الولايات المتحدة الأمريكية ليست دولة فقيرة بالتأكيد ولا يحتاج هذا الكلام لأي دليل, لكننا اليوم نقوله لكل من يعتقد أن مساهمة افراد المجتمع في تحمل الأعباء ومشاركة الدولة في مسؤولياتها الكبيرة اعلان رسمي بفقر الدولة أو افلاسها , ففي أغنى المجتمعات الرأسمالية يساهم كبار أباطرة المال والاقتصاد والشركات العملاقة بنصيب وافر من مسؤوليات هي في الأصل من اختصاص الحكومة. ولكن مبدأ المشاركة المجتمعية في الارباح والخسائر أصبح في هذه المجتمعات قناعة ثابتة وعرفاً مسلماً بصحته, ولذلك فالكل يساهم في خدمات الصحة ومشروعات التعليم وابحاث الفضاء, ورعاية كبار السن وحملات مكافحة بعض الامراض وحتى برامج رعاية الحيوانات!! ربما تدخل القضية هناك في متاهات (البيزنس) والمصالح والدعاية والتخفف من الضرائب.. الخ لكنها في النهاية تتم انطلاقا من حقيقة أن الدولة تقدم لهؤلاء الاثرياء والشركات خدمات وتسهيلات معنية, فليس غريبا أن ترد هذه الجهات بواجب المشاركة. هنا في مجتمع الامارات تقدم الدولة للتجار وللشركات خدمات لا تخطر على البال, كما تقدم لهم تسهيلات تجارية واعفاءات ضريبية لا تنكر, وبالتالي فمن الواجب أن يسهم هؤلاء بدورهم في تحمل بعض الاعباء على اساس ان الارتقاء بالمجتمع مسؤولية جماعية وليس شأنا حكوميا فقط. وان تتمكن وسيلة اعلامية كصحيفة (البيان) من طرح هذه القضية بكل هذه الدرجة من الصراحة والوضوح فهذا ما يجب أن يحتسب لها وعليها ان تفاخر به, فحملة كهذه تضع الجميع امام مسؤولياتهم, وتحاور رجالات هذا المجتمع مفسحة المجال لهم ليقولوا رأيهم صريحا في قضية التعليم, هذا كله يفتح مرة أخرى حديثا آخر حول هوية الاعلام المحلي ومساحة القضايا المحلية وهموم المواطن والوطن ضمن هذه المساحة. ليس هناك أهم من حملة اعلامية تحاسب مؤسسة خطيرة وهامة كوزارة التربية والتعليم, باعتبارها السلطة التنفيذية المسؤولة عن أكثر همومنا الحاحاً, حيث مستوى واداء التعليم لا يزال الجرح الأكثر نزيفا في خاصرة المجتمع, وحيث فشلت كل الحلول الترقيعية في (ترقيع) هذا الجرح. واذا كان السادة مسؤولو وزارة التربية والتعليم كبارهم وصغارهم, يلحقون ابناءهم في مدارس خاصة وذات مستويات عالية الجودة والاداء ويتبعهم اغلب الموظفين من أصحاب الدخل المحدود!! فإن هناك من لا يستطيع أن يحتمل تكاليف هذه المدارس وبالتالي فهو مضطر لارسال ابنائه للمدارس الحكومية. اذن الحل ليس في الهروب من التعليم الحكومي, الحل الوحيد في اصلاح هذا التعليم, فليس من المعقول أن يأمن ولي أمر الان على ابنه ان يشرب من خزانات المدرسة, بعد أن قدمت (لجنة الاشراف على تطوير التعليم) في تعليمية دبي تقريرها المرعب حول حالة هذه الخزانات المخزية. اعتقد انه قد آن الاوان للانتصار لفكرة محاسبة المسؤولين عن الخطأ ومحاربة الفساد.. فالسكوت لم يعد مفيدا لأحد أبداً.