أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية بالجزائر فوز عبدالعزيز بوتفليقة بمقعد الرئاسة بــ 73.69 بالمئة من الاصوات المعبر عنها, وقاطع الانتخابات ستة مترشحين, اجمعوا على انحياز الادارة لصالح المترشح عبدالعزيز بوتفليقة , الذي لقي دعم أربعة أحزاب سياسية فاعلة هي: التجمع الوطني الديمقراطي, وجبهة التحرير الوطني وحركة تجمع السلم وحركة النهضة الاسلامية بالاضافة الى المنظمات الجماهيرية كاتحاد العمال الجزائريين والاتحاد العام للنساء الجزائريات وتمثل الاحزاب والمنظمات المذكورة حوالي 30 بالمئة من عدد الناخبين الذين تجاوز عددهم عشرة ملايين ناخب مما يعني ان فوز عبدالعزيز بوتفليقة بالرئاسة كان محسوما منذ البداية بالنظر الى التأييد الذي لقيه في حملته الانتخابية من الشعب الجزائري وأكثر من ذلك كله يعتبر عبدالعزيز بوتفليقة لدى الكثيرين الشخصية المؤهلة لقيادة الجزائر في المرحلة الراهنة التي تتسم بتدهور الوضع الامني حيث لا تزال جماعات الارهاب تقتل المدنيين العزل في القرى والجبال على الرغم من نجاح قوات الامن والجيش الجزائريين في القضاء على العديد منهم الاشهر الاخيرة, ويمكن القول ان تحمل عبدالعزيز بوتفليقة مسؤولية ثقيلة يعتبر تحديا من رجل عاصر رجالا عظماء وساهم في صنع واتخاذ قرارات هامة في وقت كانت الجزائر تلقب بــ (قلعة الثوار). وعبر الرئيس الجديد في حملته الانتخابية وفي الندوة الصحفية التي عقدها عقب اعلان فوزه بالرئاسة عن شعوره بثقل المسؤولية التي ستلقى على عاتقه خاصة ان الوضع السياسي الداخلي في الجزائر معقد ومتداخل يتطلب معالجته بعقلانية وحكمة... ما هي الاوراق التي يلعبها بوتفليقة في تحقيق وعوده للشعب الجزائري؟ المصالحة الوطنية ... الرهان الأكبر يطرح الرئيس الجديد للجزائر مشروعا سياسيا للمصالحة الوطنية يرمي الى اشراك الطبقة السياسية في حوار سياسي شامل, واستشارة الشخصيات الاسلامية المعتدلة الملطخة أياديها بالدماء, ويعالج الحوار السياسي موضوع الجماعات المسلحة التي حملت السلاح في وجه الشعب الجزائري وبحث كيفية وقف اراقة الدماء وسيكون الحوار مفتوحا لجميع الاحزاب السياسية لابداء رأيها في المسألة التي عجزت الحكومات السابقة في معالجتها, ووعد عبدالعزيز بوتفليقة بحل المعضلة الامنية بسرعة ممكنة لكي يحقق الاستقرار السياسي والأمني, ولكن التساؤل الكبير الذي سيواجهه برأينا هو: هل تشارك الشخصيات السياسية الفاعلة في مثل هذا الحوار, وهل للقوى الخارجية رأي في الموضوع؟ للحقيقة العديد من الشخصيات السياسية الجزائرية شككت في مسعى الرئيس الجديد وذهبت الى حد اتهامه بالمناور السياسي الذي جيىء به الى السلطة وبالرئيس الذي لا يمتلك الشرعية الشعبية انطلاقا من ان الانتخابات مزورة بنظرهم لأجل ذلك تحاول الشخصيات التي قاطعت الانتخابات خلط الأوراق لابقاء الوضع على حاله الراهن وهز صورة الرئيس عند الشعب الجزائري وككل سياسيي العالم تدعي الشخصيات التي شاركت في الحملة الانتخابية الرئاسية بأنها قادرة على اخراج الجزائر من وضعه السياسي والامني المتدهور وادعاءاتها مجرد مناورات سياسية لتغطية فشلها عندما كان بعضهم في السلطة برأينا, كما