أعادت إلى الأذهان مأساة كوسوفو حكايات السفن المليئة بالنساء البوسنيات الهاربات من جحيم المذابح وذل الاغتصاب الصربي, إلى حيث يمكن ان يتزوجهن رجال من الدول العربية والاسلامية, حفاظاً على حياتهن وعفافهن وآدميتهن وإنقاذاً لهن من المأساة, وهذه المرة تعود السفن ذاتها محملة بنساء ولكن من كوسوفو, من الالبانيات الهاربات من جحيم مماثل . طلائع شائعات هذه السفن وصلت فعلاً الى دول عربية منها مصر, لتذكرنا بالمكالمات التي كانت تنهال على جمعيات خيرية من رجال يحجزون نساء للزواج منهن, في مزاد يختلط فيه عمل الخير بالعبث, والحقيقة بالشائعات, وعمليات الانقاذ والاعانة والاغاثة, بالخيال المريض لرجال يحلمون بنساء شقراوات من أوروبا, هن بوسنيات أو ألبانيات, لا فرق, يتشابهن في الملامح والدم والبشرة, حيث المنطقة الجغرافية والمناخ واحد. هكذا المأساة تفرخ مآسي, وأكاذيب حملات الزواج من بوسنيات سابقاً, إلى ألبانيات حالياً, يمكن ان تتحول الى حقيقة, أو على الاقل, الى نقل النساء والاطفال الى دول صديقة إما للعلاج أو للحماية أو للرعاية فالتبني, فكل ذلك ممكن, فأمام المأساة يصبح كل عمل آخر مشروعاً ومطلوباً, بما في ذلك الزواج من نساء تقطعت بهن السبل وانقطعت أوصال عائلاتهن, فيصبحن في حكم السبايا, الزواج بالنسبة اليهن طوعاً طوق نجاة. وتوقفت من مأساة كوسوفو عند قصة الشاب سلامي الشاني, التي تصلح فيلماً سينمائياً عن الرعب وأهوال الحروب والبربرية البشرية وهمجية الانسان على اعتاب القرن الواحد والعشرين, من بين قصص أخرى صنعتها مفارقات الحرب غير المتكافئة في قلب اوروبا, كاغتصاب النساء وانقاذهن بحبوب منع الحمل, مما سنعود إليه لاحقاً, فنجد في كل منها ما يصلح مادة لرواية أو فيلم, أبلغ مافيها انها لاتصدق, مع انها شديدة الواقعية, لانها نبت الواقع الذي نعيش. فالشاب سلامي الشاني اعتقل مع 200 رجل من قرية في جنوب كوسوفو بينهم عدد من اصدقائه, في 26 مارس الماضي, واختير مع 15 منهم للاحتجاز في منزل, حتى قررت القوات الصربية اعدامهم, رافضة توسلاتهم ونداءاتهم, ومع اطلاق الرصاص عليهم تهاوى الشاني الى الارض مصاباً في كتفه ليجد نفسه تحت جثث الآخرين وغارقاً في دمائهم. غير ان الجنود الصربيين لم يكتفوا بالاعدام, فقد قرروا حرق الجثث, فارتعب الشاني الذي كان يسمع حديثهم من تحت أكوام الجثث التي رمى عليها الجنود اعواد الذرة الجافة وسكبوا فوقها البنزين واضرموا فيها النيران, التي بدأ الشاني يشعر بلهيبها من مكانه, حين قرر استجماع قوته وفصل نفسه عن كومة الجثث والخروج من بين النيران, لتكتب له النجاة, والحياة الجديدة, وليكون شاهداً حياً على جرائم الصرب, وفظاعات الحرب. إلا ان للمأساة وجوهاً متعددة, ربما ليس الا الظاهر منها قصة الشاني حيث القتل البارد والاعدامات والحرق والتطهير, مقابل ماهو أفظع كالاغتصاب الجماعي للنساء, بحيث تكون هناك بعد حين مئات وآلاف من النساء الحاملات سفاحا, فلا تجد مع مثل هذا الوجه من المأساة منظمة الأمم المتحدة سوى حبوب (اليوم التالي) توزعها على مخيمات اللاجئين, لكي تحول دون حمل النساء اذا تعرضن للاغتصاب, وذلك بتناول هذه الحبوب خلال 72 ساعة من الاغتصاب, في عملية من عمليات المنظمة الدولية التي ادانها الفاتيكان باعتبارها عمليات اجهاض, فيما تراها الامم المتحدة عمليات حماية وانقاذ, اما الاغتصاب نفسه فلا حماية منه, لان الامم المتحدة نفسها لم تخترع بعد علاجاً له, ولن تخترع, طالما ان في العالم ذئابا في هيئة بشر.