لا يستطيع رجل أو امرأة, من جيلنا على الاقل, ان ينكر ان مجلة (العربي) الكويتية ساهمت في تربيته اضافة إلى والديه, وبما ان الآباء, في حالة جيلنا وفي بلدان كبلداننا كان التعليم بالنسبة اليها ترفا, كانوا اميين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة , فان (العربي) ساهمت اضافة إلى التربية, في التهذيب والتثقيف والتوعية, والاهم من كل ذلك في جعل المعرفة والعلوم عموما مادة محببة ومهمة. وشخصيا استطيع ان اعترف بفضل (العربي) عليّ في حبي للعلوم وللمواد العلمية ولاخبار الطب والمنجزات الحديثة والاختراعات, وذلك بفضل كتابات المرحوم الدكتور أحمد زكي, أول رئيس تحرير لها, الذي يبسط المادة العلمية تبسيطا شديدا, اضافة إلى اهتمام المجلة بالموضوعات العلمية المصورة وبأخبار العلوم, مع اهتماماتها الاخرى المختلفة في نشر المعارف والآداب والثقافة. وهكذا كنا في اواخر الستينات وبداية السبعينات, نحرص كل الحرص على اقتناء (العربي) كل شهر, وكنا نقطع مسافات إلى المكتبات في دبي لشرائها, أو كنا نتبادلها مع الزملاء في الدراسة واصدقاء الفريج, اما قراءتها فكانت من الغلاف إلى الغلاف حقا, ثم ان الاحتفاظ بها بعد ذلك اما تحت السرير أو في خزانة الملابس أو مع الكتب المدرسية كان امرا مفروغا منه, فهي المجلة الوحيدة التي لم اجرؤ شخصيا (واعتقد ان الآخرين مثلي) على رميها والتخلص منها, وحتى اليوم. غير أن (العربي) التي احتفلت هذا الاسبوع بمناسبة مرور 40 عاما على ولادتها, تشكل ظاهرة ثقافية وعلمية وفكرية اكثر مما هي مجرد مجلة شهرية, بدءا من اسمها, مرورا بما تحمله من مواد وتحقيقات وليس انتهاء بانتشارها الواسع, حيث تكاد تكون المجلة العربية الاوسع انتشارا, ما يعني اجماعا عربيا عليها, واستمرارها على مدى كل هذه السنوات من دون انقطاع بما في ذلك خلال محنة الغزو, لم يكن ممكنا, ما لم يكن وراءها دولة, تعتبر (العربي) ملمحا هي فكرها ومبادئها, من الكويت العزيزة. وهكذا فانه حيثما تذكر الكويت لابد ان تذكر (العربي) , ولابد ايضا ان نذكر مجموعة اخرى من الريادات الكويتية التي صبت جميعها في خدمة الثقافة العربية وفي خدمة الامة العربية, في همومها واحلامها على السواء, ما يجعل من (العربي) اسما حقيقيا للكويتي, وخير معبر عن فكره وهويته في الوقت نفسه الذي تعبر فيه عن شوق العرب المزمن إلى الوحدة, في كيان واحد ووطن واحد ومواطن واحد يحمل جنسية واحدة هي ببساطة: العربي. ولن نعيد إلى الاذهان هذه الريادات, فأغلبها معروف ويتحدث عن نفسه, من مساهمات الاعلام الكويتي إلى المساهمات الثقافية والفكرية وليس انتهاء بالمساهمات والمواقف السياسية المجيدة لبلد صغير كالكويت لعب دورا مؤثرا على الدوام في خدمة قضايا امته المصيرية التي ابرزها القضية الفلسطينية, غير ان احتفال (العربي) المجلة / المؤسسة يطرح في عصر الفضائيات فكرة مشروع, هو اطلاق محطة تلفزيونية فضائية عربية تحمل الاسم نفسه والمنهج ذاته الذي سارت عليه (العربي) , سواء في سياسة تحريرها وفي هدفها التنويري والتثقيفي, حيث تربط العربي بأخيه العربي من تطوان في المغرب إلى الخران في رأس الخيمة, كما تربطه في الوقت نفسه بالعصر ومستجداته وتطوراته العلمية والحضارية, لتكون البديل المنطقي والمهم لعشرات الفضائيات السطحية والهامشية, كما استمرت (العربي) البديل الحضاري لمجلات الهلس وغيرها من المجلات السطحية. ونختم بأن بلدا كالكويت أنتج واهدى العرب مجلة كـ (العربي) وصمد معها على المنهج ذاته وتحمل تكلفتها عاما بعد عام نظرا لايمانه بما تمثله, هو الاقدر على انشاء محطة عربية تكون صنواً لـ (العربي) المجلة في فكرها وبرامجها واهدافها, فيكون مشروع (العربي) مستمرا في الزمان, من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين, ومتجليا بما يواكب العصر, ومؤكدا باستمرار على ان الكويت فعلا بلاد العرب, كانت وستبقى.