دروس وعبر من المؤتمر: بقلم- عيسى بن خليفة السويدي

عقد المؤتمر الدولي الأول للتعليم حول تطوير التعليم بدولة الامارات العربية المتحدة في دبي في الفترة من 13 الى 15 ابريل الحالي وقد تسنى لي حضور اغلب جلساته التي استخلصت منها مجموعة من الدروس والعبر . معظم الأوراق التي قدمت في المؤتمر كانت عبارة عن استعراض لتجارب عالمية في الاصلاح التربوي, ولا غرابة في اختيار هذا المحور المهم كون وزارة التربية والتعليم في مرحلة البحث عن أفكار وحلول تربوية لتطوير نظامنا التعليمي ليوائم متطلبات العصر ولجعل مخرجاته اكثر فعالية في خدمة التنمية في البلاد, وقد كان المؤتمر مليئاً بالدروس التربوية التي اذكر بعضاً منها في هذه السطور علما بأنها قد لا تكون جديدة على البعض لكن نذكرها للتأكيد على اهميتها. اول هذه الدروس هو أن عملية التطوير التربوي عملية مستمرة لا تتوقف. فطالما أن الحياة تتغير وتتطور فإن التعليم الفعال يتغير ويتطور ليسايرها. والدول المتطورة كبريطانيا واستراليا واليابان وغيرها مازالت تغير وتطور من نظمها التعليمية لتواكب التطور السريع الذي يعيشه العالم. فأصبح التغيير جزءا طبيعيا من المؤسسة التربوية لا يتوقف على وجود شخص ما أو غيابه. واتجهت هذه الدول الى اقامة الندوات والملتقيات التخصصية السنوية لعرض ماهو جديد ومبكتر في عالم التربية لتنشيط وتحفيز التربويين فيها للابداع والتجديد.. فتقام معارض لأحدث وسائل وطرائق التدريس وتعقد ندوات مصاحبة تناقش الافكار التربوية المختلفة التي تجمع وتوثق ومن ثم تنشر وتوزع على المعلمين لتعميم الفائدة على أكبر قدر ممكن منهم. وتطور الأمر فاصبحت هذه المنتديات تعقد بشكل شبه يومي على شبكة الانترنت وتيسر للمعلم تبادل الافكار والآراء مع معلمين في بقاع متفرقة من الكرة الارضية. واكاد اجزم بأن التطوير الشامل للتعليم لن يتأتى الا بنشر ثقافة الابداع والابتكار بين العاملين في الحقل التربوي على مستوى الوزارة والمناطق والمدارس وذلك من خلال تعريضهم لأفكار مبتكرة في مجالات تخصصهم وتشجيعهم على تنفيذ افكارهم التجديدية. وأخشى ما أخشاه ان عدم انعاش الذهن التربوي. بما هو جديد سيؤدي به الى الجمود ثم التبلد وبعدها سيرفض كل ماهو مختلف عما تعود عليه فيجمد نظامنا التعليمي مكانه. الدرس الآخر الذي يمكن ان نستفيده من خلال ما عرض في المؤتمر من تجارب تربوية هو انه ليس شرطا ان يكون التطوير نابعا من السلطة المركزية وانما يمكن ان ينبع من المدرسة وتتبناه الوزارة لتعميمه. فبريطانيا, حسب ما ورد في المؤتمر, منحت المدارس صلاحيات واسعة في مجال التطوير انعكس ذلك ايجابا على روح الابداع في المدارس. والوزارة في بلادنا, ولله الحمد, تشجع وتتبنى دعم المشاريع التطويرية القادمة من المدارس أو المناطق التعليمية. فالمدارس النموذجية بدأت في منطقة ابوظبي التعليمية وشجعت الوزارة تطبيقها في باقي المناطق التعليمية وقبل ذلك تبنت نفس المنطقة مجلس التوجيه الذي عممته الوزارة ايضا. المطلوب من المدارس والمناطق التعليمية تشجيع الابداع والابتكار فالميدان التربوي مليء بالعناصر التربوية المبدعة التي تحتاج الى تجشيع وتبن لافكارها التجديدية. ولا أخفيكم أمرا اذا قلت ان كلمة تقدير صادقة مخلصة من قلب المسؤول التربوي موجهة الى معلم مبدع في الميدان تفجر فيه طاقات الابداع الكامنة وتفعل فيه فعل السحر بل اكثر وصدقوني فأنا اقول هذا عن تجربة. درس آخر يمكن ان نستخلصه من المؤتمر وقد دار حوله نقاش في أكثر من جلسة وهو مدى ملاءمة نقل تجربة تربوية من دولة الى اخرى. كنت متوقعا ان يزكي كل باحث من الباحثين تجربة بلده ويقترح تجربتها في الامارات. لكن الذي حدث هو العكس بل