عن الإسلام قال الرئيس كلينتون: (ان امريكا ترفض القول بحتمية الصدام بين(حضارتينا..) ورغم ذلك قال الامين العام السابق لحلف الناتو: (ان التحدي الاسلامي هو افدح الاخطار التي تهدد الغرب ..! في مايو عام 1997, اصدر مجلس الامن القومي في الولايات المتحدة الامريكية تقريرا سريا وخطيرا تحت العنوان التالي: (استراتيجية للامن القومي في قرن مقبل) ومن البديهي ان الاستراتيجية تتعلق بأمن الولايات المتحدة من نواحيه المختلفة ــ العسكرية, والاقتصادية بالذات, وانه يتصل بركائز وتحديات ومحاور هذا الامن مع حلول سنوات القرن الوشيك القادم. على ان هناك من المحللين السياسيين الثقات من لاحظ بداية ان هذا التقرير الامريكي قد تجنب, عن عمد, التعرض لافكار وقضايا الممارسة الديمقراطية لدى الحديث عن منطقة بعينها من مناطق العالم. والمنطقة, على بلاطه, هي الشرق الاوسط حيث لوحظ ان واضعى سياسة الامن القومي من (الاصدقاء) الامريكان قد تحاشوا الاقتران بين أحوال المنطقة وبين الحديث عن الديمقراطية او حقوق الانسان فيما اسهبوا الحديث عن تلك القضايا الديمقراطية وعن الحريات الاساسية لدى تعرضهم لمناطق اخرى من العالم, ومنها جنوب شرقي اسيا على سبيل المثال. بين الديمقراطية ــ والاستقرار في هذا السياق على وجه التحديد يقول البروفيسور (اوجسطوس ريتشارد نورتون) , استاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطون حول التقرير الذي المحنا اليه: ـ ان التقرير المذكور يحرص على ان يؤكد مصالح امريكا في منطقة الشرق الاوسط, ومع ذلك فهو لايرى ان (تعزيز الديمقراطية هدف من الاهداف المتوخى تحقيقها او التأكيد عليها في تلك المنطقة بل هو يضع بدلا منها هدفا آخر (تحرص عليه واشنطن حدبا وتوخيا وهو (استتباب السلم وتحقيق الاستقرار) . في السياق نفسه, تلاحظ مجلة (كارنت هستوري) الشهرية المعنية بالشؤون السياسية الدولية (عدد فبراير 1999) كيف ان الناطقين باسم البيت الابيض تلقوا تعليمات اثناء اندلاع حرب الخليج الثانية في مقتبل التسعينات بالا يقرنوا في تصريحاتهم بين الحديث عن (الديمقراطية وبين الاشارات والاحالات التي يعرضون اليها لدى تطرقهم الى اوضاع العالم العربي. ولانه لايعرف الشوق الا من يكابده. ولان الذي يده في الماء البارد ليس كمن كانت يده في النار ــ فان المحللين والاكاديميين الامريكيين ومن لف لفهم على مستوى الدرس والتحليل السياسي ــ قد يكتفون برصد الظاهرة او قد يدورون من حولها دون ان يتوغلوا بمشرط التحليل بين احشائها وتلافيفها, من هنا يأتي دورنا نحن القابضين على نار المعاناة في الشرق الاوسط لنقول لهم, او لنكمل تحليلهم, بان المشكلة انما تكمن في الكيان الصهيوني الاستعماري الذي تجسده اسرائيل في قلب المنطقة, ومشكلتنا مع اسرائيل, وربما مشكلة اسرائيل مع نفسها هي انها ليست كيانا مكتفيا بذاته او متفاعلا مع ما حوله بقدر ما ان قوانين وجودها.. او ايجادها على الاصح وآليات حركتها واحيانا تحريكها, اشبه بقوانين تنامي الخلايا السرطانية في البدن الممروض.. اسرائيل ــ كما هو بديهي ــ ليست بلدا تسكنه امة في التاريخ.. بل هي مشروع اقيم خارج سياق التاريخ او غصبا عن منطق التاريخ. وكم يظل الفرق شاسعا بين البلد ــ الامة, وبين الكيان ــ المشروع.. الاول يتنامى لكي يؤدي رسالة وينهض بمهمة ازاء العصر والحضارة في حين ان جدليات المشروع تدفعه حتما الى التماس التوسع والتضخم والاستزاده.. ولو على حساب الاخرين.. فالمشروع مطروح في سوق تنافس شرس ومحتدم ومحكوم بقوانين السوق فيما تظل الامم والاقطار