من بعدما انهار النظام الدولي القديم, اخذت امريكا تتربع على عرش نظام جديد,. اصبح لها فيه الباع الاطول في الربط والحل والحسم . ومن الطبيعي ان يكون لشكل التعامل السياسي معها من جانب باقي الدول, ولاسيما بالنسبة للعرب الذين تمسك هذه الدولة العظمى بالكثير من اوراقهم وتؤثر بشكل فعال في مجمل اوضاعهم, وان كان من غير الصحيح القول بأنها تستطيع تقرير مصيرهم, او انها تملك مقومات مستقبلهم, وبخاصة ان هناك شواهد كثيرة على ان بالامكان مواجهتها حتى من قبل دول صغيرة. وحتى الآن فإن التعامل العربي مع امريكا يتخذ شكلا انفعاليا وكلاميا لا يجدي فتيلا ولا يغير من الامور شيئا. والمطلوب اليوم تبني اسلوب جديد يقوم على العقلانية والحنكة والدراسة العلمية. واذا نظرنا في الافق السياسي العربي, نجد في الساحة ثلاثة اتجاهات اساسية, اولنا يرى في امريكا شيطانا مريدا وعدوا لدودا وخصما ابديا لا يرجى منه خير ولا تجوز مهادنته او مساومته او مفاوضته, بأي شكل من الاشكال. اما ثانيها فيرغب في الانضواء تحت لوائها والسير في ركابها انطلاقا من الاعتقاد بأن تحالفنا معها من شأنه ان يلين مواقفها ويضعف تأييدها المطلق لاسرائيل. وهذان الاتجاهان يستمدان لحمتهما واسسهما الاصلية من الايديولوجيات السياسية العربية القديمة المتداعية المتمثلة بيسار يعادي امريكا بطريقة سلفية صلبة لا تلين لها قناة, ويمين يريد اللحاق بقطارها وربما القبول بالانصياع لاملاءاتها. ولحسن الحظ, ان هذين الاتجاهين غير المجديين اخذا يضعفان, بعد ان خفت حدة اليمين واليسار العربيين, واخذت الايديولوجيتان تتقاربان واحيانا تتحدان في صيغة مشتركة تتناغم مع التغيرات الدولية الجديدة. ولا شك ان كلا الاتجاهين السابقين, بشكلهما القديم المتطرف, لا يمكن ان يتمخضا الا عن الضرر او المذلة. اما الاتجاه الثالث الذي ندعو اليه ونسعى الى بلورته, فانه اتجاه وسطي عقلاني معتدل يستند الى اقامة نوع من العلاقات المرنة والمدروسة مع امريكا تؤدي الى اعادة نظرها في حساباتها, وبالتالي تراجعها عن نهجها السابق, حتى تصبح اقل عداء واكثر ايجابية نحو العرب, وبصورة عامة نستطيع القول بأن جميع السياسات العربية التقليدية السابقة تجاه امريكا لم تفلح في اقناعها بالكف عن تثبيت اقدام الدولة العبرية وتسليحها بشكل مستمر, وغض الطرف عن ترسانتها الحربية الذرية والكيميائية. وكثيرا ما تتسم هذه السياسات بالارتجالية والديماجوجية اللفظية. فلو اننا القينا نظرة على ما ينشر في الدوريات وما يذاع ويبث من بعض اجهزة الاذاعة والتلفاز العربية التي كثيرا ما تعبر عن وجهة النظر الرسمية, لوجدنا ان جزءا كبيرا منها, يدور حول فكرة واحدة تتجلى في اثبات الانحياز الامريكي لاسرائيل. فهل هذا امر يحتاج الى برهان؟! ولماذا اهدار الورق واحراق القرطاس واضاعة الوقت, في سبيل البرهنة على بديهية باتت معروفة حتى عند اطفال المدارس؟ ان الذي يريد ان يثبت بأن امريكا محابية لاسرائيل, هو كمن يحاول ان يبرهن على ان القنابل الذرية تشكل خطرا على مستقبل البشرية, او ان الحروب تؤدي الى الدمار وسفك الدماء وازهاق الارواح. ومن المؤسف ان بعض الكتاب يظنون انهم بقدر ما ينتقدون امريكا ويمطرونها بوابل الشتائم ويصبون عليها جام غضبهم الكلامي, وينحون عليها باللائمة بسبب دعمها المطلق لاسرائيل, بقدر ما يحققون اهدافهم من الكتابة ويدللون على وطنيتهم ونزاهتهم. وهذا في نظرنا امر مضحك, لاننا لو بقينا ننتقد امريكا بواسطة اجهزة الاعلام, عشرات او مئات السنين, فإننا لن نصل الى شيء على الاطلاق, ولن يقربنا الصراخ والتباكي قيد انملة من نيل حقوقنا. وقد حان الوقت الآن كي نتوقف عن هذا العبث والتلهي, ونكف عن اثبات ماهو ثابت اصلا ومعروف وبديهي. فلولا امريكا لما قامت لاسرائيل