في شهر مارس الماضي عقد المؤتمر الموسع لتطوير المناهج. وفي الاسبوع الماضي عقد (المؤتمر الدولي الاول حول تطوير التعليم في دولة الامارات العربية المتحدة من منظور دولي) وهما ــ بلا شك ــ حدثان مهمان في المسيرة التعليمية في الدولة . وهما كذلك, يعبران عن حرص المؤسسة الاتحادية المسؤولة عن الاشراف على شؤون التربية والتعليم في البلاد على مراجعة الواقع التعليمي بالدولة, والعمل على تغييره. هذا الواقع لا يعدم ــ بطبيعة الحال ــ الايجابيات, لكنه وكما هو ظاهر ومعلوم للجميع ــ حافل بالعديد من مظاهر الخلل التي نحتاج معها الى وقفات طويلة وجادة واحسب ان في تلك التظاهرات العلمية التي شاهدناها في الآونة الاخيرة مؤشرا على الوعي المجتمعي الذي يجري الاعداد له, تمهيداً للحصول على الدعم المطلوب لاحداث عملية التطوير المقترحة ومع ذلك, تبقى هناك عدة قضايا أساسية لابد من أخذها بعين الاعتبار. اذ بدونها تبقى كل هذه الجهود المبذولة في اطار المحاولات التي تتكرر بين الحين والآخر دون ان تحقق الاهداف المرجوة والمعلنة ودون ان تثمر عن شيء ملموس يسهم في احداث التطوير المنشود. التطوير ضرورة حتى لا يبقى الكلام المتقدم في سياق التعميم, الذي يمكن ان يصدق على اية مؤسسة, بل وعلى اي جهد بشري تعتريه مظاهر الخلل والقصور, فإنه وعند الحديث عن الواقع المتردي للتعليم العام في البلاد, تكفي الاشارة الى مخرجات هذا التعليم للحكم على هذا الواقع. فغاية ما يمكن ان ينتجه النظام التعليمي السائد ــ وباستثناء قليل للغاية ــ أناساً تجاوزوا, وبالكاد, حدود الامية حسب تعريفها القديم. او حفاظاً لمحتويات الكتب الدراسية المقررة, سرعان ما تتبدد معلوماتها وتتبخر ليبقى الطالب بعد ذلك تائهاً, دون زاد حقيقي, او مهارة تؤهله للانطلاق نحو متطلبات الحياة المعاصرة الحافلة بالتغير والتطور, وبخطى متسارعة مذهلة, لم يعد لخزن المعلومات في الذاكرة الانسانية تلك الاهمية التي كانت في أزمنة سابقة. بل اصبحت هذه المعلومات, وفي هذا العصر بالذات, (عبئاً) على الانسان, بحيث يحتاج معها الى مهارات أخرى تتمثل في الانتقاء والتوظيف لاغراض تعليمية وبحثية واخرى الممارسات التعليمية السائدة, وفقاً للنظام التعليمي القائم, ينتج كذلك تلك النوعية من المخرجات التي لا تتلاءم على الاطلاق مع المقومات الاقتصادية والاجتماعية لدولة الامارات والتي تشهد تطوراً مستمراً مثيراً للاعجاب والتقدير حيث انه, وبدلاً من حدوث تطور مماثل في مؤسساتنا التعليمية, نجد المدارس العامة وكذلك معظم الخاصة, باقية على حالها يسودها مناخ يتسم بالجمود ولا يشجع على التطور أو التجديد يتخرج فيها الطالب, دون ان يتفهم دوره في خدمة نفسه او مجتمعه غير قادر على التعامل الفعال مع معطيات هذا العصر المتغير دائما, بل وغير مؤهل لمواجهة مستلزمات المرحلة التالية من حياته سواء أكانت تلك المرحلة الالتحاق ببرنامج دراسي في مؤسسات التعليم, أو في الالتحاق بسوق العمل. وقد أحدث ذلك, كله تلك الفجوة الهائلة بين ماهو مشهود في واقع الحياة خارج المدرسة, من توافر المعلومات ووجود التقنيات المعرفية والمعلوماتية المتقدمة, مثل الانترنت والشبكات الفضائية الكثيرة, ووسائل الاتصال الحديثة... وغير ذلك وبين ماهو متاح داخل المدرسة من (سبورة) و(طبشورة) لا غير. بل وانعدام عوامل ومواد جذابة ومشجعة للطالب الذي لا يجد مفراً من عقد تلك المقارنة البائسة بين الواقعين, أو المناخين, الخاص في المدرسة والعام في