هل (العولمة) أيديولوجية جديدة بعد سقوط الأيديولوجيات بسقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه, أم أنها شىء مختلف لا علاقة له بالأيديولوجيات القديمة؟, هذا السؤال بدأ يدور في أذهان مختلف المحللين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين في محاولة لفهم ما يجري في ظل ثورة معلوماتية رهيبة لا تقدر الحدود بمختلف أنواعها على مواجهتها, وفي ظلها تحولت الدول الى مجرد إدارات محدودة القدرة والسلطة في إدارة أمور بلادها, حتى الحكومات المنتخبة ديمقراطيا منها, مما باعد بين تلك الحكومات وبين شعوبها التي انتخبتها, واعتبرتها المعبر عن رأيها والمسؤولة عن إدارة شؤونها, والمدافعة عن مصالحها في مواجهة المصالح الأجنبية. على الرغم من أن الجميع متفق على أن العولمة ليست أيديولوجية جديدة جاءت لتقوم على أنقاض الأيديولوجية القديمة, إلا انهم لا يرون فيها مجرد ثورة معلوماتية فتحت الطريق أمام ظواهر معينة للانتشار, وبشكل خاص في مجال الاقتصاد وحركة رؤوس الأموال التي تمتلك معظمها الشركات المتعددة الجنسية, والتي تخرج عن سلطة الدولة أو الحكومة المحلية, وأن معظم المحللين يحاول أيضا أن يقلل من أهمية العولمة في مجال الاقتصاد, باعتبار أن رؤوس الأموال تحررت خلال هذا القرن الذي أوشك على الانتهاء, متخذين أمثلة من الاقتصادين البريطاني والفرنسي اللذان كانا خلال هذا القرن منتشرين في العالم كله قبل أن تظهر الشركات المتعددة الجنسية, ولكن بعضهم يتجاهل أن العولمة في الاقتصاد الآن جعلت من الاقتصاد العالمي شبيهاً باقتصاد واحد متمدد في دول العالم, ويدار عبر شبكة كبيرة من الخطوط التي تكاد تنتهي الى مكان واحد للإدارة. الأسواق المالية الان هي التي تسيطر وتوجه الاقتصاد العالمي, على الرغم من أن الأموال التي تجري في انهار تلك الأسواق ليست كلها (معلومة) , ولكنها في النهاية تخضع لهذه الظاهرة العالمية. الإنتاج والخدمات معظمها منظم عبر شبكات تتمدد خلال العالم كله, ولا تكاد تفلت من إدارته إلا القليل من الدول التي تحاول أن تحيط نفسها بسياج لحماية نفسها, أو تلك التي تحاول أن تفرض على شعوبها عزلة اصطناعية تبعدها عما يجري في العالم. معظم الإنتاج العالمي للسلع والخدمات تنتجها شركات متعددة الأحجام والأشكال, ولكنها تخضع لطريقة متقاربة في التسويق, وطريقة متقاربة في الإدارة, خاصة بعد أن أصبحت هذه الطريقة مفروضة على الإدارة تحت ضغوط شكل الاتصال الذي تحكمه تكنولوجيا متطورة تقوم بنقل وتوزيع الإدارة عبر الصوت والصورة بأسرع مما يمكن أن يقوم به نظام الإدارة التقليدي, بعد أن تحول العالم الى استخدام شبكة الاتصالات عبر الانترنت التي يتوقع الخبراء أن يصل عدد المتعاملين مع تلك التكنولوجيا الى ما يزيد على 500 مليون متعامل خلال العامين المقبلين, تمثل الشركات الكبرى الجزء الأكبر من تلك الشبكة. تنظيم تلك الشركات من خلال شبكة عالمية مثل الانترنت يجعل من تلك الشركات سلطة أعلى من سلطة الحكومات في أي دولة في العالم, لأن تلك الشركات يمكنها أن تمارس التجارة ونقل وتوزيع الخدمات بعيدا عن رقابة أي دولة, بل أن بعض تلك الشركات تملك من الأدوات والوسائل لحماية مصالحها أكثر مما تملكه الحكومات لحماية مصالح شعوبها. بعض الشركات المتعددة الجنسية أصبحت في وضع يسمح لها بتهديد الحكومات وتخطي سلطاتها في العديد من المجالات, ووصل الأمر ببعض الشركات الكبرى أنها تحولت الى مافيات حقيقية تهدد سلطات الحكومات, وتمتلك حتى ممارسة العنف دون