هل انتهت الأزمة بين ليبيا والدول الغربية؟ بقلم- د. علي الدين هلال

مع قيام ليبيا بتسليم المتهمين في قضية تفجير طائرة (بان أمريكان) في الرحلة رقم 103 عام 1988 فوق بلدة لوكيربي, ومع بدء الاجراءات التمهيدية للمحاكمة في لاهاي ـ العاصمة الهولندية ـ أمام قضاة اسكتلنديين وطبقا للقانون الاسكتلندي, ينسدل الستار على فصل طويل من الأزمة التي نشبت بين ليبيا والدول الغربية منذ نهاية 1991 . وخلال هذه الفترة, اتخذت الأزمة اشكالا مختلفة, تراوحت بين المواجهة احيانا والسكون في أحيان اخرى, بينما ظل كل طرف متمسكا بموقفه. لقد بدأت بوادر هذه الأزمة بين ليبيا من ناحية, وأمريكا وبريطانيا وفرنسا من ناحية اخرى, في اكتوبر 1991, عندما اعلنت فرنسا عن نتائج التحقيق في قضية تفجير طائرة شركة (يو.تي. ايه ـ 772) في 1989, فوق صحراء النيجر, اذ تضمن الاتهام إدانة اربعة ليبيين, واصدار مذكرات اعتقال دولية بشأنهم. وتبع ذلك, في 27/11/1991, صدور بيان في واشنطن ولندن, يؤكد ان شخصين على صلة بجهاز المخابرات الليبية دبرا حادث تفجير الطائرة الامريكية فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا في 1988. وقد انطوى البيان على ادانة, ليس فقط للمتهمين وإنما ايضا للنظام الليبي نفسه, حيث ورد فيه: (أن عملية بهذه الاهمية ما كان يمكن ان تتم لولا موافقة معمر القذافي) . وطالب البيان الانجلو ـ امريكي ليبيا بتسليم المتهمين, والكشف عن ملابسات الحادث, وتقديم التعويضات المناسبة لأسر الضحايا. وتبع ذلك صدور بيان ثلاثي, من امريكا وبريطانيا وفرنسا, يدين الارهاب بكل اشكاله, ويحدد مسؤولية النظم التي تأوى عناصر ارهابية, وتسلحها, وتدربها, وتدعمها ماليا. ثم جاء بيان مجلس وزراء خارجية دول المجموعة الاوروبية في 2/12/1991, وبيان رؤساء دول وحكومات المجموعة في 11/12/1991, مدعما لموقف تلك الدول, اذ طالب ليبيا بالامتثال للطلب الامريكي البريطاني الفرنسي, واعلنت دول المجموعة تأييدها لمطالب الدول الثلاث. وفي الحقيقة, فإن مواقف واشنطن ولندن وباريس لايمكن فهمها الا في ضوء خبرة علاقات هذه الدول الثلاث مع ليبيا, والتي شهدت تدهورا منتظما فقد ساءت العلاقات الفرنسية الليبية بسبب السياسات الليبية في القارة الافريقية, والتي اعتبرتها فرنسا معادية لها, وبسبب النزاع بين ليبيا وتشاد حول اقليم أوزو, والذي أيدت فيه فرنسا الموقف التشادي. اما بريطانيا, فقد قطعت علاقاتها الدبلوماسية بليبيا في اعقاب حادث السفارة الليبية في لندن في ابريل 1984, وهو الحادث الذي قتلت فيه سيدة من جهاز الشرطة البريطاني, برصاص صادر من داخل السفارة, أثناء مظاهرات احتجاج على السياسة الليبية. وازدادت العلاقات سوءا مع ظهور دلائل على قيام ليبيا بدعم الجيش الجمهوري الايرلندي, وهو المنظمة العسكرية التي اعتبرتها بريطانيا, وقتذاك, منظمة ارهابية محظورة. اما بالنسبة لخلفية العلاقة بين الولايات المتحدة وليبيا, فإن سجل النزاع والخلاف بين البلدين طويل, ويدور حول قضايا مختلفة. وقد شملت مظاهر النزاع: رفض واشنطن اقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع ليبيا في 1972, وقيام الاسطول السادس بإجراء مناورات بحرية على مشارف المياه الاقليمية الليبية, ودعم المعارضة الليبية وتأييد المنشقين عن النظام, وإبعاد اعضاء المكتب الليبي في واشنطن في 1980, واسقاط طائرتين ليبيتين فوق خليج سرت في 1981. وازاء قيام الاسطول الامريكي بمناورات بحرية في خليج سرت في 1986, واطلاق ليبيا لعدد من الصواريخ, قامت واشنطن بضرب قواعد تلك الصواريخ على طول الساحل الليبي. وبلغ النزاع الامريكي الليبي ذروته في ابريل 1986, عندما قامت الطائرات الامريكية بغارات مكثفة, قصفت خلالها اهدافا في مدينتي طرابلس وبنغازي, ردا على انفجار وقع في ملهى ليلي ببرلين كان يرتاده الجنود الامريكيون, وألقيت مسؤوليته على ليبيا, وفي 14/1/1989, اسقطت الطائرات الامريكية طائرتين ليبيتين كانتا في مهمة استطلاعية. ازاء هذه الخلفية من علاقات ليبيا مع الدول الغربية الثلاث, ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بقمة النظام العالمي, يصبح مفهوما رد الفعل الامريكي البريطاني الفرنسي ازاء حادثة لوكيربي. ومع ان النزاع في جوهره قانوني, وتحكمه قواعد معاهدة مونتريال لعام 1971, والخاصة بجرائم الاعتداء على سلامة الطيران المدني, الا ان الدول الثلاث لجأت مباشرة الى مجلس الامن, وتم