من سمات النظام التعليمي العام بالدولة الجمود وعدم المرونة في المناهج والخطط الدراسية. ويلاحظ في هذا الشأن, انه على الرغم من الجهود المبذولة في السنوات الماضية, لتقويم تلك الخطط ومراجعتها , إلا انها ما زالت تعاني من نقص شديد في العديد من الجوانب الهامة التي يجب الالتفات إليها بإلحاح وحرص شديدين. ربما كان أبرز المشكلات الحالية في المناهج الدراسية انها تتسم بالجمود, وتتألف في المحتوى من مجموعة ثابتة من المعلومات التي تقدم للطالب بشكل مجرد لا علاقة له بالعالم الحقيقي, أو بظروف المجتمع. كما انها محشوة بقدر كبير من المعلومات, دور الطالب فيها هو الحفظ والاستظهار, وتتوسع محتويات هذه المناهج بشكل دائم, من عام لآخر, دون تركيز كاف على المبادئ الأساسية, أو على تنمية مهارات التعليم الذاتي والمستقبل. ولا تتسم المناهج بشكل عام بأية مرونة تذكر, مما لا يسمح بمراعاة الفروق الفردية بين الطلبة, فجميع الطلبة يدرسون نفس المعلومات, بنفس الأسلوب, ويكلفون بنفس الواجبات. وغالبا ما يكون أساس المناهج هو الكتاب المدرسي المقرر, دون توفير مواد تعليمية اضافية أخرى, تحفز الطالب على التعلم, وتدفعه إلى بذل المزيد من الجهد الذي يتطلب استعدادا خاصا, يشعر فيه بأنه يواجه تحديا لا سبيل لمواجهته إلا ببذل قصارى جهده لاثبات قدرته على التعامل مع تلك المواد. يضاف إلى ذلك, افتقاد النظام التعليمي للبدائل الجيدة المتعلقة بالأنشطة المدرسية بحيث تشكل تلك البدائل اضافة هامة ومتنوعة ومشوقة لجذب الطلبة, وشحذ هممهم, ودفعهم إلى الابداع والمساهمة الفعالة في العملية التعليمية. الأمر الآخر الذي يرسخ الطريقة التقليدية المعتمدة على التلقين بواسطة المدرس والحفظ من قبل الطالب, هي نظم التقييم والامتحانات. فهي في غالبها تشجع على استمرارية الجمود وعدم المرونة في المناهج. ولا تثير تلك النظم لدى الطالب اعمال الفكر والنظر والاستنتاج وحل المشكلات, فضلا عن قياس مهارات التفكير والتعلم الفعال. يضاف إلى ذلك كله, عدم كفاءة وفعالية مناهج تعليم اللغات, وكذلك ضعف مهارات الاتصال, ومهارات استخدام الحاسب الآلي. ولا يخفى ما في هذه الأمور من أهمية كبرى في تنمية قدرات الطالب وتمكينه من التعامل مع معطيات هذا العصر. مصادر المعلومات ... أزمة أخرى ومما يزيد من تفاقم هذه المشكلة, الاعتماد الضعيف على التقنيات الحديثة, وعدم التعامل الكافي معها, وقلة استعمال المعامل والمختبرات, ذلك أن المدارس العامة محدودة الامكانات في هذا الجانب. وإذا كان هذا هو حال التقنيات الحديثة واستخدامها في النظام التعليمي العام, فإن الذي يدعو إلى حزن أشد تلك المكتبات الفقيرة في محتوياتها, المحدودة في امكاناتها لذا كان من الطبيعي أن يكون أثرها ضعيفا ومحدودا في العملية التعليمية من حيث الاعتماد عليها من قبل المدرسين, أو ارتيادها والافادة منها من قبل الطلبة. ولعل أهم سبب يدعو المدرسين إلى العزوف عن الاستخدام المكثف للمكتبات كمصدر تعليمي آخر, هو اعتمادهم الكامل على الكتاب المدرسي المقرر الذي هم مطالبون بانهائه وفق جدول زمني ضاغط لا يتيح أية فرصة لالتقاط الأنفاس, أو الرجوع إلى مصادر أخرى للمعلومات كالمكتبات والمختبرات, وغيرها. لذا كان (الهم) الوحيد للمدرس هو شحن ذاكرة الطالب بجرعات متتالية من المعلومات, ولن يشجع هذا الاسلوب المدرس على التنويع في طرائق التدريس, أو الابتكار والتجديد, ولا التفكير في مبادرات جديدة. والنتيجة, كما هو معلوم, تتبين في (المنتج) الطالب الذي ينهي دراسته الثانوية, وهو فاقد لمهارات القراءة الناقدة, غير قادر على تحليل