لا شيء يمكن ان يوقف ظهور المجانين والديكتاتوريين وحفاري القبور في كل ارجاء العالم, طالما كان هناك فكر يغذي هذا الانحراف في الفطرة الانسانية, وطالما تأسس لهؤلاء اللاعبين بمصائر البشر دول وجيوش وحلفاء واصوات ترتفع فوق منابر المنظمات العالمية . واتساءل: كيف ينمو الفطر السام, ولماذا؟ وكيف تحتمل الحياة شخصاً مثل سلوبودان ميلوسيفيتش وجيشه من حفاري القبور؟ لا ادري لماذا ينمو الفطر السام, ولكن نظريات التطهير العرقي المتجذرة في عقلية الصرب تفسر وجود رجل مثل ميلوسيفيتش لا أظن ان جنونه يمكن ان توقفه ضربات حلف الناتو او كل السيناريوهات التي يعدها قادة وجنرالات الحلف للأيام المقبلة. ماذا استفاد سكان كوسوفو من الضربات الجوية لحلف شمال الاطلسي؟ لا شيء على الاطلاق! مأساة جديدة فتح لها الناتو صفحة لا تقل سوادا عن تلك التي فتحت ذات يوم لضحايا الجنون السياسي في افغانستان والشيشان وكشمير وايران والعراق والبوسنة والاكراد ولسكان الجنوب اللبناني, ولمن اصبحوا وبلا منازع سكان الشتات إلى الابد... الفلسطينيين. لا تنمو ظاهرة الديكتاتور في الفراغ, ولا تتجذر في الفراغ ايضا, ولا يصبح لها كل هذه القوة والعنجهية الضاربة عرض الحائط بكل القيم والاعراف والقوانين الدولية, الا اذا اتكأت على سند قوي تعلم انه سيبرر حماقاتها وسيغفر لها كل انحرافاتها, لا حبا فيها ولكن لأنه ــ اي السند ــ يرى فيها وسيلة نافعة لتحقيق بعض أغراضه واهدافه! وان نظرة خاطفة على كل قصص المآسي المتولدة من مخاضات سياسية معقدة, تدلنا على ان اصحاب هذه القصص بلا استثناء, ولا مبالغة هم مسلمون ليسوا إلا!!! وبما اننا من الجبن بحيث نذهب بعيدا عن هذا الطرح حتى لا نتهم بالأصولية والارهاب والاغراق في فكر المؤامرة المتهافت و... الخ, فإننا دائما ما ننظر لهذه المآسي على انها قضايا سياسية داخلية افرزتها ظروف وتعقيدات دولية واقليمية و... والحقيقة ان كل ما يحدث هو تطهير عرقي قائم على حقد تاريخي دفين لكل ما يمت للاسلام والمسلمين بصلة, وكأن جحافل (خدام الصليب) و(جنود المسيح) وغيرهم من الجيوش الصليبية التي غزت العالم الاسلامي في القرون الوسطى ما زالت تنفث افكارها الحاقدة في نفوس البقية الباقية من حملة الصليب في اوروبا. وتأتي الولايات المتحدة ــ زعيمة العالم والآمر الناهي في قوات حلف شمال الاطلسي ــ لتتصدى على طريقتها في حل الازمات بعد ان تكون هذه قد وصلت الى حافة الاختناق واليأس, وبعد ان يترك للمجرم او صانع المأساة اكمال فصول جريمته كما يشاء ساعتها فقط ولاسباب استراتيجية تتقدم امريكا (لتنقذ) الضحايا على طريقتها الخاصة بعد ان يكون عدد الضحايا قد تجاوز مئات الآلاف وامتلأت الارض بالقبور الجماعية, وعاثت عقلية الحقد في اعراض الصبايا والنساء ورقاب الاطفال, فماذا تفعل امريكا وجيش الناتو ساعتها؟ تفجر صوت آلتها العسكرية, معلنة ضرب كذا وتدمير كذا (مسرحية اعيدت للمرة المائة وحفظت تماما) وتبدأ المأساة تعلن عن نفسها على شكل فضيحة وعار انساني نحاول ستر عورته او تغطية عيوننا دونه بمزيد من المساعدات وحملات الاغاثة!! ماذا فعلت امريكا في كوسوفو؟ مزيدا من الضحايا واللاجئين... لا اكثر!!