سولانا ... مثقف سلام يرتدي بزة الجنرال ...!بقلم: الدكتور طلعت شاهين

تغيير الجلد كان قاصرا في معرفتنا حتى وقت قريب على بعض الحيوانات وليس كلها, وربما كان أقرب تلك الحيوانات الى تفكيرنا هو الثعبان الذي يغير جلده بحكم الطبيعة, أي أنه حيوان مجبر على اجراء هذا التغيير المفروض عليه بحكم انتمائه الى فصيلة معينة من الكائنات الحية , ولكن لو اننا تعاملنا مع تغيير الجلد على سبيل الاستعارة فإن (الحرباء) تعتبر النموذج الذي يمكن ان تنطبق عليه تلك الصفة, لأنها لا تغير جلدها فحسب, بل تغير لونه ليس بحكم الطبيعة ولكن لتتواءم مع الاشكال والألوان الطبيعية المحيطة بها, ولكن هذا التواؤم تفرضه طبيعة خاصة في ذلك الحيوان الذي يحاول التغلب على مصاعب حياته, سواء لمخادعة الحيوانات الأخرى التي تكون طعامه فتكون فرصته أكبر في القفز عليها قبل ان تدرك وجوده, ويحصل بذلك على حاجته من الطعام الذي يوفر له البقاء ويقيه الفناء, أو لمخادعة الاعداء من تلك الحيوانات بالهروب تحت ألوان غير ألوانه يحصل عليها من لون الطبيعة المحيطة به. لذلك فإن الانسان الذي يغير أفكاره تنطبق عليه صفة (الحرباء) , لأن هناك من البشر من يغير جلده أو الألوان التي تشكل هذا الجلد ــ استعاريا ــ حتى يمكنه ان يتواءم مع الظروف المحيطة, بل هناك من يفلسف هذا التغيير في الجلد, ولهم في ذلك أقوال وحكم يقولون بها من حين لآخر لتبرير التغييرات الفكرية التي تطرأ على مسيرتهم, ومن هؤلاء السياسي الاسباني المعروف خافيير سولانا, الذي يتولى حاليا منصب السكرتير العام لحلف الأطلسي (الناتو) , أو (الأوتان) كما يطلق عليه المتحدثون باللغة الاسبانية, يعتبر من أبرز الذين تقلبوا على المناصب والافكار وله في هذا مقولات طريفة, منها: (الذين لا يغيرون أفكارهم هم الأغبياء) , وكأنه بهذه المقولة لا يصف نفسه بالذكاء بقدر ما يحاول الدفاع عن (تغيير لون جلده) , الذي تغير عدة مرات خلال العقدين الاخيرين اللذين شهدا ميلاد نجمه وصعوده في عالم السياسة في وطنه أولا ثم عالميا بعد ذلك. قبيل ان يفوز الحزب الاشتراكي في عهد الديمقراطية الحديث بنى خافيير سولانا شعبيته على معارضته لانضمام بلاده الى حلف الأطلسي (الناتو) أو (الأوتان) , وقاد المظاهرات التي تطالب الشعب الاسباني للتصويت لصالح حزبه حتى يوقف اندفاع بلاده نحو الحلف, وكانت مقولاته في ذلك الوقت تؤكد على (ثقافة السلام) في مواجهة (ثقافة الحرب) (؟!). عندما فاز الحزب الاشتراكي الاسباني لأول مرة بالانتخابات الديمقراطية عام 1982, وشكل أول حكومة اشتراكية بعد رحيل الجنرال فرانكو ظلت في الحكم ما يقرب من ثلاثة عشر عاما, كان خافيير سولانا أول وزير ثقافة في تلك الحكومة التاريخية, وبدأ في ممارسة مقولته (ثقافة السلام في مواجهة ثقافة الحرب) من خلال الظهور في مدارس الأطفال للدعوة الى هذه الثقافة الجديدة, وكثيرا ما ظهر في تلك المدارس على شاشات التلفزيون في بلاده داعيا الى تلك الثقافة. لكن بما ان للسياسة أحوالها التي تفرض نفسها على مسيرة الأحزاب السياسية من اقصى يمينها إلى اقصى يسارها, فقد وجد الحزب الاشتراكي نفسه في موقف لا يحسد عليه عندما قرر البحث عن اقصر الطرق للانضمام إلى (السوق الاوروبية المشتركة) حتى يمكن ان يكون