كان يشعر ان المسافة بين الحياة والموت تتفجر.. تذوب.. تتلاشى.. وان الأزمنة تتكسر.. والأيام تدوس على بعضها البعض.. وان عليه أن يسافر إلى العالم الآخر.. في رحلة أخيرة بلا عودة.. يكون فيها الإنسان شاهدا على نفسه.. عاجزا عن مسح ما فعله . في هذه اللحظة - الذي الموت يعد فناجين القهوة المرة في انتظار ان يأخذه ويرحل - طلب مني ان أسامحه.. ولابد أنني فوجئت.. وبهت.. صدمت.. فما الذي فعله هذا الكاتب الكبير حتى يطلب مني أن أسامحه؟ لقد عرفته وعملت معه سنوات طوال.. وكنت أعرف انه من ذلك النوع من الكتاب الذي يحصل كل عام على شهادة حسن سير وسلوك من شيخ الحارة.. أو من مأمور الشرطة.. أو من اثنين من موظفي الحكومة لا يقل مرتب كل منهما عن 50 جنيها.. وكان يصر على أن تكون الشهادة مختومة بختم النسر.. وكنت أعرف انه في المواقف الحاسمة يخون أصحابه ومهنته.. ويشتري رضاء السلطة.. أي سلطة.. ملكية.. جمهورية.. اشتراكية.. رأسمالية.. تعاونية.. بلدية.. مالية.. أو حتى سلطة زوجية.. ولكن المثير للدهشة انه كان يعكس مواقفه المتخاذلة في الحياة في رواياته الأدبية.. فيصبح الضارب مضروبا.. والقاتل مقتولا.. والمجرم ضحية بريئة.. جنت عليها الظروف.. كأنه كان يطهر نفسه بالكتابة.. أو يعيد صياغة حياته الحقيقية المخيفة على طريقة حصان طروادة.. فهو في الحياة فرعون.. ولكنه في رواياته هو موسى.. وبين شخصية دكتور جيكل الطيب على الورق وشخصية مستر هايد المتوحش في الحياة عاش في تناقض وانفصام حتى دنت لحظة النهاية. لم يكن الجو يسمح بأن أضغط عليه لأعرف ما ارتكبه في حقي ويستحق أن أسامحه عليه.. كما ان نظرات زوجته كانت تقول عفا الله عما سلف.. أما هو فقد ضاعت حساسيته الفنية الاشبه بأفلام التصوير.. ومن ثم كانت الصور الذي يحاول أن يلتقطها من الذاكرة هي صور فاشلة.. غير قابلة للتظهير.. أو للتكبير.. ومن ثم راح يعتذر بعينيه عن التصوير لأن الاضاءة رديئة.. ومدى الرؤية ضيق جدا.. ثم ان الأحلام احترقت.. والعدسات احترقت.. والكاميرات احترقت.. وعيون الكاتب الكبير احترقت.. فكيف يلتقط صورا لما جرى في هذا الجو الرمادي المكفهر؟ ولم أشأ أن أعرف ما جرى.. فيكفي أن أجد كاتبا كبيرا في شهرته يعترف في لحظاته الأخيرة انه نسي عنوان الحق في حياته أو تناساه.. ويكفي أنه وجد نفسه منفيا خارج أسوار احترامه لنفسه.. حتى لو كان ذلك بعد فوات الأوان.. ويكفي انه وجد نفسه في النهاية مثل سمكة سردين تؤكل بالزيت والليمون وليس ديكا قادرا على حماية الحياة من الذئاب والثعالب التي تتربص بها. وقد كنت دائما أحاسب الكاتب على ما يكتب وليس على مواقفه العامة والخاصة.. لكنني بعد عمر من القراءة والمتابعة وجدت ألا فرق بين الكاتب على الورق والكاتب على ظهر الدنيا.. وانه في الوقت الذي يأخذ فيه الكاتب موقفا يخالف مواقف أبطاله فإنه يموت من الملل قبل أن يموت من فقدان ثقة الناس فيه.. ولعل هذا كان مصير الكاتب الأمريكي جون شتاينبك الذي انتقل من ميدان الدفاع عن الناس في روايته الشهيرة (رجال وفئران) إلى تأييد حرب فيتنام ومباركة قتل الناس والتغني بهذا القتل حينما كتب انه سمع أصوات القنابل التي تلقيها القنابل الأمريكية على الفيتناميين وكأنه يسمع سيمفونية لبيتهوفن.. وهو ما جعل طالبة في احدى الجامعات الأمريكية تلقي في وجهه بالبيض الفاسد والطماطم.. وتتهمه