لغتنا العربية في مهب الانفتاح والعولمة والتغريب:بقلم- يوسف الشريف

قدر الله سبحانه وتعالى لسيدنا عيسى عليه السلام ان يأتي قومه بمعجزة تحيي الموتى او تبصر الأعمى, كما وهب سيدنا موسى عليه السلام القدرة على ان يلقي بعصاه, فإذا بها ثعبان يلتهم في جوفه تباعاً ثعابين السحرة الذين اتى بهم فرعون لمقارعته , وان يضرب بها البحر فينشق عن ممر آمن ينجي اتباعه من الغرق والموت, لكن شاء عز وجل ان ينزل القرآن الكريم على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بلسان عربي مبين, فكان حجته ــ وهو الأمي ــ في مواجهة قريش افصح قبائل الجزيرة العربية, وتسليمها بنبوته ودخولها دين الاسلام أفواجاً. ولأن محمد عليه الصلاة والسلام آخر الانبياء والمرسلين, والقرآن خاتم الرسالات السماوية التي تتواءم مع كل عصر وزمان ومكان, من هنا تكمن خاصية اللغة العربية في اعجازها, سواء كآلية للعبادة والتخاطب والوحدة بين مختلف الشعوب وقبائل الجزيرة العربية آنذاك وما وراءها من التخوم, واسلوباً طيعاً من بعد للوفاء بمتطلبات التعبير والابداع ومستجدات الحداثة ومصطلحات العلوم, وهكذا عندما كانت الظروف مواتية لانفتاح العصر العباسي على تراث الحضارات الفارسية واليونانية والهندية من العلوم والفلسفات والآداب والفنون, كانت اللغة العربية حاضرة للنهوض بعملية الترجمة في سلاسة ويسر على الوجه الاكمل, وقد تجددت هذه المهمة بنجاح في القرن التاسع عشر ابان حكم محمد علي على يد رفاعة الطهطاوي وتلاميذه المبتعثين الى اوروبا. ورغم ان اللغة العربية تعرضت على مدى اربعة عشر قرناً لشتى المعارك الضارية والوان الحروب الضروس التي شنها خصومها, الا ان حصونها الذاتية المنيعة, ظلت مؤهلة دوماً للحفاظ على سلامتها ونقائها حتى في احلك ظروف الانحطاط الحضاري والاحتلال الاجنبي الذي تعرضت له الأمة العربية, وذلك ان القرآن الكريم كان ولا يزال يمثل حصن اللغة العربية الحصين ومرجعيتها الى ما شاء الله مصداقاً لقوله تعالى :انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. وفي العصر الحديث كانت الهجمة الشرسة على اللغة العربية من قبل نفر من ابنائها المولعين بنقل الثقافات والنظريات الغربية, كما هي دون مراجعة وتدبر لتمردها على ثوابت الاديان والعبادات والثقافات الوطنية والقومية, والى حد انكار هذه القيم الرفيعة واتهامها بالغيبية الساذجة والدعوة الى التخلف والقعود, والشاهد انه في عام 1881 شاعت في مصر الدعوة لأول مرة الى كتابه العربية بلغة حديثة, وهنا انبرى شاعر النيل حافظ ابراهيم مؤكداً على مرونة اللغة العربية واستيعابها لمختلف الوان التعبير واغراض العلم حيث قال: وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضقت عن آية به وعظات فكيف اضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفات بعدها في عام 1926 استيقظت الفتنة من مراقدها, عندما دعا مهندس الري الانجليزي في مصر السير وليم ولكوكس الى هجر اللغة العربية, ثم بادر الى ترجمة اجزاء من الانجيل الى ما سماه (اللغة المعربة) وايده في ذلك سلامة موسى فثار المثقفون واللغويون والازهريون ثورة عارمة, لكن الدعوة اخذت في الانتشار تدريجياً عبر استخدام اللهجة السوقية في المسرح الهزلي, ثم امتدت الى المسرح الجاد الذي كانت تمثله آنذاك فرقة رمسيس الفرعونية الاسم. لكن اعجب تداعيات ذلك التحريض السافر على اللغة العربية, كان سلسلة المقالات التي دعت الى استبدالها باللهجة العامية, وكتبها عيسى اسكندر معلوف عضو المجمع اللغوي, ثم تبعه عضو آخر بارز هو عبدالعزيز فهمي ثالث اعضاء الوفد المصري لمفاوضة الانجليز حول الجلاء عن وادي النيل بزعامة سعد زغلول, حين اقترح على المجمع كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية, مما ادى الى انشغال المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات امتدت على مدى ثلاث سنوات, وتخصيص الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لاحسن اقتراح يستهدف تيسير الكتابة بالعربية, حتى انبرى شيخ العربية