السياسي عزمي بشارة ورؤية جديدة للعمل السياسي في اسرائيل: اليهود ليسوا أمة والصهيونية مشروع استعماري:بقلم- ماجد كيالي

وعندما سأل شافيط عن رأى بشارة بالنسبة للعلم والنشيد الاسرائيليين, اجاب بشارة: انظر موقف من هذا العلم وهذا النشيد القومي سلبي, فهما لا يمثلاني, وانما يمثلان شيئا يرفضني , لكن اذا ما تغير مضمون الدولة فأنا مستعد لان اتعايش مع بعض الرموز التي تعني شيئا مهما للاغلبية, وذلك على امل ان تتغير هذه الامور ايضا مع مرور الزمن لكني لا ابدأ مطالبي من دولة اسرائيل بأن تغير علمها, الصهيونية, في الاساس, لم تكن حركة تحرير قومي وانما حركة وضعت لنفسها هدف اقامة دولة باغلبية يهودية في بلد فيه اغلبية عربية, لقد كانت حركة ارادت ان تحول اليهود إلى امة من خلال اقامة دولة يهودية, ولهذا الغرض فقد اعتمدت ممارسات كولونيالية, وكانت جزءا من المشروع الكولونيالي (الاستعماري) في الشرق الاوسط, انا لا اعترف بوجود شعب يهودي واحد في كل العالم, واعتقد ان اليهودية دين لا قومية, وليس للجمهور اليهودي في العالم اي مكانة قومية, ولا اعتقد ان لهذا الجمهور الحق في تقرير المصير, لكن ما اعترف به, فعلا, هو ذاك الشعب اليهودي ـ الاسرائيلي الذي اوجدته الصهيونية هنا, وانا لا اقبل التاريخ الصهيوني, لكني ملزم بالاعتراف بثماره, فلا مفر, لقد ولدت هنا اجيال, ونشأت لغة وادب وثقافة, وعلى الرغم من ان الطفل القومي الاسرائيلي ولد بصورة غير مشروعة, فانه لا يسعني ان اقول عنه انه غير موجود, وان لا حقوق له, وانا اصر الا تجد حقوقه تعبيرها بشكل عدواني, لا يوجد هنا حقان على قطعة الارض ذاتها, لا اوافق على ادعاء اليسار الصهيوني هذا, لانه وقع هنا صراع استعماري, لقد هاجرت إلى البلد هنا مجموعات من المهاجرين من البلاد المتعددة, ووضعت ايديها على قطعة ارض كانت تعود إلى شعب اخر حتى ولو كانت القومية اليهودية ــ الاسرائيلية اليوم غير اشكالية, كما انني اعتقد ان الوقت حان كي يتحرر اليهود انفسهم من قصة الصهيونية الغربية هذه, وانا لا اقول هذا فقط لان تجسيد الصهيونية جرى على حسابنا, ولما سأل الصحفي شافيط عضو الكنيست بشارة عن التناقض الذي يعيشه في موقعه هذا, أجاب: (هذا هو تناقض العرب في اسرائيل. هذا هو تناقض عزمي بشارة في دولة اسرائيل. وإذا قال لك عزمي بشارة انه لا يوجد هنا تناقض فقل له: انت كاذب, إذ لا يمكن القول أنا عربي فخور واسرائيلي مخلص في الوقت ذاته. هذا هراء يوجد تناقض هنا وهو ليس تناقضا عقليا, وإنما تناقضا يفرضه الواقع مع ذلك فأنا أعتقد ان دورنا هو تحويل هذا التناقض إلى دافع بناء. يتعين علينا أن نتناول هذا التناقض وأن نجعله قاطرة, قوة دينامية قوية جدا تغير وجه الواقع, السير حتى النهاية في القضية الفلسطينية من جهة, والسير حتى النهاية في القضية المدنية الاسرائيلية من الجهة الأخرى. علينا أن ندفع إلى الأمام قضيتنا والقضية الليبرالية ـ الديمقراطية في الوقت نفسه. لكن من جهة أخرى فإن اغترابي هائل, وهو أساسي تماما, ذلك بأن كل شيء هنا غارق في هذه الرمزية اليهودية التي تنبذني خارجها: آيات من التوراة, والأحاديث عن القدس, وصورة هيرتسل. وأحيانا, في الجلسات الاحتفالية بالذات, أجد نفسي مضطرا إلى أن أتمسك بالطاولة كي لا أنفجر وأصرخ, وإلى أن أتمالك رباطة جأشي. أنا لا أحب من يفسد الاحتفالات. فهذا لا يخلف سوى طعم مر, ولا يغير في الأمر شيئا, لكن هذا صعب علي. أنت لا تتصور كم هو صعب. أما يوم الاستقلال (اعلان قيام اسرائيل) فإنه يوم الخراب لشعبي. وأنا لا أجلس غارقا في حزن الحداد لاني لا أؤمن بالحداد. لكن من الواضح أن هذا لا يشكل بالنسبة إلي يوم عيد, كما اني أعتقد ان كل عربي يحتفل به هو شخص مشوه خلقيا ونفسيا, شخص انفصل عن تاريخه, انفصل عن ثقافته, انفصل عما جرى لشعبه, شخص فقد عموده الفقري القومي والإنساني. وإذا كنت أريد أن أناضل في سبيل أن تكون هنا دولة مواطنين وأن نحظى بالاعتراف كأقلية قومية, فيجب أن أدفع هذا الثمن. ولما سأله الصحفي الاسرائيلي عن عبدالناصر قال بشارة: (على حين غرة ظهر هذا الصوت من الخارج, والذي أنصت إليه الناس, يدوي من المذياع الصغير في قراهم التي لم تصل إليها الكهرباء, في كل أرجاء العالم العربي. وقد قال هذا الصوت اننا جزء من أمة قوية وعظيمة من المحيط إلى الخليج. وكان هذا الصوت ذاته قويا ومدهشا. وفجأة شعرنا بأننا لسنا ذلك الطفل المسكين بل ان لدينا أخا كبيرا يمكن الاعتماد عليه, أخا كبيرا تخافه اسرائيل نفسها خوفا شديدا, ولعله هو الذي سيعلمها الدرس أخيرا. وهكذا فقد تماثلت جدا مع شخصية عبدالناصر وأقواله. وعندما كان عبدالناصر يخطب كان بيتنا, الذي كان فيه التلفار الوحيد في الحي, يبدو كالسينما. ما كانت أمي لتستطيع الاستماع إليه من دون أن تذرف الدموع. وربما مثل من ناحية, نوعا من صلاح الدين بالنسبة إلينا. سايكس ــ بيكو لكن ثمة محاولة اسرائيلية ثابتة تجدها سواء في اليسار أو اليمين لتجاهل وجود أمة عربية واحدة. فأمة عربية واحدة بالنسبة إلى الاسرائيليين, هي الخيار الأخطر. انهم يخافونها ولا يحبونها. بالنسبة لي قبل كل شيء أنا إنساني. من ناحيتي الكل ينبثق من انسانيتي. وأنا ديمقراطي, ليبرالي. وعندما أتحدث عن دولة مواطنين فهذا ليس مجرد وسيلة لمماحكة اسرائيل. أنا أريد, في الواقع, أن تكون الدول العربية دول مواطنين. لكن نعم, أنا أتخذ لنفسي الأوصاف كلها التي ذكرتها. أنا مؤمن بأن الايديولوجيا القومية والهوية القومية والانتماء إلى الهوية القومية شروط ضرورية كي يمر المجتمع بالحداثة. أنا لا أجد أي تناقض بين هذه الأوصاف وبين ليبراليتي وهكذا أنا قومي عربي. نعم, أنا لا أخجل من ذلك. وحين أحاضر في المدارس العربية فهذا ما أقوله للطلاب: لا تخجلوا من كونكم عربا, ولا تحسبوا ان الحداثة هي الاسرائيلية. ذلك بأن هناك حداثة عربية, وهي مثار للفخر والاعتزاز) . هذا هو عزمي بشارة كما بدا وهو يحاول التحدث عن نفسه وعن تصوراته كمثقف مسؤول, ومناضل يسعى من أجل تعميم قيم الحرية والعدالة. أخيرا, وبغض النظر عن اشكاليات الترشيح وملابساته, يمكن القول ان هذه المبادرة السياسية الجريئة هي الخطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي البناء عليها مستقبلا لتعزيز وضع الأقلية العربية في اسرائيل, وفي مجال تحويل هذه الدولة إلى دولة لمواطنيها, وباتجاه تجديد الحياة السياسية للعرب في اسرائيل, في اطار السياق العام للتحولات المطلوبة لتجديد الحياة السياسية على الساحتين الفلسطينية والعربية.

طباعة Email