ان مقاطعتهم للانتخابات الهدف من ورائها التشكيك في شرعية الرئيس الانتخابية لدى الرأي العام الدولي مع علمهم بأن مشاركتهم كانت ستحسم السباق لصالح عبدالعزيز بوتفليقة, وقد تمكنوا من احداث (تصادم) سياسي بين الرئيس الجديد من جهة والولايات المتحدة الامريكية وفرنسا من جهة اخرى ولاحظنا موقف القوتين من الانتخابات الذي كان موقفا داعما للشخصيات المقاطعة للانتخابات ذلك ان كلا من الولايات المتحدة وفرنسا تحمل موقفا (متحفظا) من الرئيس الجديد لأنه شخصية عارضت الغرب ابان فترة الرئيس الراحل هواري بومدين, وشخصية باستطاعتها حل مشكلات الجزائر الامنية والاقتصادية والاجتماعية برأيها والمتتبع للسياسة الامريكية والفرنسية تجاه الوضع في الجزائر يستشف منها عدم رغبة القوتين في استقرار الوضع داخل الجزائر لأن بقاء الوضع على حاله سيضعف بنية الجزائر العسكرية والاقليمية ويقلل من مكانتها الاقليمية والدبلوماسية التي اكتسبتها منذ استقلالها, ويدرك بوتفليقة لماذا ترفض العاصمتين باريس باريس وواشنطن نتائج الانتخابات ليس من اجل حرصهما على مصلحة الجزائر انما من اجل مصالحهما الاستراتيجية في ترتيبات النظام الدولي الجديد, ولا نعرف هل تدرك الشخصيات السياسية الجزائرية ابعاد معارضتها للتوجه السياسي الجديد الذي يرغب عبدالعزيز بوتفليقة تجسيده ميدانيا والرامي الى اعادة الامور السياسية الى نصابها, وعلى كل حال لا نعتقد ان التأييد الشعبي الذي يستند اليه الرئيس كاف لطرح افكاره السياسية التي لاقت تأييد الاحزاب الفاعلة في الساحة الجزائرية الا ان مثل هذه الأفكار للمصالحة الوطنية ستلقى ضغوطا خارجية من الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا حيث تتمركز جماعات ارهابية تعمل على عرقلة الحوار الوطني. ومثل هذه الجماعات عبارة عن أدوات تحركها القوى الدولية, ضد أية دولة متكاملة يتخوف من احتمال تبوئها مكانة في النظام الذي يرتب له للقرن المقبل, وتمثل الجزائر احدى الدول العربية هذه, بثقلها الاستراتيجي المعروفة به, من هنا فإن معالجة الملف الامني تعني المقدرة على معالجة ملف هذه الجماعات الارهابية بمختلف فصائلها, وذكر بوتفليقة صراحة انه سيعالج ملف الهدنة التي اعلنها (الجيش الاسلامي للانقاذ) الذي يعد الذراع العسكرية لجبهة الانقاذ المحظورة, في سياقها القانوني والسياسي, وأكد بوتفليقة بأنه رجل المصالحة وانه سيتمكن من اطفاء نار الفتنة وايقاف اراقة الدماء من خلال تحقيق المصالحة بين الجزائريين, واذا ما تحققت الهدنة المسلحة مع رئيس منتخب يتبنى خيار المصالحة فإن هذا يمكن ان يسفر عن دخول باب استعادة السلم بطريقة سلسة لا تعرف العودة الى الوراء. الأمن الاقتصادي.. بعد الأمن الأمني ومن المشكلات الموروثة عن العشرية الأخيرة, يمثل التدهور الاقتصادي احدى انشغالات الرئيس الجديدة, فالاقتصاد الجزائري يعيش مرحلة انتقالية لا تزال لم تكتمل بعد من اقتصاد موجه بني في فترة السبعينات الى اقتصاد ليبرالي بدء العمل به منذ منتصف الثمانينات وبداية التسعينات عندما كان مولود حمروش رئيسا للحكومة, ويرث عبدالعزيز بوتفليقة ملفا صعبا لم يتم تفكيك رموزه الى الحد المرجو طيلة سنوات حكم