ليس من الواضح ما اذا كان حلف شمال الاطلسي سيجد نفسه في وضع يحتم عليه ادخال تعديلات على اهداف حملته العسكرية ضد يوغسلافيا في ضوء النتائج التي اسفرت عنها المواجهة الضارية حتى الآن . فالمخاوف التي انبنت على ان القصف الجوي وحده, مهما بلغت درجة عنفه واتساع مداه, لن يجبر الحكم اليوغسلافي على الخضوع لمطالب التحالف الغربي, هي مخاوف جدية وفي محلها تماما. وليس ذلك فحسب, بل ان سلوبودان ميلوسيفتش استطاع, وسط القصف وبذريعته, ان ينفذ برنامجه المقرر للتصفية العرقية ضد البان كوسوفو بسرعة مذهلة وان يحول الناجين من تصفيات جنوده وميليشياته المتعطشين للانتقام, الى مجموعات من المهجرين والمشردين وسط ظروف انسانية بالغة القسوة. وهو بذلك لم يكتف بانجاز أهم هدف من أهدافه القومية, وانما تمكن ايضا من خلق مشكلة كبرى تلقي بثقلها الآن لا على الدول المجاورة ودول الناتو وحدها, ولكن على العالم كله, بدون استثناء. من الناحية الانسانية فان الواجب يفرض على دول الناتو ان تضع هذه الكارثة في مقدمة اهتماماتها, وهي التي خاضت حربها المفتوحة ضد يوغسلافيا من اجل توفير.. الامان والاستقرار لشعب كوسوفو. بيد ان المشكلة اصبحت الآن ذات شقين: الاول, كيفية انقاذ آلاف المهجرين الهاربين من المجازر الصربية ثم تأمين الحد الادنى من الرعاية والعناية لهم. والثانية, ضمان عودتهم الى ارضهم ومنازلهم.. او ما تبقى منها.. ومن الواضح ان دول الناتو تشعر بالإحراج حيال التطورات الكارثية التي حدثت في كوسوفو, الأمر الذي يلقى عليها مزيدا من المسؤولية المادية والاخلاقية. ولم تستطع هذه الدول اخفاء ارتباكها وتضارب وجهات النظر بين حكوماتها في شأن الخطوات التي ينبغي اتخاذها لمواجهة الموقف وتجلى ذلك من خلال نقل افواج اللاجئين من مكان الى آخر على نحو ينذر بمصير مجهول لهذا الشعب المسالم الصابر. اما من الناحية السياسية, فان الدول الاطلسية تواجه معضلة رئيسية تتمثل في اثبات قدرتها على تحقيق الانتصار. اذ كيف يعجز حلف الاطلسي, وهو الذي كان مستعدا لمواجهة الاتحاد السوفييتي بقوته الضخمة وامتداداته العالمية الواسعة, عن فرض ارادته على دولة صغيرة كيوغسلافيا. هذا من حيث المبدأ. ومن حيث الاهداف المحددة للعملية الاطلسية الراهنة, كيف يستطيع الناتو ان يتخلى او يتراجع عن هذه الاهداف, او حتى ان يساوم او يفاوض عليها تحت تأثير الرفض الصربي المتمادي؟! هذا الموقف يقود الى الاستنتاج بان حلف الناتو لايجد اي خيار امامه سوى مواصلة حملته العسكرية, ثم تطويرها الى هجوم بري (شامل أو محدود) اذا عجزت عمليات القصف الجوي الصاروخي عن تحقيق اهدافه المحدودة, رغم ان قادة الدول الاطلسية مازالوا يستبعدون هذا الاحتمال حتى الآن. بيد ان بعض المؤشرات الصادرة عن عواصم القرار الاطلسية لاسيما واشنطن, بدأت تشير الى تحوّل تدريجي في هذا الاتجاه. فاستطلاعات الرأي التي كانت تعكس توجهها سلبيا لدى الرأي العام الامريكي بالنسبة لمشاركة قوات برية في العملية الاطلسية, اظهرت وجود تأييد متزايد لهذا الخيار (التدخل البري), باعتباره (شرا لابد منه) , بازاء التعنت الصربي والوحشية الصربية المنفلتة. ويبدو ان هذه الاستطلاعات نفسها, فضلا عن التأكيدات اليومية للرئيس الامريكي على قرار مواصلة العملية الاطلسية حتى النهاية, ترمي الى تهيئة الرأي العام الامريكي وجعله اكثر تقبلا للمرحلة التالية من العملية الاطلسية ولمخاطرها المحتملة. فالنصر الذي يريده الناتو, حتى في مواجهة دولة صغيرة, لايمكن ان يتحقق من دون خسائر بشرية. وربما كان من الخطأ في الاساس, ان المسؤولين الاطلسيين بالغوا في المراهنة على الحسم السريع من خلال القصف الجوي وحده, وكانت النتيجة ان حملتهم اصبحت معرضة للفشل تماما, ليس فيما يتعلق برفض ميلوسيفتش الرضوخ فحسب, بل لأن شعب كوسوفو دفع ثمنا باهظا للتقديرات الاطلسية الخاطئة. ومع ذلك, فان الموقف يبدو الآن بالغ التعقيد, حتى في حال اتخاذ قرار اطلسي بشن هجوم بري. فشعب كوسوفو لم يعد هناك, واعادته الى ارضه لاتبدو مسألة سهلة بعد كل ماحدث حتى الآن. هذا من جهة. ومن جهة اخرى كيف يمكن لحلف الاطلسي التمسك, بالجانب السياسي من اتفاق (رامبوييه) من دول تعديل, اي ما يتعلق بالحكم الذاتي لشعب كوسوفو؟ فهل من المستطاع استمرار ارتباط كوسوفو بالدولة اليوغسلافية بعد التطورات الاخيرة؟ وأي نوع من العلاقة ستقوم بين الطرفين في ضوء ما حصل, وفي ضوء الممارسات الصربية الوحشية ضد ألبان كوسوفو؟ ان هذه التساؤلات القلقة لها مايبررها على ارض الواقع. ومن الملاحظ ان ثمة كلاما متزايدا حول اقامة ملجأ آمن لألبان كوسوفو في المنطقة الواقعة الى الجنوب الشرقي من كوسوفو. ولعل هذا الكلام يأتي منسجما, او متطابقا, مع كلام آخر يتعلق باحتمال تقسيم كوسوفو الى جنوب الباني وشمال صربي, كتسوية نهائية للمشكلة. ويبدو ان الجانب الصربي لا يرفض هذه التسوية اذا تعذر عليه الاحتفاظ, باقليم كوسوفو كله. وربما ستصبح هذه التسوية مقبولة اكثر, من الطرفين, في اعقاب المواجهة الحالية, اذ ان الأمر الواقع يصبح سيد الموقف. فقوات الاطلسي قد تستطيع تحقيق انجاز عسكري في نهاية الامر, لكنها لا تستطيع تحقيق التعايش بين الطرفين بالقوة, وحتى من خلال وجودها الدائم في الاقليم. واذا ماحدث ذلك يكون شعب كوسوفو قد دفع ثمن التسوية المجحفة لقضيته, من دماء ابنائه ومن ارضه ايضا, تماما كما فعل شعب البوسنة من قبل, وفي اطار تسوية مشابهة لاتزال وقائعها ماثلة في الاذهان.