ومن جهة ثانية فان العالم اليوم لم يعد يسلم بفكرة الاستيلاء على الاراضي بالقوة ولاسيما اذا كان القصد منه الاستيطان وحتى الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا فانها في ممارستها العالمية لاتسعى الى احتلال الارض, بل الى بسط نفوذها السياسي وفرض هيمنتها الاقتصادية على الاخرين . ونضيف الى ماسبق ان ماتنعم به اسرائيل الان من قوة ظاهرية وتفوق في التخطيط والتكنولوجيا هو امر طارىء وعابر لان المعادلات الدولية الحالية لايمكن ان تبقى على حالها ولان مئات ملايين العرب لايعقل ان يبقوا غارقين في السبات وسادرين في الحذر, الى الابد بل لابد لهم ان تهزهم صدمة الوعي في يوم ما ويستفيقوا الى انفسهم وعندها سيعرفون الطريق الحقيقيي لاستعادة حقوقهم بشكل لايرضي اسرائيل, وما نريد تأكيده ومايجب ان يسمعه الاسرائيليون ويفهموه ويعوه وهم على عتبة انتخابات جديدة هو ان السلام الذي قد يحل في الشرق الاوسط اذا لم يكن عادلا ومنصفا فانه لن يكون سلاما دائما وهذا في غير مصلحتهم واذا افترضنا ان اسرائيل افلحت بفعل سياسات بعض زعمائها المتعنتين امثال نتانياهو وشارون وايتان, في ابقاء القدس تحت سيطرتها, ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والتعويض عليهم وهذا مجرد افتراض لانعتقد انه سيتحول الى حقيقة فإن معنى ذلك ان العداء سيبقى مستمرا ومستعرا بينها وبين مئات ملايين المسلمين في شتى انحاء العالم بالاضافة الى العداء العربي والفلسطيني وحتى العالمي وهذا في غير صالحها. وبتعبير اخر اذا وضعنا في كفة ميزان حصول اسرائيل على القدس وبعض الاراضي المحتلة الاخرى, وفي الكفة الثانية من الميزان ماسيجره عليها هذا من حقد اسلامي وعربي وفلسطيني وعالمي دائم عليها فان الكفة الثانية هي التي سترجح في رأينا, اذا فما معنى التصلب التفاوضي الاسرائيلي؟ وما فائدته بالنسبة لاسرائيل نفسها؟ ان على الاسرائيليين والانتخابات تقرع ابوابهم ان يستفيقوا من احلامهم ويتخلوا عن اطماعهم غير الشرعية التي حتى لو تحققت فلن تحقق مصالحهم. ويحسن بهم ان يفهموا ويدركوا ان سياسات نتانياهو وامثاله من مرضى النفوس سواء منيت بالفشل او أحرزت النجاح فلن تجلب عليهم سوى الضرر وغضب العالم, وان التشدد والمماطلة في المفاوضات وفي تنفيذ مايتفق عليه ليس اكثر من مجرد قصر نظر سياسي واخلاقي, ان المتشددين الاسرائيليين يقولون دائما بأن هدفهم الحقيقي هو الامن وليس الارض ولكن تصرفاتهم التفاوضية تدل على عكس ذلك ومن الواضح ان الامن الحقيقي لاسرائيل لايكمن في حصولها على اكبر عدد من الكيلومترات المسروقة من الارض لان الصواريخ الحديثة كما اثبتت الاحداث, تستطيع ان تصل الي اي مكان وان تدك اي شارع وبيت ولكنه يكمن في نزع فتيل الحقد العربي عليها وعلى وجودها والذي سيظل يؤرقها وينغص عيشتها ليلا ونهارا. ويصعب ان نتصور نهاية لهذا الحقد الذي قد يتحول في يوم ما الى طوفان يغرق اسرائيل لان المتطرفين والمستوطنين الاسرائيليين الذين تستبد بهم النزعة العنصرية وعقدة التفوق الوهمي, وتعشش في نفوسهم احلام الهيمنة على اراضي الغير, مازالوا يشكلون قوة لايستهان بها, كما ثبت من خلال فوز نتانياهو في الانتخابات السابقة وماتمخض عن هذا الفوز من سياسات متعنتة وكريهة ومع ذلك لانستطيع ان ننكر ان هناك في الجانب المقابل قوى معتدلة بدأت تشكك في امكانية حصول اسرائيل على كل ماتريد, ولكن للاسف فإن هذه القوى نفسها لم تصل بعد في تفكيرها الى المستوى المطلوب منها عربيا واسلاميا وعالميا, فهي مازالت مثلا تتشبت بالقدس عاصمة لاسرائيل, وهو امر قد يقضي على جميع احتمالات الحل السلمي الشامل. واذا كان جميع الاسرائيليين يصرون على ان القدس تشكل خطا احمر بالنسبة للمفاوضات فإن على جميع العرب ان يصروا ايضا على ان القدس هي خط احمر بالنسبة للسلام. * كاتب وباحث سوري