حضر أثناء تسليم المتهمين الليبيين ممثلون على مستوى وزراء الخارجية للدول المغاربية الاخرى (تونس, الجزائر, المغرب, موريتانيا), وذلك كمحاولة أخيرة لاستقطاب ليبيا من جديد في اطار محيطها الاقليمي , هذا بعد ان اكتشفت تلك الدول ان الجماهيرية قد حققت نتائجها على الصعيد الدولي, وان الحصار سيرفع عنها قريبا, صحيح ان مشاركة تلك الدول تصادف مع وجود ممثلين لدول عربية اخرى مثل مصر, ودول اوروبية مثل إيطاليا, لكن الوجود المغاربي كان مثيرا للانتباه, فلماذا هذا الاهتمام الذي جاء متأخراً؟ يذهب المراقبون الى أن أحد الاسباب الرئيسية الذي دفع بالجماهيرية الليبية الى الرهان على الدول الافريقية, هو عدم تأييد الدول العربية لها, أو كما فسرته عدم اتخاذ مواقف مؤيدة ومناصرة لها, ترقى الى مستوى المنظمات الاقليمية الاخرى, والواقع ان هذا كان في البداية بشكل عتاب للدول المجاورة, اي المغاربية, لكن تحول مع الأيام الى شبه انفصال تام, او لنقل ابتعاد كلي, حيث اهتمت كل دولة مغاربية بقضاياها الداخلية على حساب القضايا المغاربية, هذا وان كانت هناك اسباب جمة دفعت اليه, الا انه لم يقنع السلطات الليبية, واعتبرته شبه تخاذل من دول كانت تعتبرها دائرة تحركها الأولى. لقد بدأ الموقف الليبي تجاه الدول المغاربية بشكل عتاب, ثم تحول الى لوم ثم الى تدهور في العلاقات, خصوصا بعد ان رفضت الجماهيرية تسلم قيادة الاتحاد المغاربي من الجزائر, مما جعل هذه الأخيرة ترى في ذلك محاولة لتبيان ضعف الجزائر في اطار الأزمة التي تواجهها, ولم يكن هذا الموقف خاص بالجزائر بل تعداها الى الدول المغاربية الاخرى, التي وان ظلت العلاقات معها قائمة, الا أنها لم تكن بنفس الفاعلية المطلوبة او التي كانت في الماضي. ومع طول المدة تحول الموقف من دول الاتحاد المغاربي الى موقف عام من الدول العربية برمتها, ثم الى جامعة الدول العربية كمنظمة قومية واقليمية, الى درجة دفعت بالزعيم الليبي (معمر القذافي) الى الطعن في قناعاته القومية السابقة, خصوصا بعد مؤتمر القمة الذي عقد في القاهرة, وتعهد باتخاذ موقف عربي باتجاه رفع الحصار عن ليبيا من الدول العربية, ما لم يتم تعجيل في حل مشكلة (لوكيربي) من طرف الأمم المتحدة. على العموم فان الرهان على الموقف العربي مغربه ومشرقه لم يكن هو الرهان الوحيد بالنسبة للسلطات الليبية, بل ذهبت الى السعي والتحرك على جميع الأصعدة, فعلى الصعيد الاوروبي مثلا, تمكنت من ابعاد فرنسا عن مشاركتها في مسألة تطور قضية (لوكيربي) , وجعلت الامر مرهونا بالنسبة للاتحاد الاوروبي ببريطانيا, ودخلت مع هذه الأخيرة في جولات اتهام للاستخبارات البريطانية في محاولاتها تصفية الرئيس القذافي, ورغم ذلك فقد خففت اللهجة معها, مما جعلتها اقرب الى الواقعية السياسية, وبالنسبة للولايات المتحدة الامريكية, فقد تفادت الدخول معها في حرب كلامية, او حتى الهجوم عليها كما جرت العادة. من ناحية اخرى فقد تمكنت من ايجاد مناصرين لها في قضيتها على صعيد الأعضاء الدائمين في مجلس الامن, وبالذات الصين وروسيا, مما جعل اعمالها تكلل بالنجاح, حيث تمكنت من اختراق منظمة الأمم المتحدة, وجعلت النقاش يدور حول كيفية رفع الحصار وآلياته, والضمانات لتسليم المتهمين, الى غير ذلك من الشروط, التي أبعدت تهمة الارهاب عن ليبيا على الأقل في الوقت الحاضر, كما نشطت بالمقابل على صعيد المنظمات الاقليمية, مجموعة دول عدم