تستغرق المسافة بين قصر (اليتي) وقصر المواردية خمس دقائق لكن السيارة التي حملتنا بين القصرين قطعتها في حوالي الساعة بسبب اختناق المرور في مدينة الجزائر رغم (سرينة) السيارة الرسمية التي تشير الى انها تحمل ضيفا على الدولة . وقصر (اليتي) كان مقر قيادة قوات الاحتلال الفرنسية في الجزائر اما قصر (المواردية) فكان مقر ادميرال البحر الفرنسي (فرانسوا دارلان) الذي قتل فيه بالرصاص في ديسمبر 1924 وقد اصبح (اليتي) بعد الاستقلال فندقا له مذاق التاريخ وذوق العمارة الفرنسية اما قصر (المواردية) الذي تغير اسمه الى قصر الشعب فقد اصبح مقر رئيس الدولة منذ عهد الرئيس هواري بومدين بعد اكثر من 40 سنة كان القصر فيها مغلقا يعاني من الوحدة والفراغ والاهمال. وقد اتيح لي ان ادخل قصر (المواردية) وافتتح حوارا على مستوى القمة فيه مرتين في عصري هواري بومدين وخليفته الشاذلي بن جديد.. ثم كان ان انفجرت بحور الدم في الجزائر وحالت بيني وبين قطعة ساخنة من جسد الامة العربية كانت تمزق نفسها بنفسها. وتقطع لحمها بيدها في مسلسل من القسوة مغطاة بكلمات الله لايملك اكثر الناس خيالا تفسيرا له وهو مسلسل آن الاوان له على مايبدو ان ينتهي بوصول الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة الى قصر (المواردية) في 15 ابريل 1999. وبوتفليقه لمن يعرفه عن قرب صريح مباشر عنيد صبور يستمع طويلا لخصومه حتى يحدد الثغرة التي سينفذ منها يعرف كيف يصل الى مايريد ولو طال الزمن وقد كان طويل النفس عندما فضل الجيش عليه الشاذلي بن جديد لخلافة بومدين وكان متوقعا ان يخلف هو بومدين الذي مات مسموما بنوع من السم سربته الموساد الى جسده فراحت شعيراته الدموية تنفجر دون سبب واضح وهو ما كشفه السوفييت فيما بعد وكان بومدين قد نجح في دعم وتوحيد الفصائل الفلسطينية في وقت كان الحديث عن الصلح مع اسرائيل اصبح مباحا فاصبحت حياته مطلوبة وترك بوتفليقه الجزائر الى جنيف.. تاركا العالم كله يتصور ان هذا الشاب الذي كان اصغر وزير خارجية وكان اقوى رجال بومدين واقوى المرشحين لخلافته احترق وانتهى سياسيا الى غير رجعة لكنه عاد بعد سنوات طويلة ليصبح الرئيس السابع للجزائر وكانه استرد حقه ولو بعد 4 رؤساء وهو مايكشف العند والاصرار والتحدي في شخصيته التي توصف بشخصية الشرس في نعومة او شخصية سيف من الحرير. وبوتفليقه واحد من سبعة اشقاء لم يعرف سلطة الاب وان عرف قوة الام التي تولت تربيته هو واشقاؤه وفرضت عليهم ان يعيدوا توزيع جملة دخولهم حسب حاجة كل منهم ولانه كان بحكم منصبه الاكثر شهرة والاعلى راتبا فإنه كان يقدم الكثير من ماله ومرتبه لباقي الاشقاء (منهم شقيقة كانت تعمل ممرضة) وكان وهو وزيرا للخارجية متواضع الثياب لا يقدر ان يدفع الاكراميات في سفراته الخارجية ولم يحقق بعض الانتعاش المالي الا بعد ان ترك الجزائز وعمل مع بعض دول الخليج وعلى رأسها دولة الامارات العربية المتحدة. وهو من مواليد بلدة (وجدة) على حدود المغرب بالقرب من تلمسان اخر ولاية في الغرب الجزائري ولد في عام 1935 ولم يكمل تعليمه بسبب انخراطه في صفوف الثورة التي انفجرت في ليلة اول نوفمبر 1954 سنة وكان معروفا باسم (عبدالقادر المالي) نسبة الى دولة