نشر الدكتور علي الدين هلال في صفحة قضايا وآراء بجريدة البيان مقالة بعنوان: قطار المستقبل السريع, وذلك بتاريخ 6 فبراير عام ,1999 تناول فيها عددا من القضايا التي تخص العصر الحالي وأهله, حيث جاء بعد مقدمة المقال ما يلي : (أريد أن أركز على تأثيرات الوضع العالمي على الإنسان وسلوكه وعلاقاته بالمجتمع من ثلاثة جوانب. الأول ما يتصل بأهمية القدرة على التكيف. فإحدى المهارات والقدرات الرئيسية للأفراد والمؤسسات والنظم الاجتماعية اليوم, هي القدرة على التعامل مع المستجدات وتطوير امكانية الاستفادة منها... ومنها ان البيئة التي تعيش فيها الدول والنظم تتغير.. مما يفرض ضرورة فهم هذه المتغيرات فهما عميقا واستيعاب تأثيراتها بما يقلل من امكانية التعرض للخطر والتهديد, ويعظم من فرص الاستفادة والنفع.. ويضيف: ان الإنسان القادر على تحديات القرن الحادي والعشرين هو ذاك الذي يتحلى بالقدرة على التكيف والاستفادة من الجديد والتعامل معه والتقليل من أخطاره وشروره, ويترتب على ذلك تغير مفهوم التعليم وأساليبه حتى يكون هدفه هو تربية النشء على عادات التفكير المستقل والتعلم الذاتي والقدرة على الحوار مع الآراء الأخرى والتفاعل معها...) . وتعقيبا على ما ورد نقول: ان ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور هو حقيقة لا مراء فيها... فعصرنا هو عصر السرعة والتسريع فعلا. وايقاع السرعة في القرن الحادي والعشرين قد يكون أشد. ولكن التساؤل الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: هل ما جاء في المقالة يصلح للمجتمعات الأقل تطورا, أم انه ينطبق فقط على أوضاع المجتمعات المتقدمة علميا وماديا؟ فإذا كان الكلام موجها للأفراد والمؤسسات والنظم الاجتماعية في المجتمعات الفقيرة أو المتخلفة, فالواقع الحي يقول بأن الشروط الضرورية لامكانية القدرة على التعامل مع المستجدات وتطوير امكانية الاستفادة منها, هي شروط مفقودة في معظمها. إذ كيف للأفراد الذين لا يمتلكون الخبرات النظرية والتطبيقية والمؤسسات التي قامت واستمدت عناصر وجودها وتوجهاتها من الأقوياء ان تطور امكانياتها ومهاراتها خارج اطار التبعية لما يدور في مثيلاتها بعالم المتقدمين؟ ونحن نعتقد بأن ما أورده الكاتب ينطبق على أوضاع المجتمعات المتقدمة. أما المجتمعات الفقيرة أو المتخلفة, فشأنها شأن آخر. وحول الاستفادة من الجديد والتعامل معها وما يترتب عليه من تغير مفهوم التعليم وأساليبه, فإن المرء يحار في كيف يمكن حصول ذلك. فمن المعروف ان التعليم في المجتمعات الأقل تطورا, يقوم على تلقين المعلومات وسردها نظريا بالدرجة الأولى. حتى إذا انتهى الامتحان فيها تبخرت وذهبت أدراج الرياح. وعلى هذا كيف يمكن تبني أهداف تعليمية لتربية النشء على عادات التفكير المستقل والتعلم الذاتي والقدرة على الحوار مع الآراء الأخرى والتفاعل معها؟ إن المناخ الذي يتعلم فيه الفرد في المجتمعات التابعة, هو من الناحية العملية غير مؤهل لأي تفكير مستقل أو تعلم ذاتي أو حوار مع الآخرين ذي جدوى فعلية... وما لم تبن تلك المجتمعات نهضتها بجهودها الذاتية وقدرات أبنائها, فمن أين لاستقلالية التفكير أن تأتي؟ ومن أين للتعلم الذاتي أن يكون؟! أما الجانب الثاني الذي تحدث عنه الكاتب فهو يتعلق بإدارة الموارد عموما. حيث قال بأن كل قيادة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تقوم بمهمة إدارة الموارد بها, عليها مهمة إدارة تلك الموارد المتاحة وتعبئتها وتوظيفها والعمل على تنميتها باستمرار... ويستشهد هنا بما ورد في أحد تقارير نادي روما الذي أرجع مظاهر التوتر والاخفاق في بعض المجتمعات, إلى افتقاد المؤسسات الراهنة فيها القدرة اللازمة على التعامل مع المشكلات. ومرة أخرى نقول: ان ما أورده السيد الكاتب لا خلاف عليه. ولكن هل تستطيع القيادات الاجتماعية والاقتصادية وسواها أن تدير مواردها وتعبئها وتوظفها وتعمل من أجل تنميتها باستمرار, في حالة المجتمعات النامية التي تحولت إلى مجتمعات استهلاكية غير قادرة على تأمين الكفاية الضرورية من الغذاء واللباس لأبنائها؟ إن لنادي روما وغيره من المؤسسات العالمية أن تقول ما تقول. ولكن الشيء الذي ينبغي تذكره هو ان نادي روما للدول الغنية المهيمنة, يتجاهل عن عمد حقيقة الأوضاع العالمية الراهنة القائمة على استغلال الأقوياء للضعفاء, وحجب المعلومات والتقنيات عنهم, في ظل قانون التقسيم الدولي للعمل الذي وضع منذ بداية الاستعمار القديم وما زال معمولا به. والذي أناط الانتاج والعلم والقوة بجانب, والاستهلاك والجهل والضعف بالجانب الآخر الذي يمثل نحو 70% من سكان المعمورة. ويكفي ان نذكر هنا بأن نحو 360 شخصا من أساطين المال والصناعة في الدول المتطورة يسيطرون على ما يقدر بـ40% من ثروة العالم, وبأن 100 شركة عالمية/ متعددة الجنسية/ تحتكر نحو 60% من مجمل التجارة العالمية... وعلى هذا نسأل: كيف والحالة هذه تستطيع المجتمعات الضعيفة أن تتكيف مع معطيات القرن الحادي والعشرين في ظل هذه الحقائق؟! ثم يختم الكاتب مقالته بالحديث عن العلاقة بين الأجيال, مستنتجا بأن فترات التغير السريع ستزيد من الفجوة بين الأجيال (الآباء والأبناء)... وهذا الأمر صحيح بالنسبة للمجتمعات المتطورة. أما في المجتمعات الأقل تطورا, فإن الوضع ليس كذلك... خاصة في مجالات التفكير والعمل والمعاناة. ففي ظل الأوضاع العالمية الراهنة, فإن انتاج المشكلات في المجتمعات المتقدمة بشكل دائم هو حقيقة واقعة, وخاصة مشاكل الفقر والجهل والمرض والبطالة... ولا يمكن أن تتوقف دورة انتاج المشاكل تلك, الا إذا تم علاج أسباب تلك المشاكل التي هي أعراض ومظاهر لأمراض اقتصادية واجتماعية وسياسية مزمنة. ومع التقدير التام لكل ما تحدث عنه الدكتور علي الدين هلال في مقالته, فإننا نأمل أن يتفضل في أوقات لاحقة أن يورد الآليات التي تكفل تحقيق ما دعا إليه. إذا كان ردنا مغلوطا أو عديم الجدوى. * كاتب وصحفي سوري