قائمة ولما استطاعت تثبيت اقدامها على الارض العربية. هذه حقيقة يجب ان نسجلها ونتصرف على اساسها, دون ان نحولها الى سلعة كتابية تجارية نتلهى بها ونرددها في مطبوعاتنا بشكل متواصل يدعو الى الملل واحيانا الى الغثيان. علينا الآن ان نتجاوز تفكيرنا السياسي التقليدي ونفكر في طرق جديدة مجدية ذات مضمون حقيقي وعملي يؤدي الى التأثير في السياسة الامريكية, بالاقناع حينا, وبالضغط حينا آخر الى ان تغير مواقفها الحالية. وحتى نصل الى تصميم السياسات الناجحة المنشودة, علينا اولا ان ندرس اسباب التأييد الامريكي لاسرائيل وحجم هذا التأييد, وان نعرف مراكز القوى الامريكية وموقف كل منها تجاه العرب واسرائيل. ومن ثم نخلص الى وضع الحلول وابتكار استراتيجيات جديدة غير معهودة وقادرة على قلب المعادلة الحالية في اتجاهات السياسة الامريكية. ومثل هذه المهمة لا يمكن ان ينفذها المفكرون والكتاب السياسيون وحدهم, بل لابد ان تقوم بها مراكز ابحاث عربية, لكي تكون النتائج موثوقة وقائمة على معطيات علمية سليمة ودقيقة. وعلى كل حال, فإن الرجوع الى الاحداث واستقراء الوقائع وتحليل المواقف, يمكن ان تقودنا الى بعض الحقائق, ولو بشكل تقريبي, فمن الواضح ان الولايات المتحدة تساند الدولة العبرية لعدة اسباب, منها انها توفر لها موطىء قدم, وتحفظ مصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة الحساسة. ولكن هذا السبب لم يعد قويا بالدرجة نفسها التي كان عليها ابان احتدام الصراع واشتعال اوار الحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفييتي السابق, في ظل النظام الدولي القديم. وهناك ايضا تأثير اللوبي الصهيوني, وامره معروف بالنسبة لنا جميعا. ويوجد اليوم, ضمن اجهزة الحكم الامريكية, اشخاص كثيرون من منبت يهودي وان كانوا يحملون الجنسية الامريكية. ولهؤلاء دورهم الذي يدخل في الحساب وهم يعطفون على اسرائيل بحكم قرابة الدم, وان كان ولاؤهم الاصلي هو لبلدهم امريكا. وعلى الرغم من اهمية الاسباب التي اتينا على ذكرها, لا نستطيع القول بوجود توافق كامل بنسبة مائة بالمائة بين المصلحتين الامريكية والاسرائيلية, اذ ان هناك مسافة ما وان كانت ضيقة تفصل بين المصلحتين. ونحن نتوقع ان تزداد هذه المسافة اتساعا في المستقبل. وهذه هي الثغرة التي يجب ان ينفذ منها العرب للتأثير في السياسة الامريكية. اننا لا نتفق مع اولئك الذين يذهبون الى ان امريكا هي اسرائيل, وان اسرائيل هي امريكا. ولو كان هذا الزعم صحيحا, لكانت الولايات المتحدة قد نادت بسلام لا يتضمن اعادة الاراضي المحتلة الى العرب. ودعنا الآن نستدعي الى ذاكرتنا بعض الاحداث القديمة, مثل التجسس الاسرائيلي على بعض الاجهزة الامريكية, ولجوء ايزنهاور الى الضغط على انجلترا وفرنسا واسرائيل, من اجل الانسحاب من الاراضي المصرية بعد العدوان الثلاثي, وايقاف بوش مساعدات القروض الامريكية وحجبها عن اسرائيل ابان حكم شامير لحملها على القبول بمؤتمر مدريد, وجهود كارتر لسحب القوات الاسرائيلية من كامل سيناء تقريبا, وفقا لمعاهدة كامب ديفيد, ثم دور كلينتون في اقناع نتانياهو بالتوقيع على معاهدة واي, وكذلك التصريحات الأمريكية المعادية للاستيطان الاسرائيلي والتي تذهب احيانا الى حد التلويح بتأييد اقامة دولة فلسطينية, وهناك بالطبع مواقف أمريكية اخرى معاكسة ومخزية ومجحفة بحق العرب, ونستطيع أن نستخلص من كلا النوعين من المواقف, الايجابية منها والسلبية, نتيجة هامة مفادها ان لمساندة أمريكا لاسرائيل حدودا معينة, وهي لا تعطيها كل ما تريده, أي انها تتبنى مبدأ ترسيخ أقدام دولة عبرية آمنة وقوية وقادرة على الدفاع عن نفسها ضمن حدود جغرافية معترف بها, ولكنها وحتى الان لا توافق على مبدأ التوسع الاسرائيلي الجغرافي, كما