في غمار ما يحدث حاليا في اقليم كوسوفو من صراع بين قوات الصرب وقوات حلف الأطلسي وبما يغيب عن البال ان الصراع التاريخي بين الألبان والصرب هو في جوهره صراع ثقافي ــ حضاري أكثر منه صراع ــ سياسي عرقي . وطبقا لما نشرته مجلة (المعرفة) السعودية, وهي مجلة تربوية, في عددها الثاني والأربعين الصادر في رمضان الماضي 1419 هــ, فقد كان اليوم الثالث والعشرون من مارس عام 1989 هو بداية مشوار الطلاق غير البائن بين اقليم كوسوفو الألباني المسلم وجمهورية صربيا, ليس فقط لأن بلجراد جردت الاقليم من حقوقه في الحكم الذاتي وقامت بحل الحكومة والبرلمان وجميع المؤسسات الشعبية الأخرى. ولكن ما حدث في هذا اليوم كان مقدمة لتجريد المسلمين من هويتهم بإلغاء التعليم الألباني, وفرض مناهج صربية جديدة. وشملت قرارات الحكومة الصربية اللاحقة: إغلاق جميع المدارس الألبانية وحرمان 430 ألف طالب من التعليم, وإغلاق جامعة بريشتينا, ووقف الأنشطة الأكاديمية كافة في كوسوفو, وإغلاق المكتبة الرئيسية, ووقف ارسال الاذاعة والتلفزيون باللغة الألبانية, ولم يعد أمام القيادة السياسية والشخصيات العامة الألبانية سوى مشروع (التعليم الأهلي) الذي يحفظ للمسلمين هويتهم. فانتشرت المدارس الليلية في أحواش المنازل, وتحت سلالم البيوت. وتبرع القادرون ببناء مدارس صغيرة كي يواصل التلاميذ دراستهم بلغتهم ومناهجهم الألبانية الإسلامية. أما الجامعة فقد ضاع الأمل في استعادتها بعد قرار حكومة بلجراد الصربية بإنشاء كنيسة أرثوذكسية في حرم الجامعة! بدعوى انها رمز الدولة الصربية, فأكدت تلك الخطوة تطرف القومية الصربية الأرثوذكسية. وفرضت على الألبان البحث عن (جامعة ألبانية موازية) . وقد أجرت المجلة المشار اليها حوارا مع رئيس جامعة بريشتينا الصربي راديفوي بابوفيتش الذي وصفته المجلة بأنه الصديق الحميم للرئيس الصربي المتطرف سلوبودان ميلوسيفيتش, وكانت اجابات رئيس الجامعة استفزازية للغاية عكست التعصب الديني المسيحي. وعلى سبيل المثال طرحت المجلة سؤالا يقول: كيف يكون الألبان المسلمون أغلبية في كوسوفو ويتعلمون وفق مناهج ولغة صربية؟! فكانت اجابة بابوفيتش: ليس من حقهم ان يتعلموا وفق مناهجهم ولغتهم الخاصة والدولة ليست ملزمة بالموافقة على ذلك. وكان رد فعل الألبان مناسبا ازاء هذا التعصب فقد قاموا بإنشاء جامعة بريشتينا ــ كما يقول رئيسها زنال كلماندي: في عام 1970 واستمر العمل بها في ظل ظروف القهر والاضطهاد الصربي حتى تم رفع الحكم الذاتي من جانب السلطات الصربية التي لم تكتف بذلك بل ألغت عمل الجامعة, وطردت جميع الكوادر العلمية العاملة فيها. واستخدمت السلطات أبشع طرائق القوة المسلحة التي طالت حتى العمال والموظفين, بل حتى المرضى الذين كانوا يعالجون في مستشفى كلية الطب بالجامعة طردوا من المستشفى, وقضوا على كل شيء يتنفس بالألبانية أو له صلة بها, وبذلك جُرد الألبان المسلمون من كل شيء له علاقة بالتعليم, وبعد ان كنا محتلين جزئيا قبل الغاء الحكم الذاتي ــ كما يقول زنال ــ أصبحنا الآن محتلين احتلالا كاملا. فأصيبت الحياة بالشلل التام, وقررت القيادات التعليمية ايجاد البديل, وتم الانفاق على ضرورة استمرار العمل في الجامعة رغم اغتصابها, وتقرر انشاء جامعة بريشتينا الألبانية. وان يستكمل حوالي 40 ألف طالب في مراحل ما قبل الجامعة دراستهم, ولكن الظروف الصحية للطلبة الألبان بشكل عام تدهورت حتى لم تعد لدينا قدرة مالية على تطعيم