أثناء تفاعل قضية العدوان الصربي على البوسنة, كانت هناك اصوات عربية واسلامية تحذر من الغليان الذي يجري تحت السطح بالجوار في كوسوفو وكانت توقعات تلك الاصوات القليلة التي استشعرت معالم الخطر مبكراً, ان مطامع الصرب هي بالنسبة لكوسوفو اوقع واقدم . كما ان هذا الاقليم, الذي تمتع بالحكم الذاتي مطولاً تحت هيمنة صربية ظاهرة, يملك من الموارد الاقتصادية الاولية, ما يحول دون زوال تلك المطامع ويمنع تساهل القيادة الصربية مع اية ميول استقلالية فيه. علينا الآن ان نعترف بصدقية تلك التوقعات غير ان تفجر قضية كوسوفو بالوتيرة المتصاعدة التي اضحت ملء السمع والبصر, لم يواكبه المام كبير ولا حتى معقول في الاوساط العربية الرسمية او الشعبية بطبيعتها وتعقيداتها هذا دون الحديث عن مصيرها وما يمكن ان تؤول اليه وهذه نقيصة اخرى ينبغي الاعتراف بها. وفيما يلي بعض مظاهرها. من ناحية اولى, هناك تسرع فيما يبدو في توصيف الصراع, ان الغالبية تعتبره صراعاً يدور على خلفية دينية اذ الصرب الارثوذكس يرغبون في تنظيف الاقليم من الوجود الاسلامي الالباني اولاً ثم يستوطنونه بعد ذلك لكن هذه النظرية مدانة نسبياً عند آخرين لا سيما بعد تدخل قوى دولية هي مسيحية في التحليل الاخير, ولم يمنعها هذا العامل الديني المشترك من سحق الآلة العسكرية الصربية داخل كوسوفو وصربيا, وليس ثمة ما ينفي امكانية مضيها قدماً في حرب برية للاجهاز على هذه الآلة من الارض في أجل آخر. ومما يقال كبديل عن نظرية الحرب الدينية, ان كوسوفو اقليم غني بالمواد الاولية, التي يود الصرب ابقاءها تحت سيطرتهم, فيما يود الغرب حرمانهم منها, والهيمنة عليها من خلال مدخل كوسوفي, على ارادة بلجراد المتمردة ضد خططه الاوروبية الاستراتيجية. ومن ناحية ثانية, يمكن ان نلمس حالة من الارتباك التحليلي حول العلاقة بين الناتو وخططه وبين الكوسوفيين فواشنطن بنظر البعض تستخدم جيش تحرير كوسوفو كطعم وكطعام ايضاً للجيش الصربي بهدف استدراج الاخير وتدميره ودليل هؤلاء انها اقنعت ممثلي كوسوفو بتوقيع اتفاق رامبوييه الذي لا يضمن لهم الاستقلال وفق ما يريدون وذلك لجعل الصرب يبدون كطرف مخالف ورافض وحده للاتفاق ولو كانت واشنطن حريصة على مصير الكوسوفيين لقامت بتسهيل تسليح جيش التحرير الكوسوفي الامر الذي لم يحدث ثم انها لم تبلغ الكوسوفيين بساعة الصفر قبل ضرب الصرب, بما كان من شأنه تخفيف خسائر اهل كوسوفو بالاستعداد المسبق للانتقام الصربي. وعندما يثور السؤال الى اي مدى تصح هذه الرؤية في الوقت الذي يقال فيه بأن واشنطن وحلفاؤها لا تحركهم سوى الغيرة على وجود اهل كوسوفو والاعتبارات الانسانية؟ يرد كثيرون بسؤال ولماذا لم تظهر بركات الانسانية الامريكية ومعها (اخلاقية) الناتو وقوته الا في حالة كوسوفو وقد خلت التجارب من قبلها؟ ولكن ما الذي يجري بين الصرب والالبان في كوسوفو؟ هل نحن بصدد نموذج آخر يحاكي قصة, الصراع الفلسطيني ــ الصهيوني؟ يمثل هذان السؤالان ناحية ثالثة اخرى من بواعث الحيرة والشعور بنقص المعرفة حول قضية كوسوفو ان الفساد الذي يأتيه الصرب في الاقليم, من قتل وتشريد وابادة جماعية وترانسفير او تطهير عرقي, هذا الفساد يذكرنا حقاً بالمثل الصهيوني مع ابناء فلسطين منذ اكثر من خمسين عاماً, حتى ليبدو للمتابع وكأن القيادتين الصربية والصهيونية رضعتا من ثدي واحد او تدربتا في مدرسة واحدة, وهناك كثيرون يأخذون بظاهر الوقائع, ويعتبرون اننا امام نموذجين متماثلين. الا ان التدبر الاعمق في المثلين له رأي آخر ففي فلسطين, قوة غزو استيطاني خارجي, لا يجمعها مع المجتمع الاصلي جامع, وعند البداية, لم يكن بالبلاد من العنصر اليهودي الا عشر السكان, بالغزو والمساندة الاستعمارية صار هؤلاء قرابة النصف في غضون ثلاثين عاماً (بين 1920 و1948) وانها حالة استعمار استيطاني شأنها شأن سوابقها في الامريكتين واستراليا وبعض الرحاب الافريقية ومن هذه الناحية بالذات, تتميز فلسطين عن كوسوفو. وعلى ذلك فإن نوعية الجرائم المتشابهة بين الصرب والصهاينة لا تعني تشابه اصل هذه الجرائم ودوافعها, يريد الصرب, طبقاً لرؤية اخرى, افراغ كوسوفو من الغالبية الألبانية لضمان كسر شأفة النزعة الاستقلالية الانفصالية عندهم ولان احداً من الدول لم يعترف بزوال السيادة اليوغسلافية الاتحادية على كوسوفو, بما في ذلك دول الناتو, فإننا اقرب الى حالات الحروب الاهلية التي تبغي فيها جماعة قومية على جماعة قومية اخرى في الدول التعددية, والحق, انه لا يمكن الادعاء بأن هذا التشخيص يزيل الحيرة حول طبيعة الصراع وصعوبة تشخيص المرض في كوسوفو, تسلمنا الى صعوبة اخرى بتوقعات علاج الازمة وتسويتها, اذ كيف يمكن التكهن بوصفة سياسية لتسوية صراع لم نوفق الى تحديد هويته؟ تنطبق هذه الصعوبة بخاصة على المراقبين من الخارج, الذين فوجئوا بتفاقم الوضع او الحالة, ولم تمكنهم التطورات العاجلة من تقصي ابعادها وجذورها. في هذه الحالة, لا يكون امام هؤلاء سوى نظرية الاحتمالات والقيام بعملية ترجيح بين اكثر من حل وبديل وهذا ما يحدث الآن بالفعل, اذ لايدري احد على وجه اليقين ما الذي ستؤدي اليه تفاعلات الازمة الكوسوفية, لاسيما وقد اختلط في سياقها المحلي بالاقليمي بالدولي, وراحت تأخذ ابعادا ودلالات شديدة الغموض والواقع ان الاحتمالات المطروحة تراوح بين خيار عودة الاقليم الى صيغة الحكم الذاتي الموسع (وتنقضه صعوبة العودة للتعايش بعد الاحداث الدامية بين الصرب والالبان) وخيار تقسيم الاقليم بين الطرفين المتنازعين (وينقضه الرفض الالباني لهذا الحل), وخيار استقلال كوسوفو (ويحول دونه استماتة الصرب في احتواء الاقليم), وخيار وضع الاقليم تحت الحماية الدولية (ولكن من اية منظومة ولاي هدف وفترة زمنية) وتقديرا انه سيمضي وقت كي نتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود في ابعاد هذه القضية وتداعياتها.