العلامة محمود شاكر الى واحدة من اعنف معاركه لتعرية تلك الدعوة من اي مصداقية, والاكثر عجباً ان يصدر عن لجنة الثقافة التابعة للجامعة العربية كتاب (اللهجات واسلوب دراستها) عام 1955 من تأليف انيس فريحة, استهدف تغليب نعرة اللهجات القطرية على اللغة العربية كونها اهم مقومات الوحدة العربية, وبالتالي اجهاض فكرة ودور الجامعة العربية. ليس صدفة اذن ان يتنبه الرئيس جمال عبدالناصر الى ضرورات ارتباط مصر بمحيطها العربي اثر تمصير الاقتصاد المصري, ونقل ملكيته من الخواجات واليهود الى السيادة الوطنية, فكان قراره الجمهوري عام 1958 بصدور القانون رقم 115 بتجريم استخدام اللغات الاجنبية في المكاتبات الرسمية وغير الرسمية, وكذا اسماء الشركات والمنشآت التجارية والخدمية والسلع والمنتجات الصناعية والزراعية والغذائية, والزام القطاعين العام والخاص باستعمال اللغة العربية باعتبارها أهم مظاهر سيادة الدولة واستقلاليتها وعروبتها! وليس صدفة كذلك في ظل افتقار سياسة الانفتاح الاقتصادي الى الترشيد وغياب رقابة الدولة, استباحة قدسية اللغة العربية وضرب الحائط بمظهرها السيادي, واستبدالها بشتى اللغات الاجنبية وربما كتابة الاسماء والمعاني الاجنبية باللغة العربية, وهكذا اصبحت القاهرة تكتب (كايرو) ومصر (ايجبت) والاهرامات (بيرميدز) , وحتى كلمة (نعم) بمعنى الموافقة استبدلت بكلمة (اوكيه) , ويوم الاجازة الاسبوعية (ويك اند) والعرب (ارب) وكلمة (كو) بمعنى (وشركاه) اختزلت في صافينكو او معلوفكو ...الخ. والادهى والامر ان يتسلل فيروس الاختراق اللغوي المعيب ويتأصل لدى الاجيال الجديدة عبر اجهزة الاعلام المسموعةوالمرئية التي تبث المسلسلات والافلام المشوقة, والاعلانات الموسيقية الراقصة, ونادراً الآن ما تجد طفلاً يعرف المطاعم والمأكولات والمشروبات الامريكية الا بأسمائها الانجليزية, وحدث ولا حرج عن شغف الاجيال الجديدة بالغناء الغربي العنيف الايقاع, ونفورها من الغناء الشرقي الاصيل, فضلاً عن ظاهرة تعثر اللغة العربية وتطعيمها بنشاز الكلمات والتعابير الدخيلة على شفاه الاجيال الجديدة في دول الخليج التي نشأت وسط الخدم والمربيات والسائقين والطباخين من الهنود والفلبينيين وغيرهم من العمالة الاسيوية الوافدة وتلك مشكلة آخذة في الاستفحال يوماً بعد يوم, جنباً الى جانب شيوع حرب اللهجات المحلية في القنوات الفضائية العربية. ورغم ان العربية الفصحى لا تعني الغاء العامية, فها قد أصبح مستساغاً الآن الكتابة بلغة وسطية بينهما, واعني لغة الصحافة والشعر والادب الشعبي التي ترقى الى الفصحى وتعلو على العامية, لكن المشكلة الخطيرة التي تواجهنا اليوم, تكمن في الاستخدام المتدني للفصحى على نحو ما نسمعه من المذيعين والمذيعات, وسيادة العامية المبتذلة على نحو ما نطالعه في الصحف التجارية الصفراء. ورغم كل الجهود وصيحات التحذير التي تحاول انقاذ اللغة العربية التي تمثل هوية الامة من مغبة الانحدار والضياع, الا انها اشبه بالنفخ في قربة مقطوعة, ومن هنا تبدو أهمية الدعوة التي حمل لواءها المذيع المخضرم طاهر ابو زيد لتكوين (جبهة حماة اللغة العربية) وتنصيب الدكتور العلامة شوقي ضيف رئيس المجمع اللغوي راعياً لها, وهي دعوة مفتوحة لانضمام ومناصرة كل غيور على لغة امته القومية وشرف الانتماء لها. ونحسب لذلك ان المؤتمر القومي للنهوض باللغة العربية الذي دعا الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الى عقده, رافداً هاماً لجبهة حماة اللغة العربية, لكن المهمة يستحيل انجازها على النحو الجاد المطلوب, من دون اعادة تأهيل مدرسي اللغة العربية وتحديث مناهجها, والتزام النخب السياسية والثقافية والعلمية والاعلامية باستخدام اللغة العربية, اما ان شئنا الدقة والفاعلية وتسريع الوصول الى الهدف الاسمى المنشود, فلا اقل من ادراج القضية في جدول اعمال القمة العربية واتخاذ قرار يمثل الارادة السياسية القومية بشأن توحيد التشريعات التي تحمي اللغة العربية من غائلة الاختراق الثقافي في زمان الانفتاح والعولمة والتغريب!

طباعة Email