في قاعة المؤتمرات وخارجها مساء الأربعاء انه لا يلقي محاضرة عادية سرعان ما سينساها المحاضر والحاضرون, لقد كان سموه يرسم تفاصيل استراتيجيته الواضحة في محاربة البيروقراطية وعجز الأداء الحكومي ودفع دبي لتكون المركز العالمي المثالي للمال والأعمال بالقرن المقبل. ولقد كان واضحا انه لم يأت لينفق ثلاث ساعات من وقته ليحاضر فقط, انه جاء ليقول لجميع من حضر كبيرهم قبل صغيرهم, انه عازم على تكريس التميز, وان على الجميع ان يسيروا ضمن هذا الخط وان من لا يقدم انجازات لدائرته فلا يلومن إلا نفسه, والكل تحت المجهر! ذكرني سمو الشيخ محمد وهو يرسم تفاصيل استراتيجية التميز والقيادة الناجحة بكتاب (ابعاد شبح البيروقراطية واعادة اختراع الحكومة) لكل من: ديفيد اسبورن وبيتر بلاستريك, اللذين شرحا فيه تجارب العديد من قادة العالم الذين تمكنوا بالفعل من مهاجمة النظام البيروقراطي في بلادهم والقضاء على الترهل والتآكل الذي كان متجذرا في تربة الروتين. المؤلفان شرحا خمس استراتيجيات لاعادة اختراع حكومة متميزة لعل أهمها استراتيجية الثقافة التي تنص على التخلص من السلوكيات والافكار البالية, بمعنى تغيير الثقافة السائدة في عقول أصحاب الروتين, في المؤسسات من صغار الموظفين إلى كبارهم, وأظن ان محاضرة سمو ولي عهد دبي كانت في جزء كبير منها ترتكز على هذا الأفق الثقافي السلوكي الذي يهدف في النهاية إلى تحويل الثقافة التي طالما كافأت الجمود والتحجر إلى ثقافة مبادرة تحث على الابتكار وتبث روح الابداع والمخاطرة. أليس رائعا ان يقول رجل يتربع على قمة السلطة وبكل بساطة: (من يقل لي يا محمد أنت أخطأت في كذا أحترمه وأقدره أكثر ممن يمتدحني) أليس ذلك شكلا تطبيقيا لقضية تغيير ثقافة الخوف والجمود التي لا تصنع حاضرا ولا تبني مستقبلا, سموه طالب المؤسسات بخطط واضحة ترفع للحكومة في شهر اكتوبر! هذا التحدي هو الآخر شكل من اشكال تغيير الثقافة نتمنى ان ينجح فيه المعنيون بالأمر ليس تخطيطًا وانما تطبيقاً.