الرئيس السوري حافظ الأسد أرجأ زيارته المقررة لروسيا في الاسبوع الماضي. وفي نفس الموعد الذي كان محددا للزيارة, كان السفاح شارون وزير خارجية اسرائيل في موسكو للمرة الثالثة خلال اربعة شهور يتباحث مع القادة الروس ويعلن على الملأ انه طلب من الروس وقف صفقات الاسلحة لسوريا, ووقف تسريب المعلومات التكنولوجية الخاصة بالاسلحة المتطورة الى ايران . وقبل ذلك بأيام كانت الولايات المتحدة قد اعلنت عن توقيع عقوبات على ثلاث مؤسسات روسية لها علاقة بانتاج صواريخ مضادة للدبابات قيل إن صفقة جديدة قد عقدت ليتم بمقتضاها حصول سوريا على عدد من هذه الصواريخ! وكانت التبريرات الامريكية لهذه العقوبات انها تخشى من وقوع هذه الاسلحة في ايدي المنظمات الارهابية (!!) وأنها تخشى كذلك من الاخلال بموازين القوى في الشرق الاوسط (!!) وأنها ترى في تزويد سوريا بأسلحة متطورة خطراً يهدد مسيرة السلام في المنطقة (!!) الموقف الامريكي ينطلق من قاعدتين اساسيتين حكمتا التعامل مع هذه القضية منذ زمن طويل. * القاعدة الأولى انه لا مجال ــ من وجهة النظر الامريكية ــ لإقامة توازن عسكري حقيقي بين العرب واسرائىل.. وان خير ضمان للمصالح الامريكية ــ والاسرائىلية طبعا ــ ان تظل القوة العسكرية الاسرائىلية متفوقة على مجموع القوى العسكرية للدول العربية. وهو التزام اصبح ساريا مهما كان شخص الحاكم في البيت الابيض: والمسيطر على الكونجرس, ومهما كان شخص من يدير الحكومة في اسرائىل وهل هو من العمل أو الليكود.. فالكل في هذه القضايا سواء. وفي البداية كانت اسرائىل تعتمد على شراء السلاح من المصادر الخارجية, ولم تبخل عليها الدول الكبرى, بل اعطتها مع السلاح الضمانات الدولية بالحفاظ على امنها, ووعداً بالحفاظ على وجودها على الارض الفلسطينية السليبة. ومع ذلك لم تركن اسرائىل لذلك خاصة بعد كسر مصر لاحتكار السلاح وعقد صفقات السلاح الشهيرة مع الاتحاد السوفييتي في الخمسينات, وكثفت اسرائىل جهودها لاقامة صناعاتها الحربية وكان احد قادة معركة بناء الصناعة الحربية الاسرائىلية من البداية هو شيمون بيريز, ولم تترك اسرائىل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة لتحقيق اهدافها.. بدءا من الدعم السياسي والمالي والتقني, وحتى التجسس وسرقة اليورانيوم والاسرار من الدول (الصديقة) .. والنتيجة صناعة حربية هائلة وترسانة نووية ومخزون من الاسلحة البيولوجية والكيماوية.. والاهم من ذلك ضمان امريكا بمنع (الآخرين) من امتلاك هذه الاسلحة ليظل التفوق العسكري الاسرائىلي هو العامل الاساسي لفرض الواقع الذي تريده امريكا في المنطقة. * اما القاعدة الثانية فقد كانت ــ ومازالت ــ هي ابقاء المنطقة كمنطقة نفوذ امريكي والقضاء على أية منافسة حقيقية في هذا المجال. ولقد كان هذا هو الهدف الاساسي للتحرك الامريكي في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية, ومنذ ان قررت ان ترث الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية اللتين كانتا تعانيان من امراض الشيخوخة القاسية. ولعل قراءة محاضر مباحثات وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر مع الصينيين و(السوفييت) في السبعينات والتي نشرت أخيرا يعطينا صورة واضحة للتوجه الامريكي في المنطقة. ففي هذه الفترة بعد حرب اكتوبر لم يكن الشغل الاساسي للسياسة الامريكية هو اقرار السلام كما قيل, وانما الهدف هو طرد السوفييت من المنطقة وافهام العرب انهم لن يحصلوا على مساعدة امريكا للوصول الى تسوية سياسية مع اسرائىل الا بعد خروج السوفييت, وتسليم اوراق اللعبة الى واشنطن. والمفارقة ان ما ارادته امريكا قد حدث, وما وعدت به العرب لم يتحقق.. فقد خرج السوفييت من المنطقة وانهار الاتحاد السوفييتي ــ وانفردت امريكا بالمنطقة وبالعالم, ومع ذلك ظل السلام بعيدا, ودفع العرب ثمن هذه التطورات ومازالوا يدفعون, والخلل في موازين القوى اصبح فادحا.. والأهم هو العقبات في طريق أية محاولة لاصلاح هذا الخلل. وفي هذا الاطار يأتي الفيتو الامريكي على صفقة السلاح الاخيرة من روسيا الى سوريا, وتأتي العقوبات التي تم فرضها على المؤسسات الروسية التي تشارك في صناعة الاسلحة التي دخلت في الصفقة. ثم تأتي التطورات الاخيرة بإرجاء زيارة الاسد لموسكو وبحلول شارون ضيفا دائما على الكرملين.. تأتي هذه التطورات لتفتح جرحا آخر عن السياسات العربية في التعامل مع المتغيرات العالمية. لسنوات طويلة ظل الاتحاد السوفييتي حليفا للعرب ونصيرا لقضاياهم وموردا للسلاح لجيوشهم التي استطاعت الانتصار بهذا السلاح في حرب 73 رغم ترسانة السلاح الامريكي التي فتحت ابوابها للعدو الصهيوني. ثم جرى ماجرى.. ومع بدء الانهيار في الاتحاد السوفييتي انفتحت ابواب جحيم الهجرة امام اليهود الروس الى فلسطين المحتلة. ووقف العرب عاجزين.. فأمريكا تدعم العملية وتضغط على الكرملين.. واوراق اللعبة في الشرق الاوسط انتقلت الى أيدي واشنطن وحدها, والاتحاد السوفييتي تم استبعاده, والازمة الداخلية تعصف به, وساسة الكرملين يظنون ان فتح أبواب الهجرة لليهود قد يفتح امام موسكو باب المعونة الغربية لانقاذ اقتصادها المتهاوي. وهو الامر الذي لم يحدث لأن المطلوب كان الانهيار الكامل للاتحاد السوفييتي. وسارت الأمور على هوى الغرب واسرائىل, وضد مصلحة العرب على طول الخط ودون ادنى محاولة عربية لانقاذ العلاقات مع هذه القوة الدولية الكبيرة. ولم نقاتل للاحتفاظ بمواقعنا هناك اعتمادا على ان علاقتنا بواشنطن تكفي! وتفاقمت الاوضاع بعد (أوسلو) وانفتحت امام اسرائيل ابواب العالم كله اما موسكو فقد تمت السيطرة عليها الى حد ان مسؤول الامن القومي في الكرملين كان يحمل الجنسية الاسرائىلية.. وبدرجات متفاوتة اخترقت تل ابيب كل العواصم التي كانت تغلق ابوابها في وجهها.. من بكين الى نيودلهي الى عواصم القارة الافريقية كلها, وتحت زعم ان السلام قد حل والمشاكل انتهت اقامت اسرائيل اوثق العلاقات مع كل هذه العواصم.. بينما العرب يتفرجون غير مبالين بما يحدث على الساحة, ولا بتأثير ذلك على مستقبل الصراع في المنطقة. وحتى عندما افاقت موسكو على حقيقة المأساة التي انساقت اليها, وحجم الهوان الذي اصبحت تعيش فيه وهي تتسول المعونات وتتعرض لابشع عمليات النهب وتقع تحت حكم عصابات