بأنه أشد خطرا على الناس من الجواسيس والسفاحين ورجال عصابات المافيا.. لانه قاتل يستخدم حبرا من الحرير.. وسلاحا من الروعة والمتعة.. وقد عجز شتاينيك بعد ذلك عن الكتابة.. فقد باع نفسه للشيطان.. وراح يغرق في الخمر والمخدرات.. لقد نسي ان مهمة الكاتب هي ان ترتفع السنبلة بالقمح ويفيض النهر بالخير ويكتظ الثدي بالحليب.. وليست مهمته أن يكون موظفا في إدارة العلاقات العامة بوكالة المخابرات الأمريكية.. أو إدارة المباحث الفيدرالية. وأجمل ما في المجتمعات الحرة انها تحاسب كل من يخطئ في حقها أولا بأول.. وتسقط من يخدعها أولا بأول.. ولا تنتظر أن يصحو ضميره في آخر أنفاسه.. ليطلب من الذين أساء لهم أن يسامحوه.. وكأن جريمته هي جريمة شخصية في حق أفراد وليس جريمة عامة في حق شعوب ومجتمعات.. ان المجتمعات الحرة تصر على الحساب والعقاب ليس لان قلوب الناس فيها سوداء.. وإنما حتى لا تتكرر الجرائم والأخطاء.. وحتى تنضج الشعوب وتعرف كيف تفرز الخبيث من الطيب.. وحتى لا تلدغ من الجحر مرتين.. أما نحن فلا نلدغ من الجحر مرتين.. وإنما ألف مرة.. ولا نتعلم.. لاننا نتسامح.. ونتناسى.. ونفقد الذاكرة.. ولا نعاقب الذين أفسدوا علينا الحياة.. وضاعفوا من مسامحة القبح والجفاف والقسوة والملوحة فيها.. وكنا نتصور انهم جعلوها أقل. المجتمعات الحرة لا تسامح ولا تغفر الجرائم التي ارتكبت في حقها.. فلا يجوز تغطية جريمة بجريمة.. وقد بدا ذلك واضحا في محاكمة السفاح التشيلي السابق أوجستو بينوشيه الذي استمرت مجازره لمدة 17 سنة في تشيلي بعد الانقلاب الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية (الأمريكية) ضد الرئيس اليساري المنتخب سلفادور الليندي.. وقد سقط بينوشيه وتصور انه يمكن أن يهرب من ضحاياه ويقضي أيامه الأخيرة في بريطانيا.. ولكن الدولة التي علمت العالم معنى الحرية والعدالة لم تقبل بأن تأوي سفاحا حتى وان كان بينه وبين القبر أياما وأمتارا قليلة.. وأصرت على طرده.. ثم بدأ التفكير في تسليمه لمحاكمته على 17450 جريمة وهو رقم قياسي لم يستطع الوصول إليه كل الجزارين الرسميين الذين سبقوه في تحويل بلادهم إلى مجازر آلية مثل هتلر وستالين وموسوليني ونيرون.. وأجمل ما قرأت ان جيران بينوشيه في الريف البريطاني وضعوا على باب بيته جمجمة كبيرة كتبوا عليها (لو كنت تحس لقتلت نفسك قبل أن يقتلك ضحاياك) . الذاكرة الحية هي مفتاح تطور المجتمعات الحية. وهي مجتمعات تطالب كل شخصياتها العامة السياسية والأدبية والفنية بأن تقدم أولا بأول شهادة صحية تثبت خلوهم من الأمراض السارية والسرية .. الخيانة .. الفساد .. الانحياز لسلطة غاشمة .. أو تقدم صحيفة سوابق ليس فيها جريمة واحدة من جرائم الضمير. إن أهم من جريمة بينوشيه جريمة ايليا كازان .. فبينوشيه كان معلوما أنه من أول لحظة أنه سفاح .. وجرائمه واضحة .. ومعلنة حتى لو تأخر العقاب والحساب .. لم يقدم بينوشيه نفسه على أنه ملاك ثم كشف عن وجه الشيطان .. لم يقدم نفسه على أنه فنان ثم كشف عن نوازع الشر في أعماقه .. لم يقل ان مهمته في الحياة أن يجعل الشمس أكثر حنانا والسماء أكثر زرقة والناس أكثر سعادة .. كان منذ اللحظة الأولى التي استولى فيها على السلطة يعلن أنه جاء لسلخ الشعب في التشيلي وتأجيرها مفروشة للبيت الأبيض يقضي فيها حكام وجنرالات واشنطن عطلة نهاية الأسبوع يشربون فيها نبيذا من النوع الأحمر الذي يصعب في هذه الحالة أن تعرف هل هو عصير كروم أم دماء شعوب؟ لقد جاء ايليا كازان مهاجرا من تركيا الى أمريكا وساهم في قلب هوليود ـ عاصمة السينما الأمريكية والعالمية ــ من مدينة تبيع الوهم للناس إلى مدينة تعرف قيمة الفن السابع في تغيير الناس وتغيير حياتهم .. فقدم أشهر الأفلام الكلاسيكية التي غيرت تاريخ السينما في العالم .. مثل (أمريكا .. أمريكا) و(فيفا زاباتا) و(عربة اسمها الرغبة) و(عند الميناء) و(التدابير) .. وفي هذه الأفلام وغيرها اتبع كازان طريقة (ستديو الممثل) وهي طريقة قلبت اسلوب الأداء في السينما .. وجعلت الحياة تدب في طريقة أداء الممثلين .. وحولتهم من دمي إلى بشر مثلنا من لحم ودم .. بل أكثر من ذلك أسس كازان تيار المسرح اليساري الأمريكي مع كليفورد أوديتس .. وهو الأساس الذي يقوم عليه المسرح الأمريكي الجاد الآن في نقد السلطة السياسية وتجاوزاتها في الداخل والخارج. إن هذا المهاجر التركي من وطن السلطة العسكرية إلى وطن الحرية السياسية لم يكن يقف في المنطقة الوسطى المنزوعة السلاح .. حيث الحياد والموات .. وحيث لا هزائم ولا انتصارات .. وقد انحاز إلى جانب الذين يقاتلون بالابداع من أجل أن يرفع بالكاميرا سيف الظلم عن ملايين الناس .. لكنه .. فجأة ترك هذا الجانب وقفز إلى الجانب الآخر .. وراح يرقص رقصة المبدعين والمثقفين في سيرك السلطة .. وراح يمد خرطومه الى مقصورة الحاكم ليضع له موزة .. أو تفاحة .. أو عقد عمل لاخراج فيلم .. وشهادة تأمين ضد الحبس والتشرد .. وفي المقابل .. كان على كازان أن يشي برفاقه اليساريين القدامى في الحزب الشيوعي الأمريكي أمام لجنة السيناتور مكارثي وهي اللجنة التي راحت تفتش في عقول المبدعين والسياسيين والكتاب والمثقفين وتحاسبهم وتحاكمهم على أفكارهم .. لقد تحول المخرج المبدع الى مخبر وجاسوس وعميل للمباحث الفيدرالية .. فقد أعز ما يملك الانسان ثقة أقرب الناس اليه فيه .. وكانت صدمة هزت كافة أوساط أصحاب الرأي في العالم كله وليس في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها .. وكتب المفكر الفرنسي الشهير جان بول سارتر بيانه الشهير ضد كل المثقفين والمبدعين الذين سقطوا في هذا العار .. ووقع على هذا البيان مئات من المفكرين في العالم .. وقد ظل هذا البيان دستورا لعلاقة المثقف بالسلطة .. فقد ذكر فيه: ان (كل مبدع أو مثقف هو بالضروة صوت مختلف .. مهمته تغيير الواقع إلى واقع أفضل .. ولا قيمة لمبدع أو مثقف يجلس في صفوف الموالين ويصوت مع الأكثرية على بقاء الواقع على ما هو عليه .. فهذا ضد طبيعة الأشياء .. وخلط في الأوراق .. وخلل في توزيع الأدوار) . وفي البيان نفسه: ان من الطبيعي أن يعاقب الكاتب والمثقف الذي يحاول أن يخرج على غريزة القطيع وأفكار القطيع وتصرفات القطيع .. من الطبيعي أن يكون العقاب من نصيب كل مثقف يحاول تغيير الدنيا بكلماته .. ويحاول أن يغير بهذه الكلمات ايضا جغرافية الحياة السياسية وجغرافية النفس البشرية .. ان العقاب في هذه الحالة هو نوع نادر من الشرف لا يحظى به كل من غير دوره ومهنته من الكتابة إلى الوشاية) . وتسبب كازان في أن يفقد عدد لا بأس به من أهم مبدعي هوليود أعمالهم في كتابة السيناريو والإخراج السينمائي .. ولعل أشهرهم هارولد لاوسون وزيرو