مالي التي كانت مدخل الثورة الجزائرية عبر الصحراء الكبرى الى افريقيا وكاد ان يقتل رجما في تلك الايام فقد كان واحدا من الشباب الذي يقومون بحلقات الوصل بين القيادات الثورية في مختلف انحاء الجزائر وفي احدى المهام كانت معه فتاة في مثل عمره وتعرضا للهجوم من دورية فرنسية فخافا ودخلا مغارة ليختبآ فيها وهو ما اثار الشبهات في ثورة كانت صارمة في التعامل مع افرادها وتطبق عليهم حدود الشريعة فتقرر رجمهما وكادا ان يقتلا علنا بالحجارة لولا ان جادت شهادة من رفيق كان معهما انقذت حياتهما ثم وجد الجميع انفسهم في اشتباك مع دورية فرنسية. فتحول مشهد الرجم الى معركة شرسة مع العدو وحتى الان يصر بوتفليقة على مقاطعة الزواج رغم ان عمره تجاوز الستين (حوالي 64 سنة) . ولبراعته في الاتصالات كان هو الذي دخل في حوار مباشر مع احمد بن بيلا وهو في السجن بعد ان اختطفه الفرنسيون هو ورفاقه (الذين كانوا يعرفون جميعا بالاحرار الخمسة) في الطائرة (عام 1956) وحتى الاستقلال في عام 1962 واصبح بين بيلا اول رئيس للجزائر لكن ذلك لم يمنح صراعا حادا انفجر بين الجناح العسكري (الذي شعر انه دفع الثمن من دماء مليون ونصف المليون شهيد) والجناح السياسي (الذي كان يرى ان قيادة الثورة ليس بالضرورة تصلح لقيادة الدولة) وكانت رؤوس الحراب في الجناح العسكري رئيس الوزراء ووزير الدفاع هواري بومدين ووزيرالخارجية عبدالعزيز بوتفليقة وكان الرهان في ذلك الوقت على كسب ود ودعم جمال عبدالناصر الذي كان واضحا انحيازه الى بن بيلا بل ان جمال عبدالناصر شعر بالخطر على بن بيلا فكلف عبدالمجيد فريد بارسال برقية تحذير اليه لكن البرقية تسلمها طاهر الزبيري رئيس الاركان والقريب من الرئيس ولم تصل البرقية الى بن بيلا وانما وصلت الي بومدين الذي سارع بتنفيذ عملية اقصاء بن بيلا عن السلطة وضاعف من السرعة ان الجزائر كانت على وشك استضافة مؤتمر قمة على المستويين الاسيوي والافريقي وكانت مصر وراء اخراج هذا المؤتمر بصورة لم تكن تسمح بها دولة وليدة مثل الجزائر وكان هذا المؤتمر فرصة لان يلعب بين بيلا دورا بارزا على المستوى العالمي سيسهم بالقطع في مضاعفة قوته على المستوى الداخلي. كان بن بيلا في ليلة الانقلاب ينام في فيللا جولي او فيللا يونيو وكانت المقر الرسمي للحكم قبل قصر (الشعب) وبعد ان اطفأ النور بعد منتصف الليل كان خمسة من كبار ضباط الجيش يستعدون للانقضاض عليه على رأسهم طاهر الزبيري الذي كان يحظى بثقة بن بيلا وعلى حد رواية محمد حسنين هيكل ( في الاهرام ــ 25 ــ يونيو 1965) فإن الضباط الخمسة فتحوا الباب على بن بيلا واضاءوا النور ففتح عينيه وجلس في سريره ينظر في دهشة اليهم وهنا قال له طاهر الزبيري: سي احمد ان المناضلين الحقيقيين تحملوا مسؤوليتهم في هذا البلد) ويبدو ان بن بيلا لم يفهم فاضاف الزبيري: سي احمد انت لم تعد رئيسا للجمهورية يلزمك الآن ان تستريح) . كان الصراع بين بن بيلا وبو تفليقة هو شعرة معاوية التي انقطعت بين بن بيلا والجيش وفصائل المجاهدين فقد راح بن بيلا يضغط على بومدين لطرد بوتفليقة من وزارة الخارجية .. بدعوى انه ينفذ سياسة خارجية لا يرضى عنها .. ولكن بومدين ــ الذي لم يكن طامحاً ــ في منصب الرجل