المافيا في الداخل والضغوط الامريكية من الخارج. حتى عندما افاقت موسكو وبدأ الصراع المرير بين القوى الوطنية التي تحاول انقاذ الاوضاع والقوى الاخرى التي يتحالف فيها الفساد والعمالة والصهيونية.. وقفنا صامتين كالعادة, بينما اسرائىل ــ كالعادة ــ تلعب على كل الاطراف وتستفيد من كل الظروف. والحديث يطول ــ ولكننا نحصره في القضية التي بدأنا بها الحديث وهي صفقة السلاح الروسية التي تجري الضغوط لالغائها, وربما كانت الاستجابة لهذه الضغوط وراء الغاء زيارة الرئيس السوري لموسكو. لقد كان الموقف بالنسبة لاطراف القضية كالتالي. الولايات المتحدة حازمة في ان يكون القرار حول توازن القوى العسكرية في المنطقة في يدها, وهي في هذا تدخل منافسات غير مكشوفة مع حلفائها الغربيين, اما بالنسبة لروسيا فالامر يختلف, فمازال الفيتو الامريكي على عودتها للمنطقة ساريا, خاصة اذا تعلق الامر بسلاح متطور يذهب لدولة عربية. والروس من جانبهم يحاولون في ظروف الانهيار الصعبة ان يتمردوا على الادارة الامريكية, ومع مجيء بريماكوف لرئاسة الوزارة تجري محاولات لبناء موقف متوازن في السياسة الروسية تجاه المنطقة. وتصطدم هذه المحاولات بمقاومة داخلية من اللوبي الصهيوني القومي, وبالضغوط الامريكية, وبالواقع العربي الذي يثير الاحباط. ودمشق تقاتل في ظروف صعبة, وتلعب بأوراقها القليلة بمهارة, وترفض التنازل عن مواقفها الاساسية, وتحاول الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لتردع اي عدوان محتمل, وترفض الوقوع في مصيدة التحالف التركي ــ الاسرائيلي, وتزداد مهمتها صعوبة مع الضغوط الامريكية لغلق ابواب التسليح الملائمة من كوريا الشمالية الى موسكو. واسرائيل تستغل كل ذلك, وتستغل معه نفوذ اللوبي الصهيوني الهائل في روسيا, وتستغل حاجة موسكو الاقتصادية, والنفوذ اليهودي في الدوائر المالية العالمية والتواطؤ مع امريكا, لتقدم نفسها على أنها الباب الامبراطوري الذين يمكن ان تمر منه القروض والمعونات المالية الى موسكو, وبدون الدخول الى هذا الباب فالمهمة صعبة وشروط البنك الدولي ستزداد صرامة, والحصول على المعونات سيصبح مهمة شاقة. وعلى موسكو ان تدفع ثمن ذلك بأشياء كثيرة منها إعادة النظر في صفقات السلاح المتطورة لسوريا. وتجيء حرب البلقان لتمثل عاملا جديدا في الموقف. وبعيدا عن الدبلوماسية ومقتضياتها, فالموقف الاسرائيلي يقترب كثيرا من الموقف الروسي المؤيد للصرب, وان اختلفت الاسباب. روسيا تدرك ان تحرك الاطلسي ليس خالصا لوجه الله ولا لحماية المسلمين وان ضرب يوغسلافيا هو إنهاء لاخر موقع حليف لموسكو في قلب اوروبا واذلال للروس الذين لم يعد امامهم الا الرضوخ لارادة امريكا. ومن هنا تأتي المعارضة الروسية لتحرك الاطلسي. واسرائيل تدرك عمق التشابه في الاوضاع بينها وبين الصرب, وتدرك ان النجاح في فرض الاستقلال او الحكم الذاتي لكوسوفو ستنعكس اثاره على موقف الفلسطينيين الذين يعانون من موقف مشابه. ورغم توزيع الادوار بين قادة اسرائيل ليؤيد بعضهم قرار التدخل الامريكي الاوروبي في كوسوفو ويتحفظ البعض الاخر, فان شارون استبق زيارته