اننا لا نتفق مع اولئك الذين يذهبون الى ان امريكا هي اسرائيل, وان اسرائيل هي امريكا.ولو كان هذا الزعم صحيحا, لكانت الولايات المتحدة قد نادت بسلام لا يتضمن اعادة الاراضي المحتلة الى العرب. ودعنا الآن نستدعي الى ذاكرتنا بعض الاحداث القديمة, مثل التجسس الاسرائيلي على بعض الاجهزة الامريكية, ولجوء ايزنهاور الى الضغط على انجلترا وفرنسا واسرائيل , من اجل الانسحاب من الاراضي المصرية بعد العدوان الثلاثي, وايقاف بوش مساعدات القروض الامريكية وحجبها عن اسرائيل ابان حكم شامير لحملها على القبول بمؤتمر مدريد, وجهود كارتر لسحب القوات الاسرائيلية من كامل سيناء تقريبا, وفقا لمعاهدة كامب ديفيد, ثم دور كلينتون في اقناع نتانياهو بالتوقيع على معاهدة واي, وكذلك التصريحات الأمريكية المعادية للاستيطان الاسرائيلي والتي تذهب احيانا الى حد التلويح بتأييد اقامة دولة فلسطينية, وهناك بالطبع مواقف أمريكية اخرى معاكسة ومخزية ومجحفة بحق العرب, ونستطيع أن نستخلص من كلا النوعين من المواقف, الايجابية منها والسلبية, نتيجة هامة مفادها ان لمساندة أمريكا لاسرائيل حدودا معينة, وهي لا تعطيها كل ما تريده, أي انها تتبنى مبدأ ترسيخ أقدام دولة عبرية آمنة وقوية وقادرة على الدفاع عن نفسها ضمن حدود جغرافية معترف بها, ولكنها وحتى الان لا توافق على مبدأ التوسع الاسرائيلي الجغرافي, كما يبدو لنا, لأن هذا معناه تعطيل المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط, على المدى البعيد, وهناك الان قطاعات من الشعب الأمريكي, ضاقت ذرعاً بالهيمنة اليهودية على بعض المؤسسات والمرافق الامريكية وأصبح شعار (تأييد اسرائيل بقدر ما تقتضي المصلحة الأمريكية وحدها, لا المصلحة الاسرائيلية أو الصهيونية) يكتسب شعبية متزايدة. وهذا يعني الى حد ما, أن الولايات المتحدة شيء, واسرائيل شىء آخر, وأن كانت الأولى تدعم الثانية دعما واسع النطاق بسبب مصالحها الشرق أوسطية, وننتقل الان من تحديد عوامل الانحياز الأمريكي لاسرائيل ومقداره, الى المسألة الأهم والمتمثلة بكيفية مواجهة هذا الانحياز, وهذا يقتضي تصميم استراتيجيات جديدة للانتقال بالعرب من المواقف الكلامية, غير المجدية الى المواقف العملية المفيدة, ومن الارتجال والتطرف الأرعن والتهويش المضحك الى المرونة الفعلية والاعتدال المثمر, ومن السلبية الى الايجابية. وأول خطوة في هذا الطريق الطويل يجب ان تتجلى في اجراء بحوث منهجية, على يد مؤسسات عربية معترف بها, لدراسة كيفية التأثير في مراكز القوى الأمريكية لصالح القضية العربية, وهذه المراكز هي, البيت الأبيض الذي يقف على رأسه رئيس الجمهورية, الذي يتمتع بأوسع النفوذ. ولكن سلطته ليست مطلقة بالطبع, بل أنها مقيدة بسلطة الكونجرس الذي يضم مجلس الشيوخ ومجلس النواب, وهو المعروف بكونه أكثر مراكز القوى الأمريكية انحيازاً لإسرائيل, ومع ان هناك قولا شائعاً بأن (كل شىء في أمريكا يبدأ من الكونجرس, وكل قضية تولد هناك) , فإن اتخاذ القرارات المباشرة الملزمة هو بيد رئيس البيت الأبيض, ونذكر ايضا سلطة مجلس الوزراء, ولاسيما وزارة الخارجية ووزارة الدفاع, ولا ننسى كذلك الحزبين الرئيسين, وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري, بالاضافة الى شركات النفط والمؤسسات الخاصة والصناعات الكبرى التي تؤدي دورا في صياغة السياسة الأمريكية الرسمية, وهذه هي أهم مراكز اتخاذ القرار في أمريكا التي تربطها باسرائيل مصالح عضوية وأمنية واستراتيجية, وبالعرب مصالح بترولية وتجارية, وعلى هؤلاء أن يدرسوا اليوم طرق التعامل السياسي الفعال مع هذه القوى, وصولا الى وضع جديد يبقى بموجبه تأييد أمريكا لاسرائيل محصورا ضمن مقتضيات المصلحة الأمريكية وحدها, دون ان يشتط هذا التأييد, بفعل التأثير الصهيوني, ليصبح منحازا للمصلحة الاسرائيلية على حساب المصلحة الأمريكية ذاتها, ولابد للزعماء العرب من السعي الى تغيير المعادلة التقليدية التي تجعل من مصلحة أمريكا ان تدعم اسرائيل بشكل مطلق ومتواصل, وبالتالي الى ايجاد معادلة جديدة تجعل لكل خطوة ايجابية تخطوها الأولى تجاه الثانية, ثمنا تدفعه أمريكا من رصيد علاقاتها مع العرب, ولاشك أن الشىء الكثير يقع على عاتق الجالية العربية في الولايات المتحدة, والتي من واجبها العمل على التأثير في العقل الأمريكي, بطريق الحوار والمحاضرات والمقالات الصحفية والكتب, وبواسطة الدخول في صلب الحياة الأمريكية والتغلغل في شرايين المؤسسات السياسية, وان تتفاعل معها وتؤثر فيها, فهذا أفضل من الضجيج الاعلامي العربي الذي لا ينصب إلا على آذان العرب أنفسهم, ان من المفروض ان تهتم أمريكا بمصالحها مع مئات ملايين العرب, أكثر من اهتمامها بمصالحها مع بضعة ملايين من اليهود. واذا كان العكس هو الذي يحصل اليوم, فإن هذا يدل على تقصير العرب وعدم قدرتهم على مواكبة العصر, مما يقتضى تغييرا جذريا في طرق تفكيرهم وممارساتهم. وبعد, فإن أمريكا كما يبدو لي ليست غزالا وديعا, ولا وحشا كاسرا, وبقدر ما نملك من حنكة سياسية, نستطيع جلبها الى مائدة مصالحنا, وكلما امعنا في الطيش والديماغوجية, ابعدناها بأيدينا نحو مائدة المصالح الاسرائيلية. * كاتب وباحث سوري