خارجها. مخرجات هزيلة ولا شك ان هناك اسباباً جوهرية ادت الى حدوث تلك المشكلة الكبرى المتمثلة في النوعية الهزيلة لمعظم مخرجات مدارس التعليم العام. التي تشكل بالتالي عبئاً اضافيا تستمر الدولة في تحمله اذا قرر الطالب, او الطالبة, الاستمرار في برامج التعليم العالي. اذ ان الخيارات المتاحة حينئذ, اي عند الالتحاق بتلك البرامج, محدودة للغاية بل تكاد تنحصر في اثنين هما: اما الاستمرار في النمط التقليدي للتعليم العالي امتدادا للمرحلة السابقة, الامر الذي يعني تخريج اعداد من حملة الشهادات الجامعية لا يختلفون كثيراً في مستوياتهم الاكاديمية ومؤهلاتهم الوظيفية عن مخرجات التعليم العام, ما قبل الجامعي وربما كان الفارق الوحيد هو الزمن الفاصل بين المرحلتين, أربع أو خمس سنوات. أما البديل الآخر, والصعب في الوقت نفسه, والمكلف كذلك في الوقت والمال, فيتمثل في اعادة تأسيس الطالب وصياغته اكاديميا, وتهيئته للالتحاق ببرامج التعليم العالي المتطورة التي لا تكتفي بتلقين الطالب وتزويده بكم من المعلومات يحفظها ثم يفرغها, بل تتطلب استعدادات ومهارات خاصة, يكون معها الطالب محور العملية التعليمية, معتمداً على مبدأ التعلم الذاتي, واثقاً من قدراته وامكاناته, مزوداً بالوسائل التي تمكنه من التعامل مع المشكلات وحلها وبالتالي يكون هذا الطالب مؤهلا حقا لمواصلة تعليمه الجامعي المتطور دون صعوبات حقيقية. أسباب الخلل تلك خلفية لابد من استحضارها قبل الحديث عن تطوير نظام التعليم العام بالدولة, كما انه تبدو ثمة أهمية كبرى في الاشارة الى اسباب الخلل في هذا النظام وابرز سماته التي يمكن تلخيصها في: ــ ان هناك غياباً واضحاً لخطط حديثة ومحددة للتعليم العام لذا كانت الجهود الاخيرة في شأن رؤية الوزارة المقترحة ومشروعها الجديد بمثابة المفاجأة التي تقدم في هذا السياق فيما عدا ذلك, فإن الذي كان سائداً خلال العقود الثلاثة تقريبا, هو عدم وجود اهداف تعليمية واضحة, يلتف حولها الجميع, وتكون اساساً لتحديد استراتيجيات العمل, بالاضافة الى غياب النظم والاجراءات الفعالة لتحديد الاولويات او لتخصيص الميزانيات والموارد, أو للتقييم والمتابعة والتطوير المستمر في الاداء. لذا كان واضحاً ان هذا النظام اعتمد على الاهداف التي تحددت له منذ قيام الوزارة, والتي تمثلت في توفير نظام للتعليم العام, يكون مجانياً, والزامياً, ومتاحاً لكافة المواطنين. لا يعني ذلك بطبيعة الحال انعدام المحاولات التي اشتملت على بعض الطروحات التي قام بها مسؤولون سابقون كانوا يعبرون في بعض المناسبات عن اهتمامهم بتحقيق الجودة والملاءمة في البرامج والاداء في المدارس العامة, بل ان مجلس الوزراء قد اتخذ عدداً من القرارات في شأن الاهداف المرجوة للتعليم العام في الدولة, وأقر منذ عدة سنوات السياسة التعليمية التي بذل فيها جهد كبير. لكن كل ذلك لم يتحول الى خطط عمل محددة تدعمها برامج وميزانيات معتمدة. وكان الهم الحكومي الكبير خلال المرحلة السابقة هو بناء المزيد من المدارس لاستيعاب الاعداد المتزايدة من الطلبة, دون التفات حقيقي الى نوعية التعليم في هذه المدارس. والاخطر من ذلك كله, انه شاع مناخ يسوده الاحباط من حدوث اي تغيير له قيمة في النظام التعليمي العام, بل ووجد تيار داخل المؤسسة المسؤولة عن الشأن التربوي والتعليمي يسعى الى تعزيز (فكرة) الانتشار الكمي العددي, دون ان يكون لديه اي استعداد للوقفة والمراجعة, فضلا عن دعم المبادرات التصحيحية والتطويرية.