من قعقعة القنابل والصواريخ في البلقان إلى جعجعة الأصوات والصناديق في الجزائر. من فاجعة كوسوفو إلى معضلة الجزائر يكاد الضمير يشعر بوخز العقدة.. عقدة أن نغض الطرف ولو مؤقتا عن كارثة مليون لاجئ كوسوفي مسلم وعن قوافل الرعب والعار تذرع طرقات كوسوفو نحو ملاجئ البرد والمرض على حدود مقدونيا وألبانيا والجبل الأسود, لكي نلتفت قليلا إلى الجزائر, وتربطني بالجزائر شخصيا وشائج قربى وصداقات حميمة وفية ووجدان زاخر بصور البطولة والتحرير تربينا عليها أطفالا في المغرب العربي.. فجدتي للأم جزائرية وخالي الدكتور الجراح الشهير المرحوم علي العقبي كان يعمل رئيسا لقسم الجراحة بمستشفى مصطفى بالجزائر العاصمة إلى وفاته... ثم ان علاقات صداقة ربطت بيني وبين أبرز رجال الجزائر حين كنا نقطع صحراء المنفى والابتعاد عن الشأن العام ومن بينهم الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة أثناء تواجده بمدينة الدوحة في ربيع عام 1995 وكذلك الصديق الدكتور أحمد طالب الابراهيمي الذي تشرفت بالتعرف إليه منذ السبعينات حين نشر في تونس كتابه (رسائل من السجن) , وتواصلت لقاءاتنا كلما أمكن ذلك في باريس وفي الدوحة وآخر كتاب أهدانيه كان مجموعة مقالات قيمة كان والده كتبها في الثلاثينات, ووالده كما هو معروف هو الشيخ المرحوم البشير الابراهيمي العالم المصلح ومؤسسة جمعية العلماء المسلمين بالجزائر مع الزعيم المغفور له الشيخ عبدالحميد بن باديس. لكل هذه الأسباب والوشائج فإن ما يجري في الجزائر يعتبر جرحا نازفا على الصعيد الشخصي ولا أشك في انه كذلك على صعيد المغرب العربي والعالم العربي. فالجزائر كانت القدوة مرتين في تاريخنا الحديث: المرة الأولى من 1954 إلى 1962 حين كتب أبناؤها أروع ملحمة تحريرية في تاريخ الشعوب المستضعفة المنصورة بالله وبالحق والمرة الثانية حين استقلت واستعادت عافيتها وتحملت رسالتها في ساحة دول عدم الانحياز عربيا وافريقيا وأصبحت ملاذ أغلب حركات التحرر والانعتاق من الامبريالية والقهر والاستغلال. ولا أبالغ ولا أنحاز حين أجزم ان للصديقين الكبيرين عبدالعزيز بوتفليقة وأحمد طالب الابراهيمي أياد بيضاء على الجزائر تلك المنزلة العليا من الاشعاع والمقاومة والجاذبية والتأثير. فالأول ترأس دبلوماسيتها لمدة 13 عاما وأعطى عن الجزائر العربية صورة الدولة الأنموذج في احترام التزاماتها السياسية والأخلاقية في عالم كانت تسوده الحرب الباردة وتتقاذفه أمواج الايديولوجيات, والثاني... أحمد طالب الابراهيمي ترأس كذلك دبلوماسية بلاده في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد وواكب وبارك حركة الديمقراطية وفك الحصار البيروقراطي عن الإدارة السياسية وشهد عهده تحمل الجزائر لمسؤوليات أممية وتوفيقية كبرى معروفة (تذكروا مؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر عام 1983 ومهمات محمد الأخضر الابراهيمي الناجحة في عدة نقاط ساخنة من العالم). وها هي الجزائر منذ يوم 11 يناير 1992 تدخل أطول وأصعب أزمة في تاريخها ــ أطول حتى من الحرب التحريرية ان تجاوزت السبع العجاف إلى اليوم ــ نتيجة أخطاء كثيرة متراكمة منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها التربوي ومنها ما هو تداعيات طبيعية لتدخل قوى أجنبية في الشأن الجزائري وبخاصة بعض الأوساط المصلحية في فرنسا وممثلوهم المحليون المعروفون. وكم من مرة رأينا ما يشبه بصيص الأمل ثم ينطفئ. أول مرة حين تحمل المرحوم محمد بوضياف رئاسة الجمهورية وأخذ مسؤولياته مأخذ الجد فاغتالته المافيا المجهولة المتمكنة من مصادر أرزاق الجزائريين ولم تستطع تلك المافيا اخفاء معالم الجريمة ثم جاء الرئيس اليمين زروال فاستبشرنا خيرا برجل مستقيم وغير معوق بماضيه وغير متورط في المافيا, فبدأ بسن دستور للبلاد ورأينا منه سعيا حميدا نحو الوفاق الوطني وعدم اقصاء المعتدلين من الحوار ثم فوجئنا بالاستقالة دون سابق انذار أو سابق توقع. والمرة الأخيرة الباعثة على الرجاء كانت ترشح هذا اللفيف الكريم من وجوه الجزائر النظيفة وبخاصة عبدالعزيز بوتفليقة وأحمد طالب الابراهيمي... ثم كأن المسار القويم انتكس ونحن غير متأكدين مما وقع بالفعل. فالأكيد أن بوتفليقة المعروف بنظافة اليد ونفاذ البصيرة هو الذي رفض الارتهان لقادة الجيش في انتخابات عام 94 وطالما شرح لي شخصيا عام 95 موقفه السليم وعدم قبوله للمنصب دون مسؤولية وطنية كاملة والأكيد كذلك هو ان أحمد طالب الابراهيمي يتمتع بمصداقية لا غبار عليها صهرتها التجارب والمحن ولا يمكن أن يجازف لولا اعتقاده بأن هناك تزوير لارادة الشعب. المهم اليوم كيف الخروج من عنق الزجاجة؟ لان أمر المغرب العربي ومصير الاتحاد المغاربي وحالة حوض البحر الأبيض المتوسط كلها رهينة خروج الجزائر من محنتها. فهل يتحمل هذان الرجلان أمانة انهاء الأزمة وتجاوز الخلافات لكسر منطق الانسداد واليأس؟ فإنه مهما كانت الأزمة كبيرة فإن همة الرجلين أكبر وارادة الشعب الجزائري أكبر وأكبر.