استصدار القرار 731, في 21/1/1992, والذي أدان الحادثة, وحث الحكومة الليبية على التعاون الكامل في تحديد المسؤولية عن الحادث, وفي 31 مارس من نفس العام, اصدر مجلس الامن القرار رقم 748, الذي استند مباشرة الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, وهو الخاص بالعقوبات وقد شمل القرار مجموعة من العقوبات التي تفرض على ليبيا, مطالبا اياها بأن تمتثل على الفور ودون تأخير لمطالب الدول الثلاث, وان تثبت بشكل فوري وبأعمال محددة نبذها للارهاب. وفي 11/1/1993, صدر القرار 883, الذي تضمن تجميد بعض الودائع الليبية في الخارج. كان موقف الدول الغربية الثلاث هو ضرورة تسليم المتهمين الليبيين للمحاكمة في الولايات المتحدة أو اسكتلندا. وكانت الحجة الليبية الاساسية هي انه لا توجد معاهدة لتسليم المتهمين بينها وبين تلك الدول, وأن مجلس الأمن تجاوز اختصاصاته عندما أصدر قرارا بشأن أمور ذات صفة قانونية, وان الفقرة 3 من المادة 26 من الميثاق تحدد وجوبيا عدم صدور قرارات من المجلس, في امور تتعلق بنزاع قانوني يجب ان يحال الى محكمة العدل الدولية. واضافت ليبيا انه لم تتوافر سوابق دولية في هذا الشأن. وان ما طالب به مجلس الامن لا يستند الى اتفاقية مونتريال. مع ذلك, سعت السياسة الليبية الى طرح مبادرات مختلفة, فاقترحت في 1994 تسليم المشتبه فيهما الى جامعة الدول العربية لمحاكمتهما امام محكمة العدل الدولية في لاهاي, وايدت قرارا صادرا عن الجامعة العربية يتضمن امكانية المحاكمة امام محكمة اسكتلندية, ووفقا للقانون الاسكتلندي, وتنعقد في لاهاي, كما طرحت امكانية انشاء محكمة خاصة على غرار ما حدث بشأن يوغسلافيا أو رواندا لمحاكمة مجرمي الحرب, على اساس ان جريمة تفجير الطائرات تدخل ضمن الجرائم ضد الانسانية. كما قامت ليبيا بمبادرات لخلق وقائع جديدة, وتغيير المناخ المعادي لها في الغرب, فرفعت دعوى قضائية امام محكمة العدل الدولية في 3/3/1992, طلبت فيها من المحكمة ان تصدر امرا تحفظيا يتضمن منع الولايات المتحدة من اتخاذ اي عمل ضد ليبيا لارغامها على تسليم المواطنين المتهمين, وضمان عدم اتخاذ اي خطوات تضر بحقوق ليبيا في الاجراءات القانونية, وذلك لحين قيام المحكمة بالبت في الطلب الليبي. وبينما اصدرت المحكمة, منذ سنوات, حكما برفض الامر بالاجراء التحفظي, الذي طالبت به ليبيا, على اساس انه يقيد سلطة مجلس الامن ويضر بحقوق الدول الغربية, فإنها عادت, في 27/2/1998, واصدرت اعلانا باختصاصها بالنظر في قضية لوكيربي, وهو ما مثل دعما للموقف الليبي. ومن بين ما قامت به ليبيا ايضا, استضافة ممثلين عن أسر الضحايا ومحاميهم والحوار معهم, والاعلان عن الاستعداد لدفع تعويضات مجزية ومناسبة لهم, مما جعل الكثير منهم يلتمس من حكومته اخذ الحجج الليبية بعين الاعتبار. إزاء هذه التطورات, غيرت امريكا وبريطانيا موقفهما, واعلنتا قبولهما محاكمة المتهمين امام محكمة اسكتلندية تنعقد في لاهاي, وهو ما ادى الى مسلسل الاحداث الذي انتهى بتسليم المتهمين. ولكن يثور السؤال عما اذا كان ذلك ينهي الازمة تماما, ام انه ينقلها من حال الى حال. فعلى سبيل المثال, فقد تسلمت ليبيا ضمانات بأن المحاكمة سوف تقتصر على المتهمين, ولن يقوم القضاة باستدعاء اي شهود رسميين ليبيين, ولكن من يضمن ذلك فعلا, في ضوء اجراءات وتداعيات المحاكمة نفسها؟. والدليل على ذلك, انه لم تمض ايام قليلة على تسليم المتهمين, حتى صرحت وزيرة الخارجية الامريكية, مادلين اولبرايت, بانه لا احد يستطيع ان يفرض وصاية على القضاة, وانهم يستطيعون طلب أي شخص للشهادة. ومن الواضح ان واشنطن مازالت عند اجتهادها القديم بشأن ليبيا. فمع أن مجلس الامن قام بتعليق العقوبات الصادرة ضد ليبيا, فقد اعلنت الخارجية الامريكية أن العقوبات الاضافية, التي كانت قد فرضتها واشنطن على طرابلس, لن تعلق, وان امريكا مازالت تعتبر ليبيا دولة داعمة للارهاب.. وهكذا, اذا كان الخلاف حول تسليم المتهمين قد انتهى, فإن الازمة المتعلقة بحادثة الطائرة والملابسات التي صاحبتها لن تنتهي, الا باصدار المحكمة الاسكتلندية لحكمها في القضية, كما ان تسليم المتهمين لم يحل القضايا المعلقة بين الولايات المتحدة وليبيا. والخلاصة, ان فصلا من ازمة لوكيربي قد انتهى وان فصلا جديدا قد بدأ, وان ازمة العلاقات الليبية الغربية, وخصوصا الامريكية, لم تنته بعد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات