اذا كان بيت الصحافة من زجاج, فالصحافة لا تستطيع ان ترمي الناس بالورود, لا بالحجارة, اي لا تستطيع ان تمارس دورها الفعلي في التوجيه والنقد والارشاد, طالما انها من الداخل لم تؤسس بحيث تحمي نفسها بحماية صحفييها والدفاع عنهم, فاذا كانت هذه هي اول من يضطهد الصحفيين كما اشرنا امس, فان باب النجار يكون مخلوعا, اي لا فائدة ترتجى . وبما ان صحافتنا الوطنية قطعت شوطا طويلاً في عمر الزمن واكتسبت من الخبرات المهنية والتقنية ما يؤهلها لتدشين القرن المقبل بثقة عالية في النفس والقدرات, فان عنايتها بحقوق الصحفيين اولا وبحقوقها ثانيا, سواء من خلال اشكال تنظيمية أو من خلال القوانين يصبح امرا مطلوبا بالحاح, لانه لا يمكن قبول صحافة متطورة في الاداء والشكل والتقنيات وغير متطورة في الوقت نفسه في النظم والشرائع, التي تحدد حقوقها وتصونها وتحدد واجباتها ايضا من دون تعسف, وبدقة وحياد. وعلى سبيل المثال, فيمكننا ان نضيف إلى حالات اضطهاد الصحفي من مؤسسته, اي ظلم ذوي القربى الذي هو اشد فظاظة, ظلمه من المجتمع وما فيه من فئات وافراد, كل منها يخشى على مصالحه, فنرى الصحفي يجرجر إلى المساءلة اداريا ومن غير وجه حق, ومن خلف علم ادارة المؤسسة التي ينتمي اليها ويعمل فيها, في تجاوز صارخ وظالم لادنى الحقوق في الدفاع عن النفس, وكأن الصحفي, من دون خلق الله جميعهم, الحيطة المايلة, التي يمكن النط عليها بسهولة, ومن دون ادنى اعتبار لشخصه ولمهنته على السواء. ومن النط على الصحفي, إلى النط الكبير على الصحيفة نفسها, فالمصادر, من افراد وجهات ومؤسسات وادارات, تستطيع كلما حلا لها, وبالاصح كلما حلا لمديريها والمسؤولين فيها لسبب أو لاخر, منها عدم رضائهم عن خبر ما أو تحقيق مثلا, ان تقفز الحواجز العالية لتشتكي على الصحيفة بطريقة التحريض ضدها وطلب محاسبتها, ولولا أن كبار المسؤولين عندنا ولله الحمد, من ذوي الصدور الواسعة والحلم والعقل, لكان معاقبة الصحف باغلاقها اداريا على قفا من يشيل, ولكان (تفنيش) الصحفيين, خبرا يوميا, ولكن ليس للنشر. غير ان مديرين ومسؤولين, بما في ذلك مسؤولو شركات احيانا ليس الا, يصدرون فرمانات لمعاقبة الصحف والصحفيين, منها على سبيل المثال, حجب المعلومات والاخبار عن صحيفة, ومنع الصحفي من حضور نشاطاتها والاطلاع على المعلومات, أو ممارسة الضغط على الصحيفة لكي تعاقب الصحفي أو ممارسة الضغط عليها بطرق ملتوية, وذلك حين يعجزون عن معاقبتها اداريا, أو يعجزون عن اخضاعها لكي تكون لسان حالهم أو الناطق الرسمي باسمهم, ما يجعل من الصحيفة كلها عندهم, لا الصحفي وحده, حيطة مايلة على الدوام. وهكذا فان حال صحفنا من النواحي القانونية, ومن ناحية الحريات, لا تليق بالمستوى الراقي للمهنة الذي وصلنا اليه فعلا, ولا بالمستوى الحضاري لبلادنا العزيزة, حتى والذين يمارسون الاضطهاد ضدنا من مديرين وغيرهم, من ابرز النخب الادارية والمثقفة والمتعلمة, ما يجعلهم في وضع متناقض ما بين القول والممارسة, وما يجعل بعضهم للاسف من الد اعداء الصحافة والصحفيين. ويمكننا طبعا كصحف وصحفيين ممارسة القمع المتبادل, فنحجب اخبار ونشاطات من يقمعنا, لولا ان الخاسر الوحيد هنا هو القارىء والمواطن الذي من حقه الحصول على المعلومات والاخبار اولا بأول, فيصبح انقاذ الصحف والصحفيين من انواع الاضطهاد مهمة عاجلة نطالب بها وزارة الاعلام, ونحن على ابواب القرن الجديد, من خلال قانون للصحافة واضح وصريح ومن خلال جمعية للصحفيين, لها الشخصية الاعتبارية المستقلة والحماية ايضا.