عندما شعر الامريكان في بداية تكوين دولتهم أنهم بحاجة للحرية لكي يبنوا دولة قوية ويفجروا طاقاتهم ويصبحوا الأمة الأعظم, اخترعوا الدستور فكان الضمانة الأولى والاخيرة ولا يزال أمام الطغيان والتسلط والظلم, وتجاوزات البعض تحت عباءة النفوذ والانتماء والإسم الكبير . وكذلك عندما احتاجت أوروبا للأمن والاستقرار والهدوء بعيداً عن شبح الحروب والتفتت وجنون الديكتاتوريين والعسكريين اخترعت الوحدة فكانت الوحدة الألمانية بزعامة بسمارك والايطالية بزعامة كافور ومازيني ثم كان الاتحاد الاوروبي وتوحيد العملة وأنظمة التجارة والتنقل و...الخ الاتحاد السوفييتي عندما تشهى العدالة والحرية بعيداً عن سيطرة القياصرة و(آل رومانوف) بنى حول نفسه ستاراً من الحديد والطغيان وأسال الدماء وأسس اكبر سجون العالم! ولذلك تحطم الاتحاد بعد سبعين عاماً واستبدل الروس ديكتاتورية آل رومانوف بسيطرة يلتسين وجماعته, وقياصرة الماضي بنفوذ المافيا الضاربة في نخاع روسيا حتى آخر العظم. تركيا ارادت ان تغرد بعيداً عن سرب العالم الاسلامي حين اقنعوها بأن خلاصها لن يكون الا في ظلال المنظومة الغربية فتبرأت من انتمائها وأعلنت العلمانية, وبدل ان تستعير من مثلها الأعلى ديمقراطية الحكم. سقطت في قبضة الجيش والعسكر وفقدت توازنها واصبح سكانها مجرد ماسحي احذية وزجاج وبائعي لحوم في شوارع أوروبا.... أما العرب فقد احتاجوا الكثير, الوحدة والقوة الاقتصادية والتحرر السياسي والعلم والديمقراطية و...الخ, فماذا اخترعوا لتلبية احتياجاتهم هذه؟ للأسف لم يخترعوا سوى المزيد من الانظمة الديكتاتورية والكثير من نظريات عبادة الشخص الفرد الذي يتحكم في كل شيء ويخطط لكل شيء ويقرر كل شيء ويتعامل معه الناس كما تعاملوا قديماً مع الامبراطور العاري الذي وقف هكذا يطلب من الجماهير ان تمتدح ثيابه (النادرة) وفعلت الجماهير ما يريده لانهم لا يستطيعون ان يصرخوا: انك عار في الحقيقة يا مولاي! الحاجة ام الاختراع, فلماذا لم نخترع الاتحاد ونحن الاحوج له ولم نخترع القوة و...., السبب بسيط جدا وقد شرحه أحد المفكرين عندما قال:(اذا كانت الحاجة ام الاختراع فالحرية هي الأب غير الموجود) ولذلك فالولادة لن تتم ما لم تترافق الحرية مع تطلعاتنا واحتياجاتنا, وسنظل نراوح في مكاننا نقتل أنفسنا, وتتحكم في أعمالنا وظروفنا ونجاحاتنا العوامل الفردية والشخصية والأنانيات الضيقة القاتلة لكل نجاح والداعمة لكل فشل. للأسف على مستوى الأفراد والمجموعات والدول نحن نسقط أمام امراضنا النفسية ونظراتنا الضيقة لمصالحنا, ويمسك كل منا (بأجندته) الخاصة التي يعمل على تحقيقها حتى وان داس على الجميع!! نحن لم نتعلم بعد كيف نميز بين طموحاتنا ونجاحاتنا المشروعة, وبين احقادنا وغيرتنا وتصميمنا على اغتيال نجاحات الآخرين. فقط لاننا لم نتعود كيف نحيا بحرية وكيف نفكر بعيداً عن ذواتنا!!