يوم الاثنين قبل الماضي الخامس من ابريل اكفهر الجو في الكويت, ذلك الصباح أمطرت السماء بعد ان أرعدت على غير عادتها في مثل هذه الأيام من السنة, وجاءني خبر انتقال الأستاذ عبد الرزاق البصير إلى ربه الأعلى في ذلك الصباح المكفهر الطلعة , لعل السماء أرادت ان تشارك احباء فقيدنا الأديب البكاء على فراقه, ولعلها أرادت ان تذرف بعض الدمع قبل ان يوارى الثرى. الاستاذ عبد الرزاق البصير لمن لا يعرفه من القراء خارج الكويت هو رجل كف بصره وهو في سن صغيرة وتعلم تعليما تقليديا فذهب إلى الحسا في عشرينات هذا القرن وأماكن أخرى ليتلقى التعليم الديني المعتاد ثم أصبح مقرئا للقرآن, ومنشدا للتواشيح الدينية بعد ذلك, وكان مستقبله قد رسم منذ نعومة أظفاره, طفل كف بصره وهو في ريعان الصبا ماذا ينتظره في مثل ذلك الوقت أي قبل ستين سنة أو يزيد غير ان يقرأ القرآن والتواشيح الدينية, ويقيم العزاء في المآتم؟ كان هذا هو الذي اعد له وهو الذي توقعته له عائلته, خاصة والده الذي كان يميل ككل أبناء عصره إلى التدين التقليدي, فذلك الطفل الصغير الضرير لايمكن ان يكون ذا حرفة وصناعة. ولكن عبد الرزاق البصير خرج عن ذلك الطريق المرسوم والمعد لشاب كفيف مثله, فقد كان يطمح ان يكون غير ذلك , وحفر إلى ما يطمح إليه طريقه باظفاره في مجتمع كان ضيقا في مجالات الرزق وكسب العيش. القراءة أخرجت عبد الرزاق البصير عن الطريق الذي رسم له, وشق هو بذاته طريقا آخر, طريق الاستنارة, وكان على شاكلة معاصريه, منهم فهد دويري الذي يستشفي الآن في لندن, اتم الله شفاءه, وكذلك المرحومون أحمد العدواني وعبد العزيز حسين وحمد الرجيب وأحمد البشر الرومي. هذه الكوكبة من المستنيرين الكويتيين الأوائل لم يكن لهم همّ غير الهم التثقيفي العام, ولم يشغلهم شيء عن المساهمة في رفع مستوى وطنهم وعروبتهم عن طريق الثقافة غير العمل على تأكيد طريق الاستنارة ولم يكن ذلك بالجهد البسيط أو الهين أو المفروش بالورد. عبد الرزاق البصير التقى بهذه الكوكبة من الرواد وخاض معهم معاركهم التنويرية المختلفة التي شهدت تعليم البنات واتساع التعليم والالتصاق بالقضايا العربية المختلفة. في السنوات الأخيرة لم تكن تمر بضعة أيام إلا ونتحادث عن موضوع ما وكثيرا ما كان يحدثني بالهاتف ليقول رأيه الصريح (ودائما المحب) في مقالاتي التي أنشرها في افتتاحيات مجلة (العربي) مرة غير راض ومرات راض إلى حد بعيد, وكنت سعيدا أن يعجبه ما أكتب لأنه لا يكتم رأيه طي الهمس في التليفون ولكنه يكتب رأيه وينشره أيضا. كنت أقوم بزيارته في مقر عمله في مكتبه بوزارة الإعلام في مقرها القديم ويعد كأسا من الشاي يتحدث عن شؤون الحياة وقضايا السياسة حديث المطلع الناقد, وكثيرا ما تقود هذه الأحاديث إلى مقال يكتبه عبد الرزاق البصير في اليوم التالي لينشره في احدى الصحف الكويتية. ساهم عبدالرزاق البصير بالكتابة في مجلات عربية عديدة, منها في الأربعينات مجلة الرسالة والتي كان ينشر فيها هو مقدما على آخرين وبالطبع كان محط غيرتهم, كما نشر في مجلات خليجية منها مجلة عبدالله الزايد في بداية الأربعينات التي كانت تصدر في البحرين, وعندما صدرت المجلات ثم بعد ذلك الصحف استمر فقيدنا الأديب يمارس هوايته في الكتابة في الشأن العام, وحتى في مرضه الأخير لم ينقطع عن الكتابة أو السؤال عن أحوال الثقافة والأدب, فقد ظل يكتب مقاله الأسبوعي إلى آخر أيامه معلقا على بعض ما يسمع أو يقرأ له. عبد الرزاق البصير كان من رواد ديوانية المرحوم عبدالعزيز حسين النشطين, وكان رحمه الله ممارسا نشيطا للنقد أو ابداء الرأي, وعندما يذكر له كتاب في موضوع ما كان يحرص على اقتنائه وقراءته, كما