أن تجد الحكومات المحلية أداة لمواجهتها. العولمة نتج عنها إمكانية توسيع حركة رأس المال في جميع الاتجاهات, وزيادة حجم تبادل المعلومات مما نتج عنه زيادة سيطرة المصالح الاقتصادية والاجتماعية في الأسواق والمعلومات, فأصبحت الدولة هي الخاسر الأكبر في هذه المؤسسة الجديدة الناتجة عن العولمة المعلوماتية بعد أن كانت الدولة خلال القرنين الأخيرين هي المسيطرة على حركة مجتمعاتها, وكانت السياسة العامة للدولة المسيطر الحقيقي على حركة الاقتصاد سواء المحلي أو الخارجي. هذا الوضع الجديد انهى سلطة الحكومات الديمقراطية التي انتخبتها شعوبها لتكون أداتها في حماية مصالحها, لذلك فان الشعوب في الدول الديمقراطية بدأت تنتبه الى أن مصالحها مهددة, وأن الحكومات التي انتخبتها بشكل ديمقراطي لتعبر عنها لم تعد تملك القدرة على حماية تلك المصالح, ولا التعبير عما تراه تلك الشعوب. لذلك فان هناك تنامياً حاداً بين شعوب العالم المتقدم ضد العولمة بشكلها الحالي, لأنها أصبحت تمثل خطرا على مصالح الشعوب, وتحمي مصالح رأس المال المتحرر في شكل الشركات المتعددة الجنسية. هناك العديد من الأمثلة التي تؤكد هذا التوجه, الذي يتمثل في وجود جماعات معينة أو حتى دول معينة تحاول الهروب من العولمة بشكلها الحالي, وإقامة حاجز أمام سلطة الشركات الكبرى التي اتخذت من العولمة طريقا لفرض سيطرتها, وتقديم مصالحها الخاصة على مصالح شعوب تلك الدول أو تلك الجماعات. ويفسر بعض الخبراء والمحللين انتشار ظاهرة التطرف التي تحتمي في الأديان بأشكالها المختلفة على أنها نوع من محاولات الحماية التي تحاول أن تحتمي بها جماعات ودول معينة من سيطرة أجنبية نابعة أو مفروضة عليها بسبب العولمة. أيضا قيام تكتلات سياسية اقتصادية مثل الاتحاد الأوروبي تدخل في هذا الإطار الذي تحاول الدول حماية مصالحها, على الرغم ما يمثله انضمامها الى تلك التكتلات من فقدان جزء مهم من سلطتها الوطنية, وأيضا يفقدها قدرتها على إدارة وحماية مصالح شعوبها. لذلك يرى علماء السياسة والاجتماع وخبراء الاقتصاد في العالم الان انه لابد من وضع ضوابط جديدة للتحكم في حركة رؤوس الأموال عالميا التي تخضع حاليا لأهواء صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية, وتحاول من خلاله تنفيذ سياساتها الرامية الى أحكام السيطرة على العديد من الدول الصغيرة, خاصة بعد أن أثبتت التجربة أن هذا الصندوق كان دائما وراء كل الكوارث الاقتصادية التي حلت بالدول التي تعاونت معه أو تلقت قروضه مرفقة بنصائحه التي كانت وبالا على شعوب عدة. في رأي هؤلاء الخبراء أن بناء اقتصاد حقيقي قائم على العولمة في المعلوماتية ونقلها عبر شبكة عالمية لن يكون إلا من خلال تكوين شبكة مشتركة ما بين تلك الشركات والدول العاملة فيها تتعامل بشكل ديمقراطي وغير مركزي, أي لا تكون شركات المعلوماتية هي المركز في هذا النظام, وهذا يمكن أن يكون في رأي الخبراء بربط التخلص من صندوق النقد الدولي بشكله الحالي, وإيجاد نظام جديد يكون للحكومات والدول الأخرى فيه كلمة لا تقل أهمية عن الكلمة التي تسيطر بها الولايات المتحدة على صندوق النقد الدولي. وإيجاد هذا النوع الجديد من صندوق النقد الدولي ليس مستحيلا, فقد أثبتت التجربة إمكانية تخطي الأزمات الاقتصادية بعيدا عن كوارث صندوق النقد الدولي, والصين تعتبر نموذجا ومثالا على هذا, في المقابل فان ما حدث في روسيا يعتبر مثالا على الكوارث التي يتسبب فيها تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.