عنف الوفرة.. عنف لا يجد مبرراته: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

لم تكن مفاجأة للمراقب الفطن ان تنفجر اعمال عنف بين البعض من منتسبي بعض التيارات الاسلامية السياسية في الكويت, كما حدث في الاسبوع الماضي في القضية التي اصبحت تعرف في الصحافة الكويتية بقضية (مندكار)تبعا لاسم بطل القضية مدرس الشريعة الكويتي, (وهي واقعة اعتداء بالضرب على مدرس للشريعة اختلف معه زملاؤه في التفسير وهو متهم بايواء امرأة غريبة في بيت ملحق بالمسجد!). وهنا قبل ان اخوض في الموضوع احرص على ان اضع تحفظين اساسيين, اولهما: انني لا اريد ان اتحدث عن تفاصيل القضية لانها بين يدي النيابة ومن ثم القضاء, ولا يجوز الخوض في تفاصيلها حتى يقول القضاء كلمته, والتحفظ الثاني هو انني لا اريد ان اعمم بان كل او معظم منتسبي هذا التيار او ذاك هم على هذه الشاكلة من السلوك, فأنا اول من يعلم ان العديد منهم براء من ذلك وقد قدموا الكثير من وقتهم وجهدهم لانهم يؤمنون بما يقولون ويفعلون, وذلك حق لهم لا ينازعهم فيه احد في مجتمع آمن بالديمقراطية. ولكني اريد ان اناقش الموضوع من منطلق أعم وأوسع. ولعل هذا المنطلق يأخذنا الى موضوعات اربعة اساسية, علينا ان نمعن النظر فيها ونقلبها بجدية تستحقها. الموضوع الاول هو فقدنا لفضيلة الحوار بين المختلفين, المتباعدين منهم او المتقاربين في نفس التيار السياسي او الاجتماعي او المذهبي, وهي خاصية مضادة تماما لفكرة الديمقراطية, والمستغرب في افتقاد ادب الحوار ذاك ليس ما يحدث بين المجاميع المتباعدة ولكن ما يحدث بين المجاميع الاكثر قربا, فالمختلفون في (قضية مندكار) ينتمون الى نفس الفصيل من الاجتهاد (الديني ــ السياسي) فاذا لم تكن بينهم فضيلة الحوار والنقاش فكيف يمكن ان نتوقع من امثالهم الحفاظ على هذه الفضيلة فيما بينهم وبين افراد آخرين من المجتمع على خلاف يبعد او يقرب من اجتهادهم, ان لغة الحوار تكاد تنقطع حتى بين الفئات المتسقة في الاهداف, وهي ظاهرة سلبية ناتجة عن الانفعال والتعصب ورمي الآخرين بالباطل, ولم تقتصر على العوام وقليلي التجربة والعلم بالشيء, بل امتدت الى نفر يحملون أعلى الدرجات العلمية. الموضوع الثاني ان العنف الذي صار مألوفا في الساحة العربية حتى الآن ــ خاصة المصحوب بمقولات وشعارات دينية ــ كان تفسيره في معظم الدراسات التي تعرضت للموضوع هو الندرة الاقتصادية بجانب ضيق في فرص التعبير في المجتمع المعني, لكن الامر على العكس من ذلك في الكويت فلا الندرة الاقتصادية النسبية تحسب هنا ولا التضييق التعبيري له مكان في هذا البلد, فهناك متسع من العيش لفئة اجتماعية فوق متوسطة ــ اساتذة في الجامعة ــ وهناك مجال وفير للتعبير في المجتمع الكويتي, فلا افسح من حرية الصحافة, ولا اكثر تعبيرا ووصولا الى الناس من منابر المساجد, وكلاهما متاح, وبذلك فان الاعتداء العنيف الذي تم لاينتمي الى عنف الندرة, عنف الحرمان الاقتصادي والضيق بالرأي ومحاصرته, ومن ثم يبدأ عنف الوفرة, عنف يكاد يكون عبثيا, فهو يمارس من اجل العنف الفكري والردع المادي والغلبة بالصرعة, وليؤكد لنا بعد ذلك ان العنف هو ظاهرة اجتماعية وسياسية وفكرية اساسا مبطنة ببطانة خارجية هي البطانة الايديولوجية سواء كانت دنيوية او دينية, وليؤكد لنا ايضا ان محاربة العنف والوقوف ضده والتصدي للمؤمنين به, من اي حظيرة قدم, ومن اي معسكر جاء, هو دفاع عن المجتمع وبقائه حرا سيدا, ودفاع عن الديمقراطية التي اول ما تؤمن به هو الحوار السلمي, ودفاع عن حرية الفرد التي كرسها الدستور وآمنت بها كل المجتمعات المتحضرة. الموضوع الثالث هو الاستهتار