الارقام والمعلومات واستخدامها اساسا لحل المشكلات, عاجز عن التعامل مع التقنيات الحديثة.. الى آخر تلك المهارات الضرورية لاي انسان يتطلع الى الاسهام بفاعلية واقتدار في خدمة امته وتطوير وطنيته. ازمة الهيئة التدريسية اذا تجاوزت المناهج والخطط الدراسية والطالب الى المدرس, فإنك تواجه ازمة اخرى.. فالمدرس هو (محور العملية) التعليمية في النظام التعليمي الذي نتحدث عنه فهو المصدر الاكيد والوحيد للمعلومات, ومن ثم فإن انظار الطالب (المسكين) تتوجه اليه وتعتمد عليه اعتمادا كاملا في مسيرته الدراسية. واذا كان المدرس يمثل هذه الاهمية الكبرى, فإنه ينبغي التعرف على وضع هذا المدرس الكبرى ودوره في ظل هذه المنظومة. وقبل ان نخوض في ذلك نود التأكيد على اننا لسنا بصدد هضم حق المدرس, او الانتقاص من شأنه, او تحميله وحده مسؤولية التدهور الذي تعاني منه مدارسنا. بقدر ما نهدف الى تجلية الاسباب التي ادت الى هزالة مستواه وقدراته, او امتهان مكانته الاجتماعية ونحو ذلك. والحقيقة ان المدرس بمواصفاته الحالية, وامكاناته المتواضعة ودوره غير الفعال في العملية التعليمية يعد احد اهم الاسباب التي تعيق تطوير الاداء بالمدارس الحكومية وكثير من المدارس الخاصة, ذلك ان هناك اعتمادا كبيرا على مدرسين اتوا من نظم تعليمية مختلفة, تنتمي الى فلسفات متنوعة, وهي بالتأكيد تختلف في ظروفها وبيئاتها عن ظروف العمل في الدولة, قد نتج عن ذلك عدم وجود هيئة تعليمية متجانسة تتفق في نظرتها للاهداف التعليمية للفرد والمجتمع, ويلتقي اعضاؤها حول فلسفة ملائمة للتعليم العام بالدولة. اضف الى ذلك ان الغالبية العظمى من المدرسين بالدولة, بل وفي العالم العربي بأسره, قد تخرجوا في جامعات تتبني نظما تقليدية وتطرح برامج غير متطورة. لذا تجدهم غير ملمين في الغالب بالتطورات الحديثة في طرق التدريس والتقنيات المستخدمة في التعلم, كل ذلك يسهم في استمرارية الوضع القائم على ما هو عليه, دون التفكير في شيء اسمه (تطوير) لان فاقد الشيء لا يعطيه بل انه من عدم الانصاف مطالبة هؤلاء المدرسين بالتحول فجأة, ودون ترتيب مسبق مخطط له, عن الطرق التي يتبعونها في التدريس والمناهج التي يعرفونها الى وضع يصبح فيه الطالب هو محور العملية التعليمية, لا المدرس ولحل هذه المشكلة لابد من اعداد جيل جديد من المدرسين لديه الاستعداد والاقتناع بقبول نظام تعليمي غير تقليدي مع عدم اهمال الهيئة التدريسية الحالية, بتهيئتها للتحول التدريجي نحو ذلك النظام ويتحقق ذلك عن طريق طرح برامج ودورات تدريبية لتنمية قدراتهم في المجالات المختلفة مثل اعداد المناهج, وطرق التدريس, وطرق التقييم والقياس وادارة قاعات الدراسة والتفاعل مع الطالب ومتابعة نشاطه خارج القاعات الدراسية. وقد شاهدت مؤخرا في 15/4/1999 ندوة تلفزيونية كان احد المشاركين فيها الدكتور عبدالسلام المجالي رئيس الوزراء الاردني الاسبق وأحد الشخصيات العربية البارزة في مجال التعليم, وتناول في سياق حديثه الخلل الذي تعاني منه المنظومة التعليمية في الوطن العربي, ورأى ان الاصلاح يبدأ من الجامعات العربية التي عليها ان تخرج نوعية مختلفة من المدرسين يتحقق بواسطتها الاصلاح المنشود. ولا ريب في اهمية هذا الرأي في شأن عملية الاصلاح, وتبدو مثله في الاهمية تلك المكانة المهزوزة, بل والمتدنية في كثير من الاحيان, لمهنة التدريس في نظر المجتمع, والتي ـ بلا شك ـ تحتاج الى عمليات تحسين تشارك فيها مؤسسات عديدة, وذلك لاعادة الصورة اللائقة للمدرس التي تتناسب مع الدور الهام الذي يضطلع به في تربية الاجيال واعدادهم لمواجهة متطلبات الحياة.