له شرف هذا الحدث التاريخي الذي كان يعتبره اول اولوياته, لذلك كان لابد من تغيير في الاتجاه الايدلوجي للحزب بالتغاضي عن دعوات سابقة كان يرى المراقبون انها السبب الحقيقي في حصول الحزب الاشتراكي على الاغلبية المطلقة في تلك الانتخابات, واهم هذه التغييرات كانت تعديل الموقف من مسألة الانضمام إلى حلف شمال الاطلسي, وكان خافيير سولانا احد الدعاة للانضمام إلى الحلف على اساس ان هذا الانضمام لن يؤثر على (ثقافة السلام) التي كان ينادي بها, لان انضمام اسبانيا إلى الحلف سوف يكون على المستوى السياسي فقط, ولن يكون الانضمام في التشكيلات العسكرية, اي ان (ثقافة السلام) سوف تظل على حالها, وان اي حديث عن (ثقافة حرب) تحل محلها مجرد اقوال, بل ذهب إلى ابعد من ذلك بالقول ان (الحرب والسلام) متلازمان, لان الحرب هي الضمانة الوحيدة لاستمرار حالة السلام في العالم. انتقل بعدها خافيير سولانا من وزارة الثقافة إلى وزارة التعليم, ويبدو ان هذا الانتقال كان ايضا تنفيذا لمقولته التي ادلى بها مؤخرا (الذين لا يغيرون مواقفهم هم الاغبياء) , وبدأ تنفيذ مطالب اوروبا المفروضة على اسبانيا حتى يمكنها الانضمام إلى السوق المشتركة, وكان من هذه المطالب الاعتراف باسرائيل واقامة علاقات كاملة معها, أو حسب قول الاسرائيليين اعتراف اسرائيل باسبانيا, لان اسرائيل كان طوال حكم الجنرال فرانكو تلعب اللعبة الامريكية نفسها, التي ترى في الجنرال دكتاتورا ولكنها تقيم على اراضي بلاده قواعدها العسكرية مقابل دعمه ماليا وعسكريا وسياسيا باعتباره احد دعاة شن الحرب الايدلوجية على (الخطر الشيوعي) في العالم, فكانت اسرائيل تقيم علاقات مع اسبانيا على جميع المستويات من سياحة واقتصاد, ولكنها ترفض فتح سفارة لها باعتبار ان الحاكم (جنرال دكتاتور) . كان الاعتراف باسرائيل من قبل الحكومة الاشتراكية تمثيلية تؤكد وجود علاقات قديمة بين هذا الحزب وحزب العمل الاسرائيلي في لعبة توزيع الادوار في اسرائيل ما بين يمين ويسار, وكانت قمة هذه التمثيلية ان فتح سفارة اسرائيل كان بتحويل مكتبها السياحي إلى سفارة, ومستشارها السياحي كان اول سفير مما يدل على انه شيء لم يكن جديدا, وما تغير فقط هو المسميات, وكان سولانا من اوائل الباحثين عن دور في هذا التغيير, وتم ابتلاع مقولات الحزب الاشتراكي الذي كان يربط ما بين الاعتراف باسرائيل وبين قيام دولة فلسطينية مستقلة. ثم انتقل خافيير سولانا من وزارة التعليم إلى وزارة الخارجية ليكون الوجه المكشوف لحكومة بلاده وحزبه, وخلال هذا الانتقال كان خافيير سولانا كالسمك في الماء, حيث كان المنصب بالنسبة له هو منصب وزير لا يهم نوعية المهام المناط به القيام بها, ولم يلتفت احد إلى المواقف التي كان يعلن عنها من وقت لاخر, باعتبار انها مواقف لبلاده وليست مواقفه الخاصة, لذلك لم يحاول احد ان يجادل هذه الشخصية الفريدة لهذا الوزير الفريد. رشحته حكومة بلاده بعد ذلك ليكون شاهدا على انضمام بلاده إلى التشكيلات العسكرية لحلف الاطلسي ودعمه لهذا الانضمام بل والدعوة اليه علنا, ثم بعد ذلك ترشيحه لتولي منصب السكرتير العام لهذا الحلف, عندها بدأ المراقبون يفتحون الملفات القديمة في محاولة منهم لفهم اللغز الذي يقف خلف (مثقف السلام) الذي