التلاميذ وحماية عقولهم وقوة تحصيلهم نتيجة الأمراض الخطيرة. فالسلطات الصربية, التي انتزعت السلطة بالقوة, لا تتحمل مسؤولياتها ــ وفق القواعد الدولية ــ في هذه الناحية. وفي كتابه (كوسوفو ــ كوسوفو) الذي صدر عام 1998 يقول الدكتور محمد الأرناؤوط ان اتفاقية تطبيع التعليم التي وقعت بين الطرفين المتصارعين على نمط أوسلو الفلسطينية ــ الاسرائيلية التي جرى التحضير لها بسرية كبيرة وجاء الاعلان عنها مفاجأة كبيرة, ثم التحضير كذلك ثم الاعلان في الثاني من سبتمبر 1996 عن اتفاقية ألبانية ــ صربية حملت توقيع رئيس جمهورية صربيا (آنذاك) سلوبودان ميلوسيفيتش ورئيس جمهورية كوسوفو ــ كوسوفو, المعلنة من طرف واحد منذ 1990, د. إبراهيم روجوفا. وعلى حين حملت اتفاقية أوسلو الفلسطينية ــ الاسرائيلية عنوان (أريحا أولا) كذلك جاءت اتفاقية (أوسلو) الألبانية ــ الصربية بعنوان مشابه (التعليم أولا) , اذ كانت تعتبر أيضا خطوة أولى في اتجاه الحل الشامل للمشاكل المعلقة بين الطرفين. وعلى نمط أوسلو الفلسطينية ــ الاسرائيلية فقد هوت المفاجأة بالأطراف المعنية, وخاصة الطرفين الألباني والصربي, وأدت الى انقسام عميق بين مؤيد ومعارض, وأثارت التفاؤل ــ لدى المؤيدين على الأقل ــ بحل تدريجي للمشاكل المتراكمة وامتصاص متواصل للعداء بين الطرفين يؤدي إلى الحل الدائم, إلا أن هذا التفاؤل ـ لدى المؤيدين ــ اخذ يفتر بالتدريج مع عدم تطبيق الاتفاقية ويتحول إلى احباط متسارع مع مرور الاسابيع والشهور حتى ان الذكرى السنوية الاولى لتوقيع الاتفاقية (2 سبتمبر 1997) تزامنت مع تفجر الاحباط المتراكم باتجاه العنف والعمل المسلح. والان, بعد تفجر العنف في كوسوفو والتدويل السريع لمشكلة هذا الاقليم, ورد ذكر هذه الاتفاقية في اكثر من سياق ـ التنفيذ الفوري لها, توسيعها لتشمل المجالات الاخرى ــ الا ان الانطباع العام هو ان الاحداث الاخيرة قد تجاوزت هذه الاتفاقية واصبحت تضغط على اتجاه (صفقة شاملة) بين الطرفين. وفي الحقيقة ان نص الاتفاقية ينطلق من المصاعب التي يمر فيها النظام التعليمي في كوسوفو من الابتدائي إلى الجامعي ليصل بعد ذلك إلى ان الغاية من هذه الاتفاقية تطبيع النظام التعليمي للاطفال والشباب في كوسوفو, ولذلك فهي تترقب عودة الطلاب والاساتذة إلى المدارس, ويركز نص الاتفاقية بعد ذلك على ان الدافع لها اعتبارات انسانية, ولذلك فهي فوق كل نقاش سياسي, وبعد شكر الاطراف التي ساهمت في التوصل إليها تنتهي الاتفاقية إلى تحديد آلية لمتابعة تطبيقها وتشكيل لجان مختلطة. ويبدو أن كل طرف كان يهدف إلى شيء, ولذلك جاءت هذه الاتفاقية مختزلة وتحتمل اكثر من تفسير, مما اثار الاختلافات منذ اليوم الأول لنشرها, فقد اشارت الاتفاقية في مقدمتها إلى المشاكل التي يمر فيها النظام التعليمي من الابتدائي إلى الجامعي, ولكن نصت بشكل واضح على عودة الطلاب والاساتذة إلى المدارس, ولذلك فقد سعى الطرف الالباني منذ اليوم الاول للاطمئنان إلى ان العودة إلى المدارس تشمل الجامعة ايضا, ومن ناحية اخرى فهم الألبان أ العودة إلى الجامعة تعني استعادة المرافق الجامعية المساعدة (المكتبات, الملاعب .. الخ) وهكذا دخلت اللجان المختلطة, التي اوكلت اليها متابعة تطبيق الاتفاقية في دوامة لا نهاية لها. التعليم قبل الجامعة (التعليم الاسلامي) في كوسوفو: رصدت مجلة المعرفة نمواً مطردا يشهده التعليم الاسلامي قبل الجامعي رغم قلة الإمكانات, ويشرف على هذا التعليم