لا افهم ان يكون للأدب والفن والشعر غرض آخر غير تذوق الجمال والارتقاء بحياة البشر والمساهمة في حل اشكالات الحياة الكثيرة بلغة مفهومة وادوات تعبير لا لبس فيها, كي تصل رسالة هذه الاداب والفنون للجميع كل على قدر عقله وعلمه وثقافته, فلا خير في نتاج حضاري يتجنبه الناس ويعرضون عنه لعيب فيه لا فيهم . وعليه فقد فهم الناس قديماً الشعر العربي ذا التراكيب الصعبة احيانا والصور الكثيفة والمعقدة احيانا اخرى, لا لسبب سوى سلاسة اللغة واقترابها كثيرا من افهام العامة, وهكذا ايضا قرأ العالم كله الادب والفلسفة وتمعن في اللوحات والجداريات التي ابدعتها انامل الرسامين في كل الحضارات. ثم جاء عصر على الناس ظهر فيه فنانون وادباء وشعراء اخترعوا لغة اخرى, لا تمت للبساطة بصلة ولا تصل إلى افهام الناس بسهولة, حتى تنظر إلى لوحة معلقة فتظن ان بك شيئا من غباء أو ان من رسمها فوق العبقرية, والا فما سبب عدم فهمك لمحتواها؟! وتقرأ قصيدة من اولها لآخرها فلا تعرف من مضامينها شيئا فتلقيها جانبا, لاعنا الحظ والساعة التي قادتك لتبذير مبلغ من المال لشراء (شيء) من هذه التخاريف!! وقد فرح اصحاب هذا الاتجاه بصرعتهم, فاخترعوا لها اسما هو (أدب الحداثة) أو (فن الحداثة) ممنين النفس بمجد كمجد بيكاسو وشهرة كشهرته, ولا اظنهم عثروا على ضالتهم حتى اليوم, وتحديدا في عالمنا العربي حيث لا يعتبر شعراء الحداثة أو ادباؤها من اصحاب القبول الجماهيري لسبب يعرفونه قبل غيرهم, هو ان ما يقدمونه لا يرضي ذائقة هذه الجماهير ولا يصل إلى عقولهم أو قلوبهم. لماذا يلجأ هؤلاء (الادباء والشعراء والفنانون) لكل هذا الكم المغرق في الالغاز وعدم الوضوح والاختباء وراء لغة ملتوية وصور لا يبدو لها معنى؟ يرجع اكثرهم السبب إلى الحالة السياسية شديدة التعقيد في العالم العربي, مبررين توجههم الحداثي المغرق في الابهام بحالة انعدام الحرية وتحديدا حرية التعبير, التي تجعل من تناول قضايا الثالوث المحرم (السياسة ــالجنس ــ الدين) جريمة لا تغتفر لمن يحاول الاقتراب منها بفكر ينوي التجديد أو الاعتراض على السائد أو الثورة عليه, ولذلك فهم يتحايلون على النبش في المحرمات بلغة مبهمة! مقولة اوسكار ــ وايلد (خلق الإنسان اللغة ليخفي بها مشاعره) لا تنطبق عليهم فهم يذهبون بعيدا عن اللغة المتداولة وبالتالي يعجزون الجماهير عن تلمس نبض مشاعرها في نتاجاتهم, ومن هنا فهم لا يحققون هدفا من وراء ذلك النبش المضني. التعبير عن المشاعر بلغة واضحة وبأدوات تعبيرية مفهومة هدف كبير لايؤمن به اصحاب الحداثة الا وفق منظورهم الغامض, ولذلك سيظلون يكتبون ويرسمون وينظمون الشعر لانفسهم, ولقلة تتبعهم ولا تفهم شيئا مما يقولون, لكنها تجاملهم لعلاقات خاصة أو كي لا يقال أنهم لا يفهمون.