الانحياز, ومنظمة الوحدة الافريقية. وأثناء هذا النشاط الليبي كانت الدول العربية تراقب ما يحدث, لكنها ظلت تنتظر موقف مجلس الامن من أزمة (لوكيربي) الى أن فاجأتها منظمة الوحدة الافريقية بقرارها الهادف الى رفع الحظر عن ليبيا من طرف الدول الافريقية, اذا لم تعجل الأمم المتحدة بحل المشكلة, وبالفعل حدث اختراق للحظر من عدة دول, وكرد للجميل قام القذافي بزيارة العديد من الدول الافريقية, وأعطى فرصة اوسع للزعيم (نيلسون مانديلا) للمشاركة في حل الأزمة ولولا المشاركة السعودية العاجلة, لظل العرب بعيدين عن حل إحدى ازماتهم التي دامت سنوات. ولم يكن ذلك النشاط الافريقي الفعال والايجابي, رغم تأييده ومساندته من الدول العربية يرضي هذه الأخيرة, خصوصا الدول المجاورة, ليس من منطلق رفع الحظر, ولكن تمنت تلك الدول ان تكون هي المبادرة لذلك, لكن خوفها من الغضب الدولي وبالذات من أمريكا حال دون تحركها, وهو ما كانت تدركه الجماهيرية الليبية, ولذلك كرست حملاتها الاعلامية الانتخابية على الدول العربية في الفترة الأخيرة. الآن تعود الدول المغاربية, بهدف الحصول على اتمام المشاريع المشتركة المجمدة منذ بدء الحصار مثلما هو الحال بالنسبة للجزائر, وتعود اخرى بهدف ايجاد مناصب عمل لمواطنيها بعدما ان طالت البطالة قطاعات عريضة من المجتمع بما في ذلك حاملي الشهادات الجامعية مثلما هو الحال بالنسبة للمغرب, وتحتاج اخرى الى استمرار الاستثمار الليبي بعد ان تراجع بسبب الموقف من الحصار كما هو الحال بالنسبة لتونس, وتسعى دولة مغاربية اخرى الى جلب رؤوس الأموال الليبية اليها للخروج من حالتها الراهنة كما هو بالنسبة لموريتانيا. اذن فالدول المغاربية ورغم علاقة الجوار والدم والشراكة في مجالات مختلفة, تسعى الآن الى التعامل مع ليبيا في المجال الاقتصادي, وتعتقد ان تعليق الحظر على الجماهيرية الليبية ثم رفعه بعد ذلك سيساعد على تطوير المنطقة اقتصادياً, بل وعلى تفعيل نشاط مؤسسات الاتحاد المغاربي, كما سيساعد ايضا على التفاوض حول قضايا الشراكة والتبادل التجاري مع اوروبا والدول المتوسطية من موقع كتلة مغاربية موحدة, علما بأن السنوات السابقة شهدت تراجعاً ملحوظاً في الشراكة مع اوروبا, وعدم اتمام المشاريع, لمطالبة الدول المغاربية بإشراك ليبيا, في حين ظلت الدول الاوروبية المتوسطية ترفض اشراك ليبيا من منطلق الحصار المفروض عليها من الأمم المتحدة. وبالنسبة للجزائر التي تربطها مع ليبيا علاقات خاصة, فإنها ستواصل مشاريعها المشتركة التي ظلت خلال السنوات الماضية مجمدة, خصوصا في حال فوز (عبدالعزيز بوتفليقة) الذي تربطه علاقات قديمة مميزة معها منذ ان كان وزيراً للخارجية في عهد الرئيس الراحل (هواري بومدين) , لكن لاشك ان التنافس سيكون بينهما شديد على الصعيد الافريقي, على اعتبار ان الجزائر لها علاقات واسعة وقديمة مع الدول الافريقية, وتراجعت تلك العلاقات بسبب ازمتها, وتمكنت ليبيا من قطع شوط بعيد, والحلول بدل الجزائر, ورفع الحظر عن ليبيا, واستقرار الجزائر بعد الانتخابات الرئاسية ــ إن تمكنت ــ, سيجعلانهما يتنافسان على ارضية واحدة, ولن يبعد التصادم بينهما الا بعودتهما المشتركة لتفعيل الاتحاد المغاربي, وهو ما يلوح في الأفق حسب بعض المصادر الدبلوماسية المغاربية التي أكدت عدة مرات عودة النشاط المغاربي, وإن كانت في الوقت ذاته توقعت احتمال ان يتم ذلك بتحفظ وحيطة وحذر, وربما ببطء شديد.