بالقانون, فهناك نفر من الناس لايشعرون بأن في المجتمع قانونا يجب عدم تخطيه, بل اطاعته والاحتكام له تحت كل الظروف والملابسات, واحترام القانون وتطبيقه هو ظاهرة حضارية وانسانية بالغة الاهمية, ومن يعتدي على آخرين لفظا او عينا هو في الحقيقة يعتدي على القانون, فقد نصب نفسه مدعيا وقاضيا ومنفذا للاحكام في نفس الوقت, وسقطت كل الدرجات التي تفضل بين المدعي والمدعى عليه, انه حكم العوام على الظواهر وليس حكم العقلاء على الوقائع. اما الموضوع الرابع والأخير وهو الاهم في نظري فهو سقوط نظرية العنف الديني في المنطقة كلها بعد كل الاهوال التي نتجت عنها في كل من مصر والجزائر ومناطق مختلفة لم نكن نحن في الخليج بعيدين عنها, حتى اصبحنا نطالع في الصحف العربية مثل هذه العناونين (محاكمة العائدين من افغانستان والعائدين من ألبانيا والعائدين من البوسنة ثم اخير العائدين من الكويت.. الى آخر سلسلة العائدين من..) لقد وصل العنف لاسباب دينية الى قمته الحدية العليا وبدأ في التراجع, دون ان يحقق هدفا غير ترويع الآخرين, وبدأت الاصوات من داخل الجماعات الاسلامية المختلفة والمؤمنة بالعنف ومن خارجها تطالب بتغيير هذه الاستراتيجية التي تضر اكثر مما تنفع, مقتنعة بأن نبل الغاية يجب ان يتحقق بنبل الوسيلة. لا اريد ان اقول ان زماننا هو الافضل فلايزال زماننا فيه الكثير مما يثير العاقل والرشيد ويقلق المتأمل, أكان ذلك في مجتمعنا العربي ككل او في مجتمعنا الخليجي على وجه الخصوص, ولكن هذه المثالب تحتاج الى اعمال الفكر وقبول فضيلة الحوار ومقابلة الحجة بالحجة, والتأكيد على انه ليس هناك مخرج فردي وشخصي من بعض ما نحن فيه. ان الحركة الاسلامية في الكويت اليوم مدعوة ان تقول رأيها فيما يحدث من عنف واكراه, وان تقرأ الاحداث بوعي وبصيرة بعيدة عن التعصب للرأي او للرجال, وهي مدعوة لمراجعة الوسائل والآليات التي تستخدمها وفق معايير لها علاقة بالقانون وقبول آلية الحوار الديمقراطي الذي إرتضاه الجميع, وان وضع الاسباب في الاخطاء على الآخرين والمخالفين وتبرير أخطاء المنتمين والمريدين, هو تكريس لفقدان الدور وربما في المستقبل المكانة التي عمل بعض المخلصين على تكوينها من اجل اهداف بعيدة عن المكاسب الدنيوية. ويعجب المرء ان بعض الحركات التي تروم ان تسوس الناس باسم الاسلام تغض الطرف عن تهذيب الاخلاق الفردية لمنتسبيها, ولا تضبط حركة الجماعة المنتمية اليها بسياج من قبول الرأي والرأي الآخر, ويقع بين افرادها الانقسام والفرقة وتسود الغيبة والنميمة والفحشاء, وذلك مظهر من مظاهر فقدان المنهج والتدريب على ضبط النفس. ولعل الوقت قد ازف لمراجعة تامة وشاملة لبعض الادبيات والممارسات البعيدة عن حركة الحياة التي ارتضاها المجتمع البشري بكل اجتهاداته, والبعد عن الفوضى الفكرية والثورة العشوائية, واخذ الزعماء بجريرة الدهماء, وتتبع الاصول التي تراعي تغير الفتوى بتغير الظروف المكانية والزمانية وتتطور من حسن قراءة النصوص الى اجادة فقه التعامل, ومواكبة حركة النهضة العلمية الحديثة والتواصل مع التقنية. ويبقى ان الكلمة الاخيرة هي ان العنف الذي نراه في الكويت لايقتصر على شريحة اومجموعة بشرية, فالعنف ــ الذي كنت قد كتبت عنه منذ اكثر من سنتين ــ اصبح ظاهرة اجتماعية تقلق, ويتوجه الى الاستفحال والانتشار باشكاله المختلفة, وهو ظاهرة فيما بعد الاحتلال الغاشم متوسعة, وبمثابة جرس انذار للخاصة والعامة لانه يعكس اختلالا يجب عدم السكوت عنه ولعل ازدياد معدلات نشر حوادث العنف في الصحف الكويتية هي دلالة لا تقبل القسمة على تفشي هذه الظاهرة الاخطر في مجتمعنا.

طباعة Email