قرر ان يرتدي (بزة الجنرال) ويتحدث بلسان العسكرية الامريكية وان كان حديثه بالانجليزية هو حديث بلكنة اسبانية, الا ان اللكنة لا مكان لها في الحديث بالسلاح, عندما يتحدث السلاح تصبح كل اللغات قابلة للفهم او سوء الفهم. حاول البعض ان يفسر هذا التغير او التلون الجديد في جلد خافيير سولانا على انه محاولة منه لوضع (ثقافة الحرب) في خدمة (ثقافة السلام) , وهناك من غامر وتحدث عن دور الرجل المسالم الذي قرر ان يسكن في (عش الزنابير) رجل سلام محاط بنجوم الحرب. لم يخيب خافيير سولانا ظن من اختاروه ليكون الوجه الرقيق الذي يتحدث الى الناس عن الحاجة الى الحرب للحفاظ على السلام, او الفيلسوف الذي يحاول ان يضع الفلسفة السلمية في خدمة الآلة العسكرية الدموية, ويدعو الى تأييدها باعتبارها ضرورة للحياة في سلام. كان سولانا يفي دائماً بالمهام التي توكل اليه, فكانت كلماته تترجم على هيئة قنابل تسقط على رؤوس الابرياء في العراق والبوسنة والهرسك, وكان دائماً الشاهد المبتسم على مذابح الابرياء في ساحة السلام التي يقوم باعدادها حلف الاطلسي, بغض النظر عن مكانة تلك الساحة. كان يتوعد كاراديتش بالويل ما لم يوقف مذابح المسلمين في البوسنة والهرسك, وفي الوقت نفسه يمنحه الفرصة تلو الاخرى لتنفيذ عمليات التطهير العرقي ضدهم, بل ان قوات الاطلسي التي تتبعه كانت ولا تزال تعرف اين يوجد مجرم الحرب كاراديتش لتلقي القبض عليه وتحاكمه في المحكمة التي ادعوا انهم اقاموها لهذا الغرض, ومع ذلك لا يزال المجرم الصربي طليقاً يتمتع بادارة شؤون الجمهورية الصربية من خلف الستار. الامر نفسه تكرر مع الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش الذي كان يهدده بالويل وعظائم الامور ما لم يمتثل ويطيع, ولكنه كان يمنحه الفرصة تلو الاخرى لينفذ عمليات التطهير العرقي ضد مسلمي كوسوفو, وكانت الفرصة سانحة لاكثر من مرة لوقف هذه العمليات القذرة, ولكن (مثقف السلام) قرر الوقوف على حافة الجحيم, ويشاهد ما يجري بعيون شاعر حزين كما وصفه الكاتب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز, وكانت كلماته تبدو ككلمات الحمل الوديع الذي يتوسل الى الذئب ليرحم رفاقه. الا ان (مثقف السلام) قرر فجأة ان يرتدي (بزة الجنرال) ويأمر طائرات الشبح بقصف معاقل الحكومة اليوغسلافية, في الوقت الذي يطلق لها العنان في كوسوفو لتدمير ما تبقى من قرى المسلمين, على الرغم من ان الهدف المعلن هو حمايتهم, قنابل وصواريخ امريكا تسقط حيث تريد امريكا لا حيث توقف مذابح المسلمين في كوسوفو, وخافيير سولانا يتحدث بلسان امريكا, بينما القضية الاساسية لا تزال تسير على وتيرتها السابقة في عمليات التطهير العرقي. هذه المسيرة الغريبة لخافيير سولانا تفرض العديد من التساؤلات, ليس اهمها مقولاته عن الغباء وعلاقته بتغيير المواقف, ولكن ابرزها عن الاهداف التي يرمي البعض الوصول اليها من خلال تغيير الجلد وألوانه تحت شعارات كاذبة لا تقول شيئاً بقدر ما تكشف الى أي مدى وصل النفاق في الغرب, او الى اي مدى اصبحت الديمقراطية الغربية في حاجة الى اجراء عمليات جراحية عاجلة تنقذها من تفشي اورام سرطانية في جسدها تهدد بفنائها خلال سنوات قليلة. (*) كاتب مصري مقيم في اسبانيا

طباعة Email