يبدو لنا, لأن هذا معناه تعطيل المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط, على المدى البعيد, وهناك الان قطاعات من الشعب الأمريكي, ضاقت ذرعاً بالهيمنة اليهودية على بعض المؤسسات والمرافق الامريكية وأصبح شعار (تأييد اسرائيل بقدر ما تقتضي المصلحة الأمريكية وحدها, لا المصلحة الاسرائيلية أو الصهيونية) يكتسب شعبية متزايدة. وهذا يعني الى حد ما, أن الولايات المتحدة شيء, واسرائيل شىء آخر, وأن كانت الأولى تدعم الثانية دعما واسع النطاق بسبب مصالحها الشرق أوسطية, وننتقل الان من تحديد عوامل الانحياز الأمريكي لاسرائيل ومقداره, الى المسألة الأهم والمتمثلة بكيفية مواجهة هذا الانحياز, وهذا يقتضي تصميم استراتيجيات جديدة للانتقال بالعرب من المواقف الكلامية, غير المجدية الى المواقف العملية المفيدة, ومن الارتجال والتطرف الأرعن والتهويش المضحك الى المرونة الفعلية والاعتدال المثمر, ومن السلبية الى الايجابية. وأول خطوة في هذا الطريق الطويل يجب ان تتجلى في اجراء بحوث منهجية, على يد مؤسسات عربية معترف بها, لدراسة كيفية التأثير في مراكز القوى الأمريكية لصالح القضية العربية, وهذه المراكز هي, البيت الأبيض الذي يقف على رأسه رئيس الجمهورية, الذي يتمتع بأوسع النفوذ. ولكن سلطته ليست مطلقة بالطبع, بل أنها مقيدة بسلطة الكونجرس الذي يضم مجلس الشيوخ ومجلس النواب, وهو المعروف بكونه أكثر مراكز القوى الأمريكية انحيازاً لإسرائيل, ومع ان هناك قولا شائعاً بأن (كل شىء في أمريكا يبدأ من الكونجرس, وكل قضية تولد هناك) , فإن اتخاذ القرارات المباشرة الملزمة هو بيد رئيس البيت الأبيض, ونذكر ايضا سلطة مجلس الوزراء, ولاسيما وزارة الخارجية ووزارة الدفاع, ولا ننسى كذلك الحزبين الرئيسين, وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري, بالاضافة الى شركات النفط والمؤسسات الخاصة والصناعات الكبرى التي تؤدي دورا في صياغة السياسة الأمريكية الرسمية, وهذه هي أهم مراكز اتخاذ القرار في أمريكا التي تربطها باسرائيل مصالح عضوية وأمنية واستراتيجية, وبالعرب مصالح بترولية وتجارية, وعلى هؤلاء أن يدرسوا اليوم طرق التعامل السياسي الفعال مع هذه القوى, وصولا الى وضع جديد يبقى بموجبه تأييد أمريكا لاسرائيل محصورا ضمن مقتضيات المصلحة الأمريكية وحدها, دون ان يشتط هذا التأييد, بفعل التأثير الصهيوني, ليصبح منحازا للمصلحة الاسرائيلية على حساب المصلحة الأمريكية ذاتها, ولابد للزعماء العرب من السعي الى تغيير المعادلة التقليدية التي تجعل من مصلحة أمريكا ان تدعم اسرائيل بشكل مطلق ومتواصل, وبالتالي الى ايجاد معادلة جديدة تجعل لكل خطوة ايجابية تخطوها الأولى تجاه الثانية, ثمنا تدفعه أمريكا من رصيد علاقاتها مع العرب, ولاشك أن الشىء الكثير يقع على عاتق الجالية العربية في الولايات المتحدة, والتي من واجبها العمل على التأثير في العقل الأمريكي, بطريق الحوار والمحاضرات والمقالات الصحفية والكتب, وبواسطة الدخول في صلب الحياة الأمريكية والتغلغل في شرايين المؤسسات السياسية, وان تتفاعل معها وتؤثر فيها, فهذا أفضل من الضجيج الاعلامي العربي الذي لا ينصب إلا على آذان العرب أنفسهم, ان من المفروض ان تهتم أمريكا بمصالحها مع مئات ملايين العرب, أكثر من اهتمامها بمصالحها مع بضعة ملايين من اليهود. واذا كان العكس هو الذي يحصل اليوم, فإن هذا يدل على تقصير العرب وعدم قدرتهم على مواكبة العصر, مما يقتضى تغييرا جذريا في طرق تفكيرهم وممارساتهم. وبعد, فإن أمريكا كما يبدو لي ليست غزالا وديعا, ولا وحشا كاسرا, وبقدر ما نملك من حنكة سياسية, نستطيع جلبها الى مائدة مصالحنا, وكلما امعنا في الطيش والديماغوجية, ابعدناها بأيدينا نحو مائدة المصالح الاسرائيلية.