الأول شعر أن كل رفاقه الثوار سيذهبون في (شربة ماء) يمضمض بها بن بيلا فمه .. ثم يبصقها .. فكان ان قرر بومدين ان يفطر به قبل أن يتعشى بهم .. فكان ما كان. ووصف بوتفليقة بالرجل القوي وراء الانقلاب .. ورشحته بعض الأخبار بتولي الرئاسة .. استنادا لرفض بومدين دور الرجل الأول .. ولكن .. كانت السلطة الجديدة جماعية ومكونة من 20 شخصا .. وفي ذلك الوقت كان على بوتفليقة مد جسور الثقة بين السلطة الجديدة في الجزائر وجمال عبد الناصر .. ولم تنجح مهمة عبد الحكيم عامر ـ الذي طار الى الجزائر بعد الانقلاب لمعرفة ما جرى ــ في مد هذه الجسور .. فكان على بوتفليقة أن يطير الى القاهرة ويكسب تأييد جمال عبد الناصر وجها لوجه .. خاصة في وقت كانت فيه الجزائر على وشك تقديم نفسها بصورة مختلفة في المؤتمر الآسيوي الافريقي .. ووصل بوتفليقة الى القاهرة قبيل منتصف الليل .. وتوجه فورا الى بيت جمال عبد الناصر الذي استمرت المحادثات معه حتى الثالثة صباحا .. ثم ذهب بوتفليقة لمقابلة شواين لاي رئيس وزراء الصين الشعبية وأحد الوجوه اللامعة في حركة عدم الانحياز .. ولاجدال ان شواين لاي منح ثقته لهذا الوزير الشاب الذي لم يكن عمره تجاوز الثلاثين .. وفيما بعد رد بوتفليقة هذه الثقة عندما أصبحت الجزائر رئيسة دورة الأمم المتحدة في عام 1974 .. ففي هذه الدورة قبلت الصين الشعبية عضوا في الأمم المتحدة .. واعترفت المنظمة الدولية لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية .. وهو ما رفع اسهم بوتفليقة في العالم على المستويين الرسمي والشعبي .. وارتفعت الأسهم أكثر بعد أن تولى بوتفليقة مهمة التفاوض مع كارلوس وجماعته التي اختطفت وزراء بترول دول الأوبك في فيننا وحملت الوزراء والمختطفين طائرة هبطت في الجزائر .. ونجح بوتفليقة في تحرير الرهائن وإنقاذ حياة 12 وزيرا للبترول .. كانت القنابل في أفواههم على حد تعبير وزير البترول السعودي الأسبق الدكتور زكي يماني الذي كان أول المطلوبين للموت. بعد وفاة بومدين لم يحظ بوتفليقة بمكانه الطبيعي في قصر الشعب .. وشعر الجيش الذي كان يسيطر عليه محمد يحياوي أن بوتفليقة أقوى من أن يترك له السلطة والا تجاوز الجيش الذي يلعب الدور الأكبر والأخطر في السياسة .. وكان أن جاءوا بالشاذلي بن جديد .. وكان قائدا مجهولاً في وهران يقضي شهر عسل جديد .. ويهتم بلعبة التنس أكثر من اهتمامه بمناورات السياسة .. ولا جدال ان بن جديد خفف من قبضة السلطة المركزية في البلاد .. لكنه وصل بها الى حالة من التسيب والفساد وتراجع عن خطة التعريب وفتح الباب على مصراعيه لتيار التطرف الديني .. فدخلت الجزائر في مستنقع العنف .. وغرقت في المذابح والمجازر وبحار الدم .. وبدا ان الحرب الأهلية انفتحت على أبواب جهنم في الجزائر بعد أن أغلقت هذه الأبواب في لبنان .. وبنفس شراسة القتال في حرب التحرير راح الجزائريون يكررون سيناريو العنف في حرب ليس فيها تحرير وانما تخريب. والشخصية الجزائرية مشهورة بالعنف ... ولكن .. من الظلم ألا نعرف أن سبب هذا العنف هو ما عاناه الناس في الجزائر من تعذيب وتدمير على يد الفرنسيين في تجربة شديدة الألم لم يقدر لشعب آخر أن يتعرض لها .. وحتى وقت قريب عندما