في بريشتينا المشيخة الاسلامية برئاسة الدكتور رجب بويا وفروعها في مختلف كوسوفو. ويسير هذا التعليم في اتجاهين: الاول هو التعليم الثانوي والثاني كلية الدراسات الاسلامية في بريشتينا ويتمثل الاول في مدرسة (علاء الدين) التي بدأت الدراسة بها في سبتمبر عام ,1962 وتخرج منها حتى الان 1100 طالب, وتابع كثير منهم الدراسة في الجامعات بالمملكة العربية السعودية ومصر والبوسنة والاردن والسودان وليبيا. ويجري تدريس 25 مادة خلال سنوات الدراسة الاربع وهي: القرآن الكريم, والحديث النبوي الشريف, التفسير, العقيدة, الفقه, الاخلاق, اصول الفقه, التاريخ الاسلامي, اللغة العربية, اللغة الالبانية, اللغة التركية, اللغة الانجليزية, التاريخ, الجغرافيا, الاحياء, طرق التدريس, علم النفس, الدفاع المدني, الكمبيوتر, الرياضة البدنية, الحساب, الكيمياء, والفيزياء. ما واجبات العالم العربي والاسلامي ازاء ما يحدث في كوسوفو؟ ان الادانات والشجب والاستنكار هي الاسلحة التي اشهرها العالم الاسلامي حتى الان ازاء ازمة كوسوفو, مع قليل من مواد الاغاثة اليسيرة, ولكن المشكلة اكبر من ذلك, ففي امكان العالم العربي والاسلامي ان يتخذ خطوات مثل: 1ــ التأييد السياسي لمطالب كوسوفو الشرعية, والتهديد بوقف المعاملات الاقتصادية مع صربيا, فللأسف الشديد لاتزال علاقات العالم الاسلامي مع صربيا طبيعية على مختلف المستويات ولم يفكر احد في ربط هذه العلاقات بقضية حقوق كوسوفو, مثلما يفعل الغرب عند توقيع اي اتفاقية مع الدول العربية والاسلامية. 2ــ والدول العربية والاسلامية مطالبة بأن تتعرف على حقيقة وضع كوسوفو ومشكلاتها من اهل كوسوفو انفسهم وليس من جانب اعدائهم, فلماذا لا توجه دعوات رسمية للمسؤولين السياسيين في كوسوفو لزيارة الدول الاسلامية لكي يتعرف العالم الاسلامي على حقيقة ما يجري هناك. 3ــ تقديم المساعدات الانسانية لكوسوفو والضغط على صربيا من اجل السماح بمرور المساعدات الانسانية إلى داخل الاقليم فان منع هذه المساعدات وسيلة خطيرة لتفريغ الاقليم من سكانه في اطار خطة التطهير العرقي التي تقوم بها صربيا على غرار ما تفعل اسرائيل في المناطق العربية المحتلة لاجبار المواطنين الاصليين على الهرب وترك البلاد. 4ــ ان على العالم الغربي ان يتخذ موقفا اكثر قوة من خلال الضغط الحقيقي على صربيا لكي تسمح لنا بالحصول على حقنا في تقرير المصير وفقا لنصوص القانون الدولي, وذلك لا يعني تغيير اي حدود فالحدود بين كوسوفو وجيرانها معروفة للجميع. 5ــ ان دول العالم الاسلامي تتعرض لتدخلات دولية ليس لها ما يبررها وبخاصة الحصار الدولي المفروض على عدد من الدول العربية, مما يتطلب وقفة موحدة من جانب الدول والشعوب الاسلامية من خلال منظمة المؤتمر الاسلامي. 6ــ ويجب أن يكون للمنظمة دور أكثر قوة كما كان عليه الامر من قبل, بخاصة في ازمة البوسنة, حيث كان صوت منظمة المؤتمر الاسلامي خافتا للغاية, وهناك العديد من الوسائل التي يمكن من خلالها ان تعبر الدول الاسلامية عن رد فعلها على ما يجري في كوسوفو, ومنها استدعاء ممثلي الدول الاسلامية من بلجراد, وتخفيض مستوى بعثاتها الدبلوماسية, كما يمكن استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية ضد دولة صربيا. وختاما نتساءل: أتضيق قارة كبيرة كأوروبا بقبيلة صغيرة لا تتجاوز مليونين هم الألبان من سكان كوسوفو؟ ثم تتحدث اوروبا عن الحرية وحقوق الانسان؟! * عميد كلية التربية ـ سوهاج ـ مصر