حذر بعضهم من نقل تجاربهم الى اي مكان في العالم قبل اعادة تفصيلها والتأكد من ملاءمتها للمكان الذي ستنقل إليه. وفضل معظمهم ان تنقل التجارب على يد تربويين محليين لأنهم ادرى بواقع بلدهم. وقد اعجبتني واقعية وصراحة الباحث الجنوب افريقي الذي بين جانبا فاشلا من تجربة بلده ونصحنا بعدم تجربتها في بلادنا. وكم كنت اتمنى ان تعرض تجربة المدارس النموذجية في دولة الامارات في المؤتمر لنستمع لنقد بناء يثري هذه التجربة الوليدة وليكون اداة تقييم محايدة نستخدمها لتقويم هذه التجربة المعلقة بها آمال كبيرة. لفت انتباهي في هذا المؤتمر ان اغلب المتكلمين عندما يذكر مشروعه التربوي يذكر سلبياته وايجابياته مستشهدا بدراسات احصائية ميدانية. والدرس المستخلص هنا هو عدم التعجل بالحكم على أي مشروع قبل اجراء الدراسات التقويمية الدقيقة المكثفة حوله. وكلما كانت الدراسة محكمة وحيادية كانت الفائدة من الدراسة اجدى واعمق بغض النظر عن نتائجها التي قد تؤدي إلى الاستمرار في المشروع او التوقف عن الاستمرار فيه. وهذا النوع من الدراسات مهم وضروري لاي مسيرة تربوية ويصرف عليه في بعض الدول مبالغ طائلة لكن مردوده المستقبلي يوازي اضعاف مضاعفة اذا ما قورن بما صرف عليه. ومن فوائد الدراسات العلمية انها لا تترك بابا للجدل النظري العقيم بل تحسم الأمر باسلوب علمي يريح جميع الاطراف بدون ادنى حرج. ومن الآراء التربوية التي كنت احد المدافعين عنها وثبت بالابحاث انها غير صحيحة الاعتقاد بان كثافة الطلاب في الصف الدراسي سبب رئيسي وراء تدني مستوى التحصيل عند الطلاب. فقد أجمعت معظم الدراسات بما فيها بعض الاوراق التي عرضت في المؤتمر ان اثر الكثافة على التحصيل بسيط أو أنه لا يذكر وابسط دليل على ذلك ما ذكره أحد الباحثين في هذا المؤتمر في ورقته حول التعليم في اليابان وكوريا التي تحدث فيها عن مستوى التحصيل عند الطالب الياباني الذي اشار الى انه مرتفع وينافس على مستوى العالم في مادتي العلوم والرياضيات علما بان عدد الطلاب في الفصل الواحد في اليابان يصل الى 45 طالبا. والحديث عن التربية في اليابان يقودنا الى قضية تربوية جدلية أخرى وهي دور الطالب والمعلم في العملية- التربوية. فمن التهم الموجهة الى النظام التربوي في العالم العربي أنه نظام متأخر لأن المعلم فيه هو محور العملية التعليمية وليس الطالب. ومن مظاهره كذلك أن المعلم يتكلم أثناء الحصة أكثر من الطالب وان الطالب مجرد متلق وحافظ لما يمليه عليه المعلم. وهذا عكس ما هو حاصل في اغلب الدول الغربية التي فيها الطالب هو محور العملية التربوية. التجربة اليابانية تشير الى عكس ذلك, فالمعلم هو المحور لهذه العملية والطالب كما هو في اغلب عالمنا العربي مستمع. ما نستخلصه هو أن النظم التعليمية في الدول المختلفة قد تطبق اسلوبا يناسبها لكن ليس بالضرورة ان نفس الاسلوب يناسب دولة أخرى. فما هو مناسب في بريطانيا ليس شرطا ان يكون مناسبا في اليابان مثلا. وأخيرا اشير الى ما ذكره مقدم ورقة تجربة التعليم في اليابان حول الطالب الياباني الذي يحترم معلمه الى درجة التقديس ويخجل ان يسأله سؤالا اثناء الحصة حتى لا يشعر معلمه انه كان مقصرا في شرحه. لعل هذا من الاسباب التي تبرر عدم تأثر مستوى التحصيل في اليابان بكثافة الطلاب في الفصل الواحد.. ومع ذلك نقول ان الاحتكام في مثل هذه الامور يكون للابحاث والدراسات الميدانية. هذه مجموعة بسيطة من الدروس استخلصناها من المؤتمر الدولي الاول للتعليم الذي كان احد نجاحاته ان حظي بمشاركة وحضور داعم من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع. مدير منطقة أبوظبي التعليمية سابقا eissa _ uae@hotmail.com

طباعة Email