يعتبر مفهوم النخبة السياسية احد اهم اتجاهات تحليل الاوضاع السياسية او النظم السياسية ضمن علم السياسة بل ان بعض دارسي السياسة يعتقد بأن تحليل دور النخبة السياسية, قد يكون العامل الاكثر اهمية في معرفة اتجاهات النظم السياسية وتفسير تصرفاتها في حالات السلم والحرب وسياساتها الخارجية والداخلية, ودور الدولة ضمن العلاقة مع المجتمع . ومفهوم النخبة السياسية هو جزء من دراسات السياسة المقارنة, لكن تعبير او مصطلح النخبة السياسية ليس محصورا في فئة معينة, وانما يستخدم احيانا ليعبر عن الطبقة السياسية كما يميل الى ذلك بوسكا, او النخبة الحاكمة كما يفضل باريتو, او الدوليفاركي كما يدعو اليه ميشلز. لكن جميع هذه التعابير والمصطلحات لا تختلف عن التعريف القائل بان النخبة هي فئة قليلة العدد من متخذي القرار السياسي الذين يديرون شؤون الدولة ويحددون مسارها, مما يعني التركيز على مجموعة محددة ممن يعنون بالشأن السياسي العام. تعدد النظم من هنا فان النخبة السياسية هي المجموعة المحدودة العدد التي تتمتع بالسلطة السياسية والتي تتخذ اهم القرارات السياسية للمجتمع وتتصرف باسم الدولة ولعل من اهم ما يميز النظم السياسية Political Systems عن نظم الحكم Politecal Regimes انما هو طبيعة تكون وانشطة النخبة الحاكمة. ذلك ان النظام السياسي انما يتميز بنخبة سياسية قابلة للتغير واكتساب عناصر جديدة فاعلة ومتحركة تحل مكان بعض منها في دورة شبه روتينية, اما نظم الحكم, فانها تتصف بكونها ترتبط بنخب حاكمة غير قابلة للتغير أو هي جامدة أو بطيئة بالمقارنة بغيرها, كما انها لا تكتسب عناصر جديدة ضمن ما يطلق عليه Assimitation, ولكنها تضيف مساندين لسلطتها ضمن ما يطلق عليه Co-optation, والفارق بين العمليتين كبير وشاسع. فالعملية الاولى تكتسب اعضاء جدد بصلاحيات كاملة وامكانية احلال مفتوحة داخل النخبة ذاتها, اما العملية الثانية فانها تكتسب مساندين لسلطة النخبة الحاكمة ودون صلاحيات كاملة, كما انها لا تسمح بامكانية الاحلال ودخول صفوف النخبة ذاتها, بل يبقى العنصر المكتسب جانبا يمكن التخلي عنه كما تم اكتسابه, ومن الجلي ان العملية الاولى تعزز النخبة السياسية بدماء جديدة على حين ان العملية الثانية تسند النخبة الحاكمة بموارد جديدة فقط. أيضا فإن ما يميز النخبة السياسية عن النخبة الحاكمة انما هو الاساس الذي تقوم عليه علاقتها بالطرف الآخر الذي تمارس عليه سلطتها السياسية. فالنخبة السياسية التي تستند الى نظام سياسي متمايز السلطات تعتبر جزءا من المجتمع, ولذا فإنها تنطلق من معادلة الحقوق بالواجبات التي تستند الى عقد اجتماعي. وبناء على هذه المعادلة فإن طبيعة الشرعية السياسية للنخبة لا يكون حولها اي خلاف, كما ان التغييرات السياسية تكون خاضعة لذلك العقد. ومن هنا فإن هاجس الأمن يخبو وتنشط بدلا منه عملية سياسية تقوم على خلق اجماع او اتجاهات الاغلبية. بالمقابل فإن النخب الحاكمة غالبا ما تستند الى نظام حكم يتجاهل متطلبات العلاقة مع الطرف الذي تمارس عليه السلطة السياسية. ونظرا لغياب العقد الاجتماعي الذي يحدد الشرعية السياسية وبالتالي يحكم التغييرات السياسية فإن هاجس الامن هو الذي يكون سائدا ويكون القسر هوالسمة الغالبة, وتكون العملية السياسية خاضعة لمفهوم جامد للاستقرار السياسي ولا تأخذ في الاعتبار توازن الحقوق والواجبات, كما يغيب عنها اي اجماع أو تأثير لمصالح الاغلبية. تطور النخبة ولعل اهم ما يميز النخبة السياسية عن النخبة الحاكمة, اضافة الى كل ما ذكر, ان مفهوم التغيير بالنسبة للاولى هو من المسلمات التي تعبر عن الحيوية, على حين ان الخوف من التغيير هو ما يطبع سلوك الثانية. وحيث تبدو الاولى اكثر قدرة على مسايرة الزمن تقبع الثانية متوارية عن الاحداث مخافة حدوث مالا تحمد عقباه. ولذلك فعندما يقاس مستوى تطور أي دولة يمكن من خلال قياس مستوى تطور النخبة التي تدير شؤونها, ولعل هذا ما يميز دول الغرب المتقدم عن دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي ودول العالم النامي. أين اذن تقف النخب السياسية العربية, ان صح التعبير؟ وهل يصدق عليها النموذج الأول أم الثاني؟ من الملاحظ أن الدول العربية تمتلك صفات متداخلة بين النظم السياسية ونظم الحكم, وهذا لا يميز نظماً ملكية عن جمهورية, فالنخب الحاكمة في النظم الجمهورية تكاد تكون شبيهة بالنخب الحاكمة في النظم الملكية, ذلك أن نظم الحكم تكاد تكون متشابهة, وأسس الشرعية السياسية تكاد تكون متقاربة, حيث يغيب العقد الاجتماعي اما كلية أو انه موجود لكنه مجمد وغير ذي اثر. كذلك تتشابه هواجس الأمن وصفات الدولة البوليسية وتعلو على متطلبات العملية السياسية وقنواتها. يضاف الى ذلك ان اغلبية النخب غير قادرة على ممارسة عملية الإضافة Assimilation لانها غير قادرة على منح صلاحيات كاملة للعنصر المكتسب. ولذلك فان وضع النخب العربية يحتاج الى معالجة من داخلها أولاً بما يمنحها القدرة على اداء دور النخبة السياسية والابتعاد عن صفات النخبة الحاكمة حتى ان لم تستطع التخلي عن ذلك الدور بشكل سريع. يقول القديس سيمون بانه اذا ما أريد تغيير النظام فان المطلوب تغيير النخبة.. ويضيف بان النخبة السياسية ينبغي ان تتصف بالموهبة وليس بالولادة. ومن المؤكد ان دور النخبة مهم جدا بالنسبة لحيوية النظام السياسي واستقراره وتحقيق التطور الاقتصادي, ولذلك فإن النخب السياسية العربية بحاجة الى اعادة النظر في تكوينها ونظمها وادائها. ولعل اول ماهو مطلوب بالنسبة لها ان يعاد النظر في مفهوم الامن الذي تستند اليه. فالامن على اهميته وحيويته للاستقرار والنمو لكنه ليس العنصر الوحيد الذي ينبغي ان تستند اليه حركة النخب. او بالاحرى فإن معادلة الامن بالحركة السياسية للنخب قد تكون اتجاها اكثر ديمومة وفاعلية. معيار المواطنة ولعل اول متطلبات اعادة صياغة دور النخب في مجتمعاتها هو الاستناد الى قاعدة حقوقية للشرعية السياسية للحكم, تبتعد عن مبدأ القوة في السياسة الداخلية والاقتصار عليه فقط في مواجهة الخارج. ايضا فإن المطلوب استبدال معيار الولاء المطلق للنخبة بالولاء للوطن وعدم الخلط بينهما فهذا التغيير في حد ذاته كفيل بتغيير العلاقة بين النخب الحاكمة ومن تمارس عليهم سلطتها السياسية. وهذا يوصلنا الى تغيير آخر ضروري ولازم وهو مفيد للنخب الحاكمة قبل غيرها. هذا التغيير يتطلب استبدال تعبير (الرعية) بالمواطنين, حيث يعبر ذلك عن نهج مختلف في النظر الى الشعب, ويعني اعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطنة تعني حقوقا وواجبات متساوية, على حين ان الرعية تعني تبعية وسلبية. والحقوق والواجبات تدعو الى العقلنة, فمن يريد الحقوق يلتزم بالواجبات, وقدر من الأولى يستدعي قدرا في المقابل من الثانية, أما الرعية فإنها تدفع الى الاحباط والتمرد والهرب, وفي هذه كلها مصاعب للنخبة الحاكمة لا تقارن بايجابيات معادلة الحقوق بالواجبات. من جانب آخر, فإن مقولة القديس سيمون حول تغيير النخبة اذا ما أريد تغيير النظام, يمكن ان تعدل الى تطوير النخبة لكي يمكن تطوير النظام. من هنا فإن النخبة العربية بحاجة الى تطوير نظمها من خلال تطوير أدائها السياسي, ولعل أول متطلبات ذلك هو عصرنة العلاقة مع المجتمع وفتح قنوات منظورة للتواصل والحوار, فالخشية من التغيير التي تعزز الحاجة للأمن يمكن تحاشيها من خلال تعزيز قنوات الاتصال وعدم الاقتصار على المظاهر المرتبطة باظهار الولاء وتجاوزها الى المظاهر المرتبطة بالدعم والاسناد السياسي عبر المؤسسات السياسية الحرة والحيوية التي تشارك في تحمل المسؤولية وتلقي أوزار المساءلة بدل النخبة. ان التحول من الأمن الى السياسة يعني الانتقال من موقع الخشية والسطوة والقسر الى موقع المشاركة والعقلانية. ومن المؤكد ان القمع قد يخلق أمنا مؤقتا, لكنه بالمقابل يخلق قلقا مستمرا, أما السياسة فإنها وان كانت تخلق جلبة عالية لكنها تولد مناعة دائمة. * كاتب بحريني