كنا نزور الجزائر كنا نقرأ أخبار المقابر الجماعية التي كانت تكتشف في عمليات الحفر والبناء .. مئات الناس كانوا يدفنون أحياء .. وهو ما جعل الناس هناك لا يخشون الموت ويتعاملون معه بنفس السهولة التي يشترون بها الخبز ويشربون القهوة .. كما ان الدين الاسلامي كان هوية الجزائريين في الثورة .. تعكس الايمان بالعروبة .. حتى ان الجزائريين لا يتصورون وجود عرب غير مسلمين .. كذلك لم يكن في الجزائر طبقة وسطى وقت الاستقلال قادرة على خلق التراكم السياسي المدني المناسب وهو ما جعل من السهل رفع شعار الجهاد دون مقاومة .. وكل ما حدث هو ان الجزائريين غيروا هدف الجهاد فأصبح سلطة الحكم بعد ان كان سلطة المستعمر. على أنه من جانب آخر كان على الجزائريين أن يتعلموا كعادتهم بالدم وأن يكتسبوا خبراتهم السياسية بالتصفيات الجسدية .. وهو ما جعل دور بوتفليقة في تولي السلطة يتأخر سنوات طويلة قضاها في الغربة بعيدا عن الوطن .. يعاني من حملة التشهير التي اتهمته باختلاس 50 ألف دينار جزائري (وهو مبلغ أقل من 5 آلاف دولار) واستخدمت هذه الورقة في الانتخابات التي خاضها .. ورد عليها كثيرا .. كما انه كان في الغربة يعاني من متاعب في الكلي خففت منها الرعاية الطبية المتوافرة في سويسرا .. وايضا استخدمت هذه الورقة للعب المضاد له في الانتخابات .. ولكن كل هذه الأوراق ما كانت تؤثر في سياسي محترف مثل بوتفليقة .. نجح في ان يحظى بتأييد من التيارات السياسية الرئيسية في الجزائر .. في وقت بدا فيه الجزائريون انهم زهدوا العنف .. وتعلموا الدرس .. وفي حاجة لأن ينعموا بفضيلة الاستقرار التي حرموا منها طويلاً .. وكان بوتفليقة قد رفض ان يصل الى السلطة بالشروط التي فرضت على سلفه اليمين زروال وأصر على أن يصل الى السلطة عبر صندوق الانتخاب .. والغريب انه نجح في الوصول الى الحكم بالانتخاب في عام 1999 ولم يصل اليه بالانقلاب في عام 1965 .. كما ان ظاهرة يندر حدوثها في السياسة ــ خاصة في العالم الثالث ــ أن يعود الى السلطة من فرض عليه ان يتركها .. وأن يعود للضوء من أجبروه على الظل. ولعل مواهب بوتفليقة السياسية تتجلى في قدرته على أن يجمع بين الجيش (حزب جبهة التحرير) والتيار المدني (حزب التجمع الوطني الديمقراطي) والتيار الاسلامي (حركة النهضة الاسلامية) في تحالف واحد هو الذي وقف وراءه في الانتخابات ومنحه أعلى فرص الفوز وحفز خصومه على الهروب المبكر المواجهة الأخيرة قبل الادلاء بالاصوات بيوم بدعوى ان التزوير سيقع .. سيقع كما انه هو الوحيد بين المرشحين السبعة للرئاسة الذي يسبقه تاريخ سياسي معروف وتجربة محددة في الحكم ومساحة كبيرة من العلاقات العربية والدولية .. ولكن .. فوزه في الانتخابات سيصطدم بكثير من العقبات منها الديون الخارجية .. والشروط القاسية لصندوق النقد الدولي في مجتمع لا يطيق نفسه .. والتربص الأمريكي والفرنسي لرمز من رموز مرحلة بومدين وهي مرحلة كان يعترض عليها الغرب ويقاومها .. على ان كل ذلك يهون أمام وحدة الجزائر واستقرارها وتجفيف بحور الدم فيها .. وهي مهمة أتصور ان بوتفليقة هو الأكثر قدرة وحكمة على تأديتها .. لقد استرد بوتفليقة ظله عبر سنوات الغربة .. فهل تسترد الجزائر ظلها هي الأخرى؟