التبرع بالمال وغير المال لصالح مشروعات خيرية واخرى خدمية تصب في مصلحة المجتمع, من مشروعات صحية او تعليمية او ثقافية او مهنية او اجتماعية, ذروة حضارة الانسان, فالتبرع هنا يعبر عن ارقى درجات المسؤولية وابلغ الاحاسيس تجاه الآخرين, وهو ما نلاحظه في مجتمعنا وما يحثنا عليه شيوخنا ومسؤولونا من مقام رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ مرورا باخوانه الحكام, وليس انتهاء بأصغر مدير وموظف. لذلك نكرر ان التبرع ليس فيه ما يعيب, فهو جزء من تركيبتنا الثقافية والفكرية, من حث الاسلام عليه في تعاليمه السامية حيث الصدقة والاحسان والمعروف وعمل الخير والبر على الدوام, الى تقاليدنا العربية حيث نصرة الضعيف واغاثة الملهوف ومد يد العون, لهذا فنحن لا نحتاج الى تقليد الغرب في تنظيم حملات لدعم مشاريع صحية او تعليمية او خدمية, كحملة (البيان) هذه الايام لمساندة التعليم الاساسي, فالتبرع اصيل في حياتنا واحياؤه واجب. وبما ان الاقرباء اولى بالمعروف, فالتبرع لهؤلاء أوجب علينا, ولذلك فإن الخيرين من افراد مجتمعنا ومعهم بقية المواطنين القادرين, عليهم واجب التبرع لمجتمعهم اولا, سواء ببناء مدارس فيه او مساجد او مستشفيات او باقامة مراكز للمعاقين والعجزة, وغير ذلك من احتياجات مستمرة في المجتمع, دائمة او طارئة ومستجدة, ولهذا وجدت المنطقة التعليمية في دبي ان هناك حاجة لدعم المدارس ماديا, فجاءت حملة (البيان) استجابة لهذه الحاجة في محلها تماما, وبشعور عميق من المسؤولية المشتركة. وهناك من عاب علينا مثلا ان الحملة تظهرنا وكأننا في دولة فقيرة, وفي ذلك ما فيه من قصر نظر ومن خوف لا مبرر له من القيام بأعمال الخير والدعم اللازم لصالح مواطنينا ومجتمعنا, الدولة أول واكثر من يحثنا عليه ويشجعنا للقيام به, فمساعدة الحكومة وتحمل المسؤوليات والتكاتف معها مسؤولية وطنية شاملة دائما, فالوطن للجميع, وما في الوطن من شعب هم ناسنا واهلنا وأولادنا جميعا. ويمكن طبعا ان نرد على مثل هذه النظرة بأمثلة غربية وشرقية على الدوام, من مجتمعات تفوقنا ثراء وغنى, وتصل ميزانياتها السنوية الى عشرات التريليونات من الدولارات والى مئات المليارات, من امريكا غربا مرورا بأوروبا الى اليابان شرقا, ومع ذلك تزدهر فيها اعمال التبرع والخير بكافة اشكاله, حيث التبرعات المحلية الصغيرة لصالح شارع في قرية او التبرعات الوطنية الشاملة الكاملة لصالح مشروعات اكبر وعلى مستوى الامة الواحدة, من دون ان يشعر هؤلاء الغربيون, او يتهمهم احد بالفقر او بتقصير الدولة. وسألت ذات زيارة الى اليابان, مسؤولا كبيرا في وزارة الاقتصاد فيها, في معرض حديث جانبي عن سر سفره بالدرجة السياحية بعد ان اثار دهشتي وهو يخبرني بذلك, فاجاب عن سؤالي: لماذا وانتم بلد غني؟ فقال: اليابان بلد غني فعلا ولكن الحكومة ليست كذلك, في إشارة معبرة وواضحة, الى ان ما تملكه اليابان من مصانع وصناعات واموال وعقارات واستثمارات وما يجعلها في مصاف دول العالم الغنية ليس ملكا للحكومة وانما لليابانيين, فيما الحكومة تتولى تنظيم حياة الناس ليس إلا, الامر نفسه طبعا الذي ينطبق على دول الاقتصاد الحر كلها. والفرق طبعا واضح بين الدولة الغنية وحكومتها التي ليست كذلك, ولها من الثروة حصة معلومة متفق عليها هي عادة الميزانية للصرف منها, على الاحتياجات الضرورية للشعب, فتكون الدولة الغنية خير ضامن بحكومتها وشعبها معا بكافة فئاته, مسيرة النمو فيها واحتياجات هذا النمو, ما يسمح لنا بنتيجة ان التبرع والمشاركة في هذا النمو هو من واجبات الشعب ايضا, وربما قبل الحكومة, وبهذا وحده نكون جميعا اغنياء فعلا.