مكونات المغرب وسياساته: المغرب وبعده الإفريقي: بقلم- محمد وقيدي

لحدود المغرب كما بينا ذلك في السابق دلالات بالنسبة لسياