سيكون من باب التبسيط الشديد والافتقار الى بعد النظر التعامل مع ما يجري في يوغسلافيا فقط على انه مشكلة اقلية مضطهدة تثير شفقة دولة (او مجموعة دول) عظمى, فتسارع هذه لنجدتها بضرب وتدمير خصمها ! وليس لتأييد هذا الجانب او ذاك, كما لمعارضته هنا اهمية كبيرة, فإذا نظرنا الى الحدث نفسه بصورة مجردة, لن تعوزنا الذاكرة التاريخية لاستنتاج ان هذا الامر تكرر ويتكرر عبر التاريخ, في اماكن ومواقع مختلفة من العالم. فالصراع من اجل الهوية او نيل الحقوق او الظفر بالارض او الاستقلال السياسي وما الى ذلك, هو صراع بشري تاريخي. وربما لا تزال نماذج مؤلمة منه تجري حتى اليوم, كما هو حال الفلسطينيين والاكراد وغيرهم, بينما توجد نماذج كامنة تحت السطح تنتظر اللحظة المناسبة كي تطل برأسها. اذا فان ما يجري في كوسوفو ليس حدثا استثنائياً بذاته, الحدث الاستثنائي هو تدخل حلف الاطلسي في النزاع بهذا الحجم والقوة والاستعداد للذهاب الى آخر الشوط في تدمير يوغسلافيا. وبحيث قد تفوق الخسائر في الجانب اليوغسلافي بأضعاف خسائر ألبان كوسوفو أنفسهم! اذن فإن ما يجب ان يسترعي الانتباه من الناحية التحليلية هو بالذات هذا التدخل. لانه يترك كما كبيراً من الاسئلة دون اجابات أو دون اجابات مقنعة على وجه التحديد. من هذه الاسئلة هل يدشن عمل الاطلسي في يوغسلافيا سياسة منظمة وثابتة لمساعدة جميع الشعوب المضطهدة من اجل نيل حقوقها, ام ان الامر يقتصر على المشكلة اليوغسلافية وحدها, بما انها تقع ضمن القارة الاوروبية وفي الاطار الجغرافي لحلف شمال الاطلسي؟ وفي هذا الاطار نفسه هل سيتم التعامل مع الحالات المشابهة بصورة واحدة, اي بصرف النظر عن طبيعة ومسميات هذه الشعوب والانظمة التي تواجهها؟ ام ان ثمة حاجة للانتقاء بين نظام وآخر وبين شعب وآخر؟ من هذه الاسئلة كذلك, ما الذي أملى على الاطلسي تدخله في يوغسلافيا؟ هل هو الحافز الانساني فحسب ام الخوف من انعكاس مشكلة كوسوفو على المنطقة نفسها, ام رغبة الحلف في القيام بدور الشرطي في اوروبا ومن ثم في العالم؟ هل لطبيعة النظام في يوغسلافيا علاقة بالمشكلة؟ وهل يجري مساعدة الالبان بوصفهم ضحايا فحسب ام بوصفهم اقلية مسلمة ام بوصفهم جزءاً من صربيا! واذا كان مفهوما على نحو من الانحاء ان تنشغل اوروبا بمشكلة كوسوفو باعتبارها مشكلة اوروبية في نهاية المطاف, فكيف يمكن ان نفهم الحضور الامريكي.. سيما ان الولايات المتحدة تقع على بعد آلاف الاميال عن القارة الاوروبية.. ولا يؤثر ما يحدث في كوسوفو على امنها او يهدد مصالحها وسلامة مواطنيها! وبالنسبة لها فإن يوغسلافيا لا تبعد كثيراً عن تركيا حيث توجد المشكلة الكردية او الشرق الأوسط حيث توجد المشكلة الفلسطينية؟ ومع ذلك إن هاتين المشكلتين لا تواجهان حلا عسكريا, بالرغم من ان عدد الاكراد الهاربين من البطش التركي يصل الى الملايين, وبالرغم من ان الفلسطينيين الهاربين من البطش الاسرائيلي يعدون ايضاً بالملايين! لنلاحظ هنا بأن كل من اسرائيل وتركيا تقعان ضمن مجال النفوذ الحيوي للولايات المتحدة! من الاسئلة ايضاً انه لو حدثت مشكلة مماثلة في القارة الامريكية الشمالية, هل ستسمح الولايات المتحدة للاوروبيين بالتدخل العسكري كما تفعل هي الآن في اوروبا؟ هل ستسمح ايضاً للأمم المتحدة او لحلف الاطلسي بالتدخل مثلاً! ان هذه الاسئلة باعتقادنا تعبر عن الجانب الجوهري في المشكلة الحالية, دون التقليل من اثر ما يتعرض له الابرياء من البان كوسوفو أو الابرياء من اليوغسلاف. اذ هي ستكشف اولاً عن دوافع حلف الاطلسي الحقيقية من وراء تدخله في يوغسلافيا, وتالياً عن توجهاته المستقبلية في القارة الاوروبية والعالم, (يمكننا ان نتوقع هنا بين قوسين ان الهدف المقبل للأطلسي قد يكون العراق مثلاً). اننا لنلاحظ بأن التعامل العسكري الغربي, الصارم والشرس ضد اليوغسلاف لا يعبر عن الرغبة في حل مشكلة كوسوفو, بقدر ما يعبر عن جملة امور. قد يكون من بينها مواصلة تعزيز الهيمنة الامريكية على العالم. ومن بينها تبرير استمرار وجود حلف الاطلسي نفسه على قيد الحياة, على الرغم من انتهاء الحرب الباردة وانهيار حلف وارسو وقد يكون من بينها اخيراً اضفاء مسحة اخلاقية وانسانية على آلة الدمار العسكرية الامريكية و الغربية من خلال ربطها بالدفاع عن اللاجئين والمشردين الألبان!