محكومة بقوانين التنافس الحضاري وهو تنافس ايجابي وبناء في التحليل الاخير. كيف تكون الترجمة في ضوء هذه الرؤية يمكن ترجمة العبارات التي تطرق اليها التقرير الذي اشرنا اليه على النحو التالي: ــ ان الاستقرار لايساوي, منطقا امن الشرق الاوسط وسكينة شعوبه وانصراف سكانه ــ في ظل الاستقرار المنشود, الى وضع وتنفيذ خطط التنمية الشاملة من اجل رفاهية سكانه ــ الاستقرار في هذا المفهوم الامريكي هو ــ كما نحسبه ــ تكريس الستاتيكو بمعنى تثبيت الاوضاع الراهنة او تجميد الاحوال الحاضرة وهي اوضاع واحوال مواتية في اللحظة الراهنة لتفوق المشروع الاستيطاني الصهيوني من حيث الاستحواذ على اراض تخص شعوبا عربية ومن حيث التميز التكنولوجي الذي يستمد جذوره من رابطة الحبل السري (السين المضمومة) بالمصالح الامبريالية الغربية ــ والامريكية على وجه الخصوص, فضلا عن التفوق العسكري الذي يمثل قوة ردع ــ لصالح اسرائيل فيما يكاد يمثل بوليصة تأمين لضمان الاستقرار المنشود. سلام التطبيع وفي ظل هذا المفهوم ايضا يمكن ان نفسر او نترجم ما يذهب اليه التقرير الامريكي وما في حكمه من ادبيات سياسية حين تتطرق هذه الادبيات الى الحديث عن السلام ــ المقرون بالاستقرار ــ في منطقة الشرق الاوسط. انه ـ في عبارة موجزة ــ ليس سلام العدل بل هو سلام التطبيع الذي يكرس مخطط وحلم شيمون بيريس في شرق اوسط جديد.. ترتفع فوق روابيه رايات التكنولوجيا التي تكفلها اسرائيل وهي كيان غربي ــ هيلينى في الاساس ــ فيما تكفل الاطراف العربية ما يسعها من موارد مادية في مقدمتها النفط بطبيعة الحال.. وفي مقدمتها ايضا البروليتاريا العاملة ان اجزنا هذا المصطلح. وفي ظل هذا المفهوم للاستقرار والسلام طبقا لرؤية بيريس وحوارييه واحيانا طبقا لما باتت تراه قوى او عناصر عربية تردد عبريات بيريس ولكن بحروف عربية تحت شعارات شتى ما بين العولمة او ان التكنولوجيا لا وطن لها, ناهيك عن شعارات او هي افتراءات نبعت بين صفوفنا للاسف الشديد في الاونة الاخيرة ومنها ما يصل الى حد انكار الوجود القومي لامة عربية ومنها ما يحاول المزج التعسفي ــ علميا وموضوعيا ــ بين احباطات الامة وبين حقيقة وجودها ويقرأ التاريخ العربي على انه سلسلة من الفشل والعقم او الضياع. الشرق الاوسط محور ورغم ان الشرق الاوسط يسكنه نحو25 في المائة ولايزيد من سكان العالم الاسلامي, فان السياسات الامريكية تركز كثيرا على المنطقة اذ تراها محورا اساسيا من محاور حركتها ومواقفها تجاه العالم الاسلامي (تأمل مثلا نظرة واشنطن الى ما يجرى في اندونيسيا فرغم ان هذا البلد الاسيوي الكبير يحوي 185 مليون مسلم بالتمام والكمال, الا ان واشنطن تطل على مشاكله وازماته من منظور العلاقة بين امريكا وكيانات جنوب شرقي اسيا بمعنى ان ازمات اندونيسيا لايتم تفسيرها كما قد نتصور من منظور ازمات عالم الاسلام.. بل من منظور مشاكل الجنوب الآسيوي والشرق الأقصى. ليس صدفة ـ كما يلاحظ الاستاذ نورتون الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث ان واشنطن تتبع في هذا الصدد ما يمكن ان يوصف بأنه المعيار المزدوج أو السياسة ذات الوجهين: في الشرق الأوسط ترفع شعار الاستقرار والسلام وفي جنوب شرقي آسيا ومن ثم في شبه القارة الصينية ترفع شعارات الديمقراطية والمطالبة بتطبيق حقوق الانسان وأيا كان نصيب هذه المطالبة من المصداقية أو الاخلاص, فقد تم اتباعها لدى احتدام أزمة اندونيسيا في غمار الاطاحة بالديكتاتور السابق سوهارتو ثم عمدوا إلى رفع شعاراتها غداة اندلاع الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى تدهور أسعار الصرف وتدنى قيمة العملات وافلاس كثير من المصالح الاقتصادية في دول النمو في جنوب شرقي اسيا التي تحولت إلى طلب المعونات المالية الداعمة من صندوق النقد الدولي. ومن عجب ان يطلق المحللون الأمريكيون وصف النمور على تلك الاقتصادات الآسيوية التي ظلوا يصفقون لانجازاتها ويهللون للنموذج الاقتصادي الذي قالوا انها تجسده, ولكن حين وقع فاس التدهور في رأس تلك الاقتصادات (النمورية) قلبت واشنطن ظهر المجن ــ كما يقولون ـ للأخوة (النمور) بل وبعثت إليها بنائب رئيسها السيد آل جور الذي وقف يخطب في كوالالمبور في نوفمبر 1998 ليقدم موعظة تقرن بين الاصلاح الديمقراطي واقرار حقوق الانسان وبين محاولات الخروج من الأزمة الاقتصادية التي انشبت أظافرها في كيانات تلك الدول في جنوب شرقي آسيا. ترى, من يحاول تذكير واشنطن بان النمو الاقتصادي والتنمية البشرية الشاملة لدول وشعوب غربي آسيا بدورها وهي شعوب الشرق الأوسط يمكن بدورها ان تقترن بالتحول الديمقراطي وباقرار حقوق الانسان واحترام حرياته الاساسية؟ دع عنك التذكير بأن أول من يجب ان يأخذ بالديمقراطية واقرار حقوق الانسان وضان حرياته ا لأساسية هو بالدرجة الأولى اسرائيل التي خلعوا عليها يوما وصف (واحة الديمقراطية) في الشرق الأوسط وان ألف باء الديمقراطية هو احترام الأقلية رأي الأغلبية بمعنى ان تحترم اسرائيل وحُماتها القرارات الصادرة عن الاجماع أو عن توافق الآراء الدولي في الأمم المتحدة ابتداء من قرار تقسيم 1947 وقرار تأثيم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة الصادرة في عام 1967, وليس انتهاء بقرارات مطالبة اسرائيل بالجلاء عن جنوب لبنان وعدم المساس بالطابع التاريخي الجغرافي والديمغرافي لمدينة القدس وقل الشيء نفسه عن حقوق الانسان الفلسطيني وحرياته الأساسية التي تضيع مع مطلع كل صباح سواء تحت أختام الشمع الأحمر التي توصد أبواب المؤسسات الفلسطينية الشرعية في القدس الشرقية, أو تحت أنقاض البيوت الفلسطينية المهدومة على مرأى ومسمع من أصحابها بموجب أوامر ادارية من الغاصب الاسرائيلي المحتل لمناطق الضفة الغربية وغيرها. واشنطن وسياستها الاسلامية ثم فتش أيضا عن العنصر الإسلامي في تلك السياسات الأمريكية هذا العنصر ظل كامنا في ثنايا تلك السياسات التي أصطنعتها واشنطن في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, وفيما كان يظهر ويتبدى عند هذا المنعطف إذ في تلك الحقبة من تاريخ نصف القرن في دعوات من قبيل الحلف الإسلامي مثلا إلا انه أصبح محورا بارزا وأساسيا بعد قيام الثورة الايرانية ابتداء من الشعار الذي طرحه أيامها الدكتور (زبجنيو بريجنسكي) حول حلال الأزمات الاسلامي, وليست انتهاء بمقولة الصدام بين الإسلام والغرب التي ذهبت إليها البروفيسور (صمويل هنتنجتون) من جامعة هارفارد في اطار نظريته حول (صدام الحضارات) والحق ان المرء يحار في فهم التناقض الذي تعكسه تصريحات كبار المسؤولين في عالم الغرب الأورو ـ أمريكي في هذا الصدد على وجه الخصوص: ما بين الذين يعلنون انهم لا يوافقون على ما ذهب إليه بروفيسور هارفارد عن مستقبل الصدام ـ الصراع ـ بين الحضارات, وكما كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون موفقا وايجابيا في خطاب القاه أمام البرلمان الأردني في عام 1994 حين قال بالنص: (هناك من يصرون على ثمة عقبات دينية وغيرها مما لا يمكن تخطيه كيما نصل إلى التوافق والوئام فيما بيننا وهم يتصورون ان الصدام أمر حتمي بين العقائد التي نؤمن بها والحضارات التي ننتمي إليها.. ان أمريكا يواصل الرئيس كلينتون الحديث ترفض القول بحتمية الصدام بين حضارتينا. لكن عند الضفة الأخرى من القضية نجد التناقض ماثلا على خلاف ما يقوله كلينتون: ها هو السيد (ويلي كلايس) وكان وقتها في منصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يقول في منتصف التسعينات ان التحدي الاسلامي هو افدح الأخطار التي تهدد الغرب (أو التحالف الغربي). وكم حرصت مؤسسة الرئاسة الأمريكية الرئيس وعقيلته مثلا في الآونة الأخيرة بالذات على التأكيد على معنى حوار الحضارات بدلا من حتمية التصادم بينها ولكن المشكلة تظل كامنة سواء في الصور النمطية والرؤى المنطبعة والقوالب الجامدة والجاهزة التي ما برح الاعلام الغربي يقدمها لملايين من مشاهديه ومستقبليه حول الاسلام, والمسلم والمسلمين ـ بمعنى العقيدة والفرد والجماعة ــ وتزداد فداحة هذه المشكلة من واقع الربط المغرق والمفرط في التبسيط بين (مسلم) و (ارهابي) هذا مع فرض حسن النية في الاساس واحيانا من واقع الربط النمطي تاريخيا بين حوليات الاسلام فكرا وعقيدة وشريعة وحضارة, وبين مشاهد (الف ليلة وليلة) او صور الشرق ــ الاورينت في الوجدان الاوروبي الموروث وخاصة منذ العصر العثماني ــ التركي الذي اطلت اوروبا عليه ـ جهلا او سوء طوية ــ لا في عصور ازدهاره ومساهماته الحضارية ــ ولكن في عصور المحاق والتدهور في الحقبة الحميدية مثلا وقد استطالت كما هو معروف تاريخيا منذ الثلث الاخير من القرن الماضي الى حيث مفتتح هذا القرن العشرين .. وهي حقبة تركيا ــ رجل اوروبا المريض الذي كانت المخططات تستعد كي تتناوش ممتلكاته وهو على سرير الاحتضار. وعندما وزعت فيما بينها اسلاب تلك التركة وجرى الاجهاز على محتوياتها بالكامل في الحرب العظمى الاولى, تركوا المريض يذوي وتتدهور حالته الى ان كتبت شهادة وفاته مع السنوات الثلاث الاولى من عقد العشرينات .. ذهبت دولة بني عثمان وتحولت ممتلكاتها الباذخة الى اسلاب اوروبية ولكن بقيت منها صور وطيوف ونمطيات وتوالب اساطير حول قصور الخليفة ودسائس الحريم ومؤامرات الحواري في السرايات الباذخة الغامضة المطلة على مياه البوسفور. يقول الواقع الموضوعي ان ثمة ثغرة او هوة تفصل بين امريكا والعالم الاسلامي وهي ثغرة قوامها سوء الفهم والتشكك المتبادل والميراث السلبي المفعم بخطأ التقدير ومرارة التجربة حيث تتردد من هذا الجانب شعارات من قبيل الارهاب فيما تتردد من الجانب الآخر مقولات من قبيل ازدواجية المعايير وتجاهل حقوق الشعوب. على ان هذه الثغرة او هذه الهوة الفاصلة قابلة للتجسير او للردم او الازالة لمصلحة الطرفين ــ امريكا والعالم الاسلامي .. هكذا يؤكد البروفيسور اوجسطوس ريتشارد نورتون في دراسته التي نشرتها مجلة (كارنت هستوري) . متى؟ .. اذا اما اصبحت الولايات المتحدة مستعدة لعدم تجاهل حقوق المسلمين واذا ما اصبحت واشنطن على استعداد لاتباع سياسة مفتوحة العينين وليست سياسة عمياء ازاء الممارسات الخاطئة التي تتبعها اسرائيل. ولقد نضيف الى مقولات الاكاديمي الامريكي شرطا آخر هو ان يزول هذا الربط الاعتسافي بين مطلق (مسلم) ومطلق (ارهابي) وفضلا عن ان الحقيقة الموضوعية بل والواقع الاحصائي يدحضان هذه الفرية الكذوب ( تأمل مثلا الارهاب الصربي المؤسساتي ــ المنظم في البلقان حاليا), فان تحقيق هذا الشرط يتطلب ــ في رأينا ــ جهودا على ضفتي الثغرة الفاصلة, جهودا لابد وان يبذلها الجانبان من جانب امريكا والغرب, ومن جانب عالم الاسلام على السواء. كاتب سياسي من مصر