زروال وعلى مدى سنوات حكم زروال الخمس تعاقب ثلاثة رؤساء حكومات هم رضا مالك, ومقداد سيفي واحمد او يحيى ومضت السلطة التنفيذية في تطبيق التحولات الاقتصادية التي تطلبت تضحيات كبيرة كان ضحيتها الاول رجل الشارع, وناشد زروال وقتها حكومة اويحيى في تطبيق هذه السياسة الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي والالتزام بشروطه وكانت النتيجة اغلاق الف مؤسسة وطنية ومحلية وتسريح ما يقارب نصف مليون عامل. وعبر بوتفليقة اثناء حملته الانتخابية عن عدم رضاه عن السياسات الاقتصادية للبلاد ووعد بانعاش الاقتصاد وتخفيض المديونية التي تقارب 37 مليار دولار.. ولا يمكن بحال من الأحوال تفكيك الملفين الأمني والاقتصادي نظرا لان كلا منهما يكمل الاخر ويؤثر عليه وابرز مثال على ذلك حالة العنف في المجتمع خاصة في أوساط الشباب على ارضية البطالة التي حققت معدلات قياسية في بلد يمثل فيه الشباب نسبة خمسة وسبعين في المائة من السكان. مكانة الجزائر.. بين الامم. لعبت الجزائر ادوارا دبلوماسية وسياسية في العديد من الأحداث الدولية وتركت بصماتها في الكثير من التكتلات والاهداف السياسية خلال فترة السبعينات والثمانينات, كما ان رصيدها الثوري اعطاها مكانة مميزة بين الأمم ولايزال التاريخ السياسي والدبلوماسي يستذكر القرارات الهامة التي اتخذتها الجزائر في حق شعوب العالم الثالث يكفي انها اول دولة طالبت بنظام دولي جديد مبني على العدالة والمساواة, ويعتبر عبدالعزيز بوتفليقة مهندس السياسة الخارجية لعالم الجنوب بحنكته ومقدرته على معالجة قضايا شائكة يشهد له بذلك زعماء العالم ومهندسي السياسة الدولية, ولا نستغرب عندما يحن الرئيس الجديد للعهد السابق ويعاهد الشعب بارجاع مكانة الجزائر بين الامم في وقت تشهد الخارطة السياسية الدولية تغيرات وتقلبات بين القوى الدولية الكبرى ما من شك انها ستكون على حساب الشعوب العربية والاسلامية وشعوب العالم الثالث هذا اذا علمنا ان مركز الجزائر الاستراتيجي وموقعها الجغرافي يحتم عليها ويجبرها ان تحدد موقعها في الترتيبات التي تحصل والتي نقترب من حدودها, واكثر من ذلك كله, العديد من المشكلات الدولية التي تجرى تفاعلاتها في المحيط المتوسطي الذي تعد الجزائر جزءا منه, فهنالك مشكلة الصحراء الغربية, وهنالك الترتيبات العسكرية في جنوب اوروبا, وهنالك مناورات اطلسية تقودها الولايات المتحدة الامريكية, بالاضافة الى العديد من مصالح الجزائر الخارجية التي اصبحت مهددة, في حال ما اذا استمرت تفاعلات ازمة الجزائر الداخلية, ويدرك عبدالعزيز بوتفليقة ثقل الرهانات الامنية والاستراتيجية التي تواجهها الجزائر, وليس من السهولة معالجتها بانفراد عن دول الاتحاد المغاربي المعنية بهذه الترتيبات هي الاخرى, لأجل ذلك يراهن عبدالعزيز بوتفليقة على الاتحاد المغاربي بوصفه اتحادا اندماجيا يمكن من خلاله ان تواجه الدول المغاربية التحديات الخارجية في العالم الجديد الذي يتسم بالترابط والتداخل والتكامل.. فهل يستطيع الرئيس الجديد ان يعالج الملفات الامنية والاقتصادية والدولية, في الوقت الراهن... ربما ينجح بوتفليقة فيما عجز عنه الرؤساء السابقون.. باحث في العلاقات الدولية