مدينة للعبيد اسمها الحرية.. كان هذا هو العنوان لمقالة طلعت شاهين المنشورة في فبراير الماضي في جريدة (البيان) وفحوى المقالة يدور حول عودة احفاد العبيد الافارقة الى بعض الاقطار الافريقية مثل ليبيريا وسيراليون, تخلصا منهم من جانب الغرب من جهة, واعدادهم لزمن جديد من العبودية من جانب آخر . باختصار يرد الكاتب الحرب الاهلية التي دارت وتدور في دولة سيراليون الى رغبة الغرب في الحصول على ماس تلك البلاد الذي تقدر قيمته السنوية بـ 330 مليون دولار, الامر الذي يفسر التطاحن بين احفاد الافارقة العائدين من بريطانيا والولايات المتحدة. ان احدا لا يستطيع ان يعترض على كل ما اورده كاتب المقال من حقائق تتصل بالحرب الاهلية التي مازالت مستعرة في سيراليون, غير ان من المفيد القول بأن ما تشهده سيراليون من اعمال دامية وما عانى منه مواطنو تلك الدولة من فظائع وويلات, لا يعتبر امرا متفردا يدعو للاستغراب. فقد شهدت ليبيريا سابقا حربا اهلية تم فيها كل ما يخطر على البال من مجازر وانتهاكات, والامر ذاته ينطبق حاليا على الحرب الاهلية التي تدور رحاها في انجولا والسودان, ناهيك كما دار في رواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية وغيرها من الاقطار الافريقية. ونحب ان نضيف الى ما اورده د. طلعت بعض الحقائق التي لا تطال دول القارة الافريقية المغلوب على امرها فحسب, بل تطال العديد من الدول في مختلف بقاع آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ومن هذه الحقائق ان تاريخ الرأسمالية الغربية في مجمله مرتبط اوثق الارتباط بشن الحروب وارتكاب المجازر واعمال القمع وذلك منذ بداية مرحلة الكشوف الجغرافية التي ادت الى نشوء وتفاقم الحركة الاستعمارية, وفي تاريخ الشعوب التي استعمرت من جانب بريطانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال وبلجيكا واسبانيا, صفحات سوداء ودامية تدلل على الممارسات التي تعرضت لها تلك الشعوب من اجل اخضاعها والغاء حقوقها. ومع انحسار الاستعمار التقليدي القائم على احتلال الارض بشكل مباشر, والتفرد باستغلال مواردها, ظهر ما سمي الاستعمار الجديد الذي يعتبر اشد بما لايقاس من الاستعمار التقليدي, ذلك لان الاستعمار الجديد يقوم على عدد من العناصر التي تبدو للمتأمل كما لو انه يستحيل التخلص منها في ظل استمرار المعطيات العالمية القائمة حاليا. فعناصر الاستعمار الجديد الذي يهدف اولا واخيرا الى نهب موارد المجتمعات الضعيفة بشتى السبل, تقوم على اذكاء التوتر والخلافات الدينية والمذهبية والقبلية داخل تلك المجتمعات, ومنع الحرية والديمقراطية عنها, لان ذلك كله كفيل بدوام الضعف وتبديد الموارد وتعطيل التقدم واستمرار الجهل والتبعية والخضوع. ان كل ما يدور اليوم على الساحة العالمية من اعمال العنف والتوتر والمنازعات, يرجع الى رغبة القوى الدولية صاحبة الامر والنهي في ابقاء الاوضاع العالمية على ماهي عليه, حيث الفقر المدقع الى جانب الغنى المفرط, والقوة العاتية الى جانب الضعف اللامتناهي, وما المحاولات الدولية التي تقوم من اجل اطفاء الحرائق في المجتمعات الضعيفة من حين الى حين الا حركات بهلوانية شكلية تستهدف ذر الرماد في العيون, بغية احكام السيطرة وترسيخ النفوذ. ونود ان نؤكد في هذا المجال, بانه مالم تحدث تغيرات عالمية جذرية لتجاوز الاوضاع الراهنة, فإن من المحتمل ان يكون القرن الحادي والعشرون المقبل هو قرن الكوارث على الانسانية في مجملها.. وخصوصا في المجتمعات الضعيفة. ومن تلك المتغيرات الحاسمة التي قد تضع حدا لشقاء البشرية وويلاتها اذا ما حدثت, حصول كوارث بيئية ومناخية تقلب اسس وتوجهات الاقتصاد العالمي بشكله الراهن, وتفرض نوعا من العقلانية والترشيد في الفكر والسلوك الانساني, كما ان الوضع السكاني العالمي الذي يتجه نحو التضخم والانفجار, قد يلعب دورا في احتمال قيام ردود افعال انسانية مضادة توقف المسيرة الدرامية التي تتخبط فيها البشرية حاليا. مما سبق يمكن القول بأن ما جرى ويجري في دولة سيراليون وغيرها من دول العالم هو نتيجة طبيعية لاصرار الجهات المقتدرة على استمرار نهبها وتكريس سيطرتها ــ للمجتمعات الاضعف, ومنها المجتمعات العربية التي تعاني من الاستعمار الصهيوني المدعوم بكل وسائل القوة والتدمير. كاتب وصحفي سوري