تعددت الاطراف المباشرة في الحرب الأهلية بالسودان, باتساع نطاق الحرب وامتدادها من الجنوب لمناطق أخرى, حيث بدأت تتشكل تحالفات وتحالفات مضادة, وانعكس هذا على المسارات المتصورة للحل, وذلل على النحو التالي : تأسيس (التجمع الوطني الديمقراطي) ليضم تحالف قوى المعارضة للحكومة القائمة وذلك في إطار تنظيمي واحد, وهو ما حدث في مؤتمر أسمرة في ديسمبر ,1994 برئاسة محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي, ويضم بالإضافة للحزب الاتحادي الديمقراطي كلا من حزب الأمة, والحركة الشعبية لتحرير السودان (وهي التنظيم القوي في الجنوب برئاسة جون جارانج) وفصيل (قوات التحالف السودانية) , و(اتحاد الأحزاب الجنوبية) , والحزب الشيوعي السوداني وتنظيم (جبهة البجا) , والتجمع النقابي, فضلا عن ممثلين للقيادة الشرعية للجيش السوداني, وقد تطور العمل بين فصائل التجمع منذ ذلك الوقت, واتفقوا في مؤتمر القضايا المصيرية الذي عقد في أسمرة في يونيو 1995 على صيغة موحدة للحركة من أجل اسقاط نظام الحكم القائم في الخرطوم, هذه الصيغة تقوم على دمج العمل السياسي والعسكري معاً لقوى المعارضة في الشمال والجنوب, واقرار حق تقرير المصير للجنوب, واستطلاع رأي المناطق الأخرى المرشحة لذلك مثل جبال النوبة وجبال الأنقسنا وغيرها, على أن يكون ذلك بعد فترة انتقالية وتكون الخيارات المتاحة بين الوحدة (كونفدرالية أو فيدرالية) وبين الاستقلال مع إعطاء أولوية للحلول الوحدوية, هذا اضافة لأقرار مبدأ التسامح بين الأديان واحترام المعتقدات وألا يؤسس حزب على أساس ديني, كما تجدر الاشارة الى أن التجمع قد أكد في يناير (1996) على تفضيله خيار (الوحدة القائمة على الطوع والاختيار) , وفي 28 سبتمبر 1998 أصدر التجمع مشروعاً لدستور الفترة الانتقالية, ركز فيه على دولة موحدة ونظام حكم برلماني تعددي لا مركزي, وكفالة الدولة لحق تقرير المصير للجنوب, بحدوده التي كانت قائمة منذ يناير ,1956 واستطلاع اراء أهالى اقليم جنوب كردفان, واجراء استفتاء في جبال النوبة وجبال الانقسنا حول المستقبل السياسي والاداري لهذه الاقاليم. وفي المقابل, وفي ظل حرب أهلية مستمرة في الجنوب, يتسع نطاقها ليشمل مناطق سودانية أخرى, طرحت الحكومة السودانية عدة مبادرات (,1991 1995) تقوم على الأخذ بالفيدرالية (الإتحادية) كشكل للدولة, مع تقسيم الجنوب الى عشر ولايات (وهو التقسيم الذي لا يرضى عنه الجنوبيون), وفي 21/4/,1997 وتحت وطأة المعارك, وفي محاولة من الحكومة لتفكيك تكتل المعارضة واستقطاب بعض فصائل المقاومة المسلحة في الجنوب, وقعت الحكومة اتفاقية مع ستة من هذه الفصائل تكوين ما عرف باسم (الجهة الديمقراطية المتحدة للإنقاذ) , وتضم حركة استقلال جنوب السودان, والحركة الشعبية لتحرير السودان (كارينوبول) وقوة دفاع الاستوائية ومجموعة بور ومجموعة جنوب السودان المستقلة, واتحاد الاحزاب الافريقية الاستوائية, هذه الاتفاقية التي عرفت باسم (اتفاقية السلام من الداخل) أقرت فيها الحكومة منح الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها أربع سنوات, ليختار الجنوبيون معايير الوحدة أو الانفصال, والملاحظ أن الفصائل التي وقعت على هذه الاتفاقية لا تضم أقوى الفصائل (حركة جون جارنج) حيث أنها تعتمد على أسس قبلية معينة كالنوير والشلك أما حركة جون جارنج والجيش الشعبي التابع لها, فقد ظلت خارج اطار هذه الاتفاقيات, رغم محاولات الحكومة للوصول معه لحل سلمي, وبوساطات مختلفة قام بها الرئيس الكيني اراب موي, والرئيس نلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا وغيرهما. وفي 28 مارس ,1998 صدر دستور السودان بعد موافقة البرلمان (المجلس الوطني), حيث انطوى على قيام دولة اتحادية وعلى تقسيم السودان الى 26 ولاية, ونظام انتقالي للجنوب يتكون فيه نظام اتحادي واطار تنسيقي بين الولايات الجنوبية, يفضى الى ممارسة حق تقرير المصير, ولم يتطرق الدستور الى تحديد زمني للفترة الانتقالية الخاصة بالجنوب, الأمر الذي يلفت الانتباه الى أن الفترة الانتقالية قد تكون مفتوحة, اذ ان الحكومة قد لا ترغب في وضع التزامات دستورية عليها بهذا الصدد, خاصة من طرف واحد. وواضح من سياق تطور المواجهة العسكرية وما يصاحبها من مبادرات سياسية معلنة من قبل الحكومة أو المعارضة (عسكرية وسياسية) بشأن مستقبل الجنوب السوداني, أن الحكومة السودانية تحاول الاستفادة من عنصر الوقت لتفتيت تحالف المعارضة وجرها جزئيا أو كليا نحو حل سياسي يكفل بقاءها في السلطة كقوة مهيمنة على إدارة شؤون الصراع, حتى لو كان الثمن منح الجنوب الحق في تقرير المصير الذي قد يفضى للإنفصال إذا ما ساءت التوقعات, أما المعارضة, وخاصة حركة جون جارنج, فتتمسك بحق تقرير المصير كاختيار مفتوح.. ورغم تفضيل الاختيارات الوحدوية, فإن المعارضة الجنوبية لن تترد في اختيار الانفصال إذا لم يتغير شكل الدولة ونظام الحكم بالكيفية التي تضمن للجنوبيين حكما ذاتيا مستقلا ومشاركة مناسبة في السلطة والثروة وضمانات للمساواة القانونية بين الأديان والجاليات في كل أنحاء السودان, وهو وضع لاتثق المعارضة في أن الحكومة الحالية ستقبل به. مواقف دول الجوار الاقليمي: التزمت مصر بمبدأ عدم التدخل أو التورط عسكريا في الحرب الأهلية في جنوب السودان, على اعتبار أنها مشكلة داخلية, وأن أطرافها هم سودانيون, لكن من ناحية أخرى تبنت مصر موقفا يدعو لضرورة حل المشكلة عن طريق التسوية السلمية وتجنب المواجهات العسكرية بين الطرفين. وفي نفس الوقت ظلت مصر محتفظة بعلاقاتها العادية مع أطراف المعارضة السودانية من جهة ومع الحكومة السودانية من جهة أخرى, وأكدت على ان الديمقراطية ووحدة السودان مسألتان رئيسيتان في أي تسوية بين النظام والمعارضة, وقد أشار الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس مبارك للشؤون السياسية, أن مصر لن تقبل مجرد طرح فكرة التقسيم بالنسبة للسودان أو العبث بوحدته, واستطرد قائلا (ان جميع قوى المعارضة لنظام الحكم في السودان قد اتفقت على ذلك, وأنهم نبذوا فكرة قيام دولة في جنوب السودان ومن بينهم جون جارنج نفسه) , وأضاف (ان أي عبث بوحدة السودان يؤثر استراتيجيا على مصر والمنطقة العربية, ومازالت هذه الأسس هي الحاكمة للموقف المصري من مشكلة الجنوب في السودان. أما فيما يتعلق بالموقف الاثيوبي من مشكلة الحرب الأهلية في جنوب السودان, فقد تردد بين دعم الجنوبيين أحيانا والاحجام عن ذلك أحيانا أخرى وفقا ــ كما ترى اثيوبيا ــ للدور السوداني في دعم عناصر المعارضة ضد الحكومة الاثيوبية, فبعد تولى نظام الحكم الجديد في اثيوبيا 1991 أغلقت اثيوبيا مكاتب الحركة الشعبية (لجون جارنج), لكنها استأنفت الدعم مرة أخرى بعد استئناف السودان دعم عناصر المعارضة الاثيوبية بما فيها (جبهة تحرير الأورومو) و(الاتحاد الاسلامي) و(الحركة الديمقراطية الاثيوبية الموحدة) هذا فضلا عما نسب للسودان من تورط في حادث الاعتداء على رئيس جمهورية مصر العربية من أديس أبابا عام ,1995 غير أن الموقف الاثيوبي قد تراجع عن هذا الاتجاه بعد نشوب الحرب الحدودية التي لاتزال قائمة بين اثيوبيا واريتريا منذ مايو 1998. وعلى نحو مشابه تقريبا, كان موقف الحكومة الاريترية, حيث اتهمت اريتريا السودان بدعم عناصر حركة الجهاد الاسلامي الاريتري في مواجهة الحكومة, الأمر الذي انتهى باريتريا لدعم وايواء حركة المعارضة السودانية (التجمع الوطني الديمقراطي) وتقديم الدعم العسكري لها وفي هذا السياق تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 6/12/,1994 وسلمت اريتريا مقر سفارة السودان بأسره للمعارضة السودانية, غير أن هذا الموقف الاريتري قد خفت حدته في العام المنصرم بعد أن وقعت كلا من اريتريا والسودان على مذكرة تفاهم وعدم اعتداء بعد نشوب الحرب بين اريتريا واثيوبيا, والتي مازالت تدور رحاها حتى الان. كما توترت العلاقات بين السودان وأوغندا أيضا بسبب تطورات الحرب الأهلية في الجنوب السوداني, حيث اتهمت أوغندا السودان بدعم حركات التمرد في شمال البلاد ضد حكومة الرئيس موسيفيني (حركة جيش المقاومة الربانية بزعامة جوزيف كوني وهي حركة مسيحية أصولية, وأيضا حركة جمعة إدريس وهو وزير دفاع سابق), وفي مقابل ذلك قامت اوغندا بدعم مقاتلي الجيش الشعبي في جنوب السودان وقد تم اجراء عدد من المحاولات لتسوية الأوضاع فيما بين البلدين, منها المحاولة الايرانية في سبتمبر ,1996 حيث تم التوصل لاتفاق, يتم بمقتضاه وقف التصعيد والحد من نشاط المعارضة وتكوين فريق مراقبة من البلدين وقيام ايران بمتابعة تطبيق الاتفاق, الذي لم يحترم في كثير من الأحيان. وهكذا, تتواصل الحرب الأهلية في جنوب السودان دون أن تجد نهاية معلومة, ويظل مستقبل السودان والجنوب في ظل ممارسات الأطراف الحالية ــ أكثر غموضا مما كان عليه الحال قبل عام 1989. استاذ العلوم السياسية المساعد- معهد الدراسات الافريقية جامعة القاهرة