كان شديد الاحساس بالحياة, ففي ديوانية أخرى, أصبحت مشهورة, هي ديوانية الصديق برجس البرجس, كانت له الكثير من النوادر خاصة مع الاستاذ عقاب الخطيب أشهر راو للنوادر في الكويت. عندما علم أصدقاء المرحوم بمرضه الأخير وكان في رمضان الماضي سعيت إليه في البيت, وقد قرر ألا يقابل أحدا من خارج أسرته القريبة, ولكنه استقبلني كعادته هاشا باشا, وقال انه بالفعل ذهب إلى المستشفى وقيل له انه يحتاج إلى عملية في فكه فقرر ان يقوم بهذه العملية في الكويت بالفعل دون ان يعلم أحد, ولكن الطبيب أرجأه بضعة أيام, فعلم سمو الشيخ سعد بذلك فأمر ان ينقل للعلاج في بريطانيا, حيث زاره أكثر من مرة في المستشفى, وكم كان ممتنا بهذه اللفتة التي هي من طبيعة الرجال الكبار. ولكنه في تلك الجلسة الرمضانية الكئيبة على نفسي حيث تأكدت منه عن مرضه, قال لي (أنا لست خائفا من الموت فالموت هو سنة الحياة وعلى الانسان ان يلاقيه) , ثم أردف وهو يريد ان يخفف الشعور بالكآبة التي أحاطت بالحاضرين وناءت بكلكلها على الجلسة قائلا (أنا أعيش في الوقت الضائع لقد عشت من السنوات الكثير ورأيت الكثير! وكان يردد هذا كثيرا في كتاباته وأحاديثه كلما رأيته! لم أر عبدالرزاق البصير متأثرا بشيء على طوال (ربعتي) معه مثل تأثره بالاحتلال العراقي للكويت وبالفظائع التي ارتكبت في تلك الفترة السوداء من تاريخ الكويت والأمة العربية, وكان الرجل الكفيف قد بقي في الكويت طوال تلك الفترة سبعة أشهر ذاق فيها المرارة, وبعد التحرير في الاسابيع الأولى ذهب الى لندن وقمنا في جريدة (صوت الكويت) بنشر مقابلة صحفية مطولة له ذكر فيها ما لاقاه كمفكر وكاتب ومهتم بالشأن العربي, واعتقد ان تلك الفترة من الاحتلال قد غيرت من مفاهيم البصير السياسية, الذي عاش طوال عمره معتقدا بالعروبة السياسية ومدافعا عنها, وهو في الحقيقة قد اكتشف كم هو زائف وسطحي ما تطلقه الشعارات, وكم هي فارغة تلك العقول التي تؤمن بهذه الشعارات, وقد كتب الكثير حول ذلك فيما بعد. لقد كان أكثر ما أثاره ان اقتيد في الفترة الأخيرة من الاحتلال كي يركب باصا من تلك الباصات التي كانت تجمع الكويتيين من الشوارع كي تأخذهم رهائن, ولم يكن وضعه الانساني ككفيف قد ردع الضابط المختص من ان يجبره على الركوب, وما أنقذه هو انه لم يكن قادرا على امتطاء الباص, وبعد عدة محاولات غير الضابط المختص رأيه لأن الرجل قد عطله أكثر من اللازم. لعبد الرزاق البصير كتابات كثيرة منها كتابات في مجلة (العربي) التي نحتفل بعيدها الاربعين هذه الأيام, وكم هي قاسية هذه الحياة ان يأخذ منا الموت عبدالرزاق البصير ونحن في غمرة هذه الاحتفالات, وعزاؤنا انه الرجل الذي نذر نفسه للثقافة, كانت ستسره هذه الاحتفالية. منذ سنوات نشرنا آثار عبدالرزاق البصير في (كتاب العربي) كأحد منشوراتنا وكان الاقبال عليه شديدا الى درجة انه لم يبق لدينا الكثير من ذلك الكتاب, ولكن عبدالرزاق البصير يحتاج الى أكثر من ذلك وفاء له واحتراما لكفاحه الشخصي والوطني, يستحق ان تُقرأ كتاباته, وتحلل رؤاه في الموضوعات السياسية والاجتماعية, في المرأة وفي الرجال, وفي أحوال العرب, فهل يتصدى أحد لهذه المهمة؟ انها مهمة ضرورية ونبيلة وأحسب انها تناسبه أطروحة دكتوراه في النقد. مجالات عمل البصير الاجتماعية والثقافية كثيرة, فهو كان عضوا لسنوات طويلة في مجمع الخالدين في القاهرة, وعضوا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ انشائه, عدا فترة قصيرة. وكنت تجده في كل محاضرة أو ندوة ملبيا عن رضا, متدخلا عن معرفة ساكتا في بعض الاحيان عن تسامح. أبا عدنان لقد أحزننا فراقك و(انّا لله وإنّا اليه راجعون) .