الاخيرة لموسكو بنصيحته الشهيرة بعدم السماح لمسلمي كوسوفو بالاستقلال او الحكم الذاتي حتى لا ينتشر الارهاب الاسلامي (!!) في أوروبا. وتكشف زيارة شارون الاخيرة الكثير من المواقف. فالرجل الذي اصبح ضيفا دائما على العاصمة الروسية يقابل بالترحاب, ويعلن وزير الخارجية الروسي ان الظروف مهيأة لعلاقات استراتيجية بين بلاده واسرائيل. وشارون من جانبه يعلن انه جاء لمنع صفقة الصواريخ الى سوريا ووقف اي تعاون عسكري مع ايران. والولايات المتحدة مهدت الطريق ليس فقط بالتصريحات المؤيدة للموقف الاسرائيلي من التعاون العسكري الروسي مع سوريا او ايران, وانما بالضغوط السياسية والاقتصادية, وبالعقوبات التي فرضتها على المؤسسات الروسية المشاركة في انتاج الصواريخ موضوع الصفقة. وسوريا تمسكت بموقفها وبحقها في الحصول على السلاح الذي تدافع به عن نفسها, وكشفت زيف الادعاء بان الصواريخ الروسية قد تجد طريقها بواسطة دمشق الى الجماعات الارهابية. الجديد في زيارة شارون الاخيرة هو تسريب اسرائيل لانباء عن مشروع جديد للانسحاب من لبنان, وطرقها البوابة الروسية للوساطة مع دمشق من أجل الاتفاق بشأن هذا المشروع, وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي لتأجيل زيارة الأسد لموسكو حيث لا يريد استغلال وجوده في موسكو في نفس اليوم الذي يذهب فيه شارون للعاصمة الروسية من اجل تأكيد الحديث عن مباحثات ووساطة سيجري استغلالها في الانتخابات الاسرائيلية بلاشك. ولكن الامر يطرح اسئلة عديدة.. * فهل تراهن موسكو على نجاح الليكود ونتانياهو, وتحاول الاستفادة بتقوية الجسور بينها وبين اليمين الاسرائيلي, مستغلة فترة التوتر في العلاقات بين نتانياهو والادارة الامريكية التي تراهن على هزيمته في الانتخابات؟ * وماذا وراء تلويح نتانياهو وشارون لموسكو بان في امكانها اختراق الفيتو الامريكي على وجودها في الشرق الاوسط, وإعادة الاعتبار الى دورها الملغي في عملية السلام؟ وما هو ثمن ذلك؟ وهل يتم كورقة ضغط على واشنطن ليزداد انحيازها للموقف الاسرائيلي.. ام انه يمثل استراتيجية جديدة للسياسة الاسرائيلية تحاول عن طريقها تحقيق توازن مع الموقف الاوروبي الجديد المؤيد للحقوق العربية نوعا ما والموقف الامريكي الذي يخشى من عواقب انحيازه الطويل لاسرائيل على مصالحه الاستراتيجية في المنطقة خاصة اذا بقي نتانياهو في الحكم وبقي التعنت الاسرائيلي والاصرار على ضرب اي فرصة لسلام حقيقي في المنطقة؟ * وما هو انعكاس ذلك كله على الموقف في الشرق الاوسط.. خاصة بعد حرب البلقان وما ستفرزه من اوضاع جديدة في اوروبا والعالم. فالعالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها, ومثلما افرزت حرب الخليج توازنا جديدا في القوى, سوف تفرز هذه الحرب توازنا اخر, وعشرات الاسئلة حول مستقبل الامم المتحدة, والدور الجديد لحلف الناتو, وتحرك روسيا في مواجهة الخطر الذي يقترب من حدودها, وتأثير كل ذلك على الشرق الاوسط بكل صراعاته وتناقضاته وقضاياه المؤجلة. * ولا تسل ــ مثلي ــ عن الموقف العربي من كل ذلك فنحن ــ كالعادة ـ سنكون اخر من يتحرك, وأول من يدفع الثمن!!