موستل .. واضطر بعضهم للعمل بأسماء مستعارة .. وكان عددهم أكثر من 100 مبدع .. والمذهل ان بعضهم فاز بجوائز الأوسكار عن أفلام كتبها .. لكنه لم يتسلم الجائزة لأنه كتبها بأسماء غيره .. ومنهم دالتون ترومبو الذي فاز فيلمه (الشجاع) بجائزة أحسن سيناريو لكنه كان قد قدم السيناريو باسم روبرت ريتش .. وهو ما جرى ايضا مع كارل نورمان ومايكل ويلسون كاتبا سيناريو فيلم (جسر على نهر كواي) الذي خرج للنور باسم أب غير شرعي هو بيار بول .. ان 82 فيلما من أهم الأفلام الفائزة بالأوسكار كانت لا تحمل اسماء أصحابها بسبب ما فعله كازان وغيره من السينمائيين في هوليود ــ ومنهم الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان عندما كان ممثلا درجة ثانية في هوليود. وقد حان الوقت ليرد الناس لكازان ما فعله .. وليحاسبوه على جريمته .. فعندما قررت أكاديمية السينما الأمريكية تقديم جائزة أوسكار خاصة عن مجمل أفلامه قامت القيامة ووقعت الواقعة وغضبت قوى متنوعة في هوليود وراحت تضغط بشدة من أجل التراجع عن منحه هذه الجائزة التي تعد أكبر تكريم لسينمائي في العالم كله .. وكان رأي هؤلاء أن كازان لم يعتذر حتى عما فعل .. بل انه يصر على أنه خدم وطنه وعمل ما عليه .. وقد سجل جريمته في فيلم من إخراجه هو (رجل في موقف صعب) .. وهو فيلم يدور حول قصة هروب سيرك بأكمله من تشيكسلوفاكيا في عام 1953 .. ولم يكن موقف بطل الفيلم في الحقيقة هو الصعب وانما كان موقف كازان ايضا عندما صعد الى المسرح في حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير لتسلم الجائزة الخاصة دون أن يجد تشجيعا ولا حماسا من الصالة التي كانت تضم كل نجوم هوليود من مختلف الأجيال بما فيه الأجيال الشابة التي ولدت بعد ان ارتكب كازان جريمته .. فما فعله لا يسقط بالتقادم .. وما ارتكبه لا تفقده الذاكرة .. والا كررت الشعوب اخطاءها أكثر من مرة وبقيت مكانها محلك سر .. وكان عليها أن تبدأ دائما من الصفر .. بلا خبرة .. بلا تجربة .. بلا فرصة حقيقية للتعلم .. والاستفادة من الخطايا قبل الحسنات .. واضطر كازان ان ينسحب بسرعة من المسرح برفقة روبرت دي نيرو .. ومارتن سكورسيسي ... واكتفى بالقول انني سعيد بهذه النهاية ويمكنني الآن ان انصرف .. وفي الحقيقة لم يكن سعيدا بهذه النهاية .. وكل الذين شاهدوه على الهواء مباشرة في هذه اللحظة شعروا أن وجهه كان مثل الشمع .. وكان يتصرف بعصبية .. ويتكلم بعصبية .. وكأنه كان يتمنى أن تنشق خشبة المسرح وتبتلعه .. فكل ما يحصل عليه الفنان والمثقف من ثروة وسلطة وقوة هو أمر زائل .. لأن ما يبقى له هو فقط احترام الناس وتقديرهم .. هذا هو الأوسكار الخالد. وفي مذكراته التي صدرت بعنوان (حياة) حاول كازان الدفاع عن نفسه قائلاً: (ان أي شخص يقدم على الابلاغ عن الآخرين يقوم بعمل يثير القلق بل الاذدراء .. ان مثل هذا التصرف يزعج ضمير أي شخص ولكن في الوقت نفسه يجب الحكم على الأمر في اطار ما دار من أحداث في عام 1952) .. ويقصد هيستريا الشيوعية التي اجتاحت أمريكا في ظل المكارثية .. ومع ان دفاعه يبدو منطقيا الا انه نسي حقيقة هامة وهي ان الفنان والمثقف ليس أي شخص .. فهو الوحيد الذي عليه أن يراهن على المستقبل .. وهو الوحيد الذي عليه أن يطالب بالحرية لأشد الناس عداوة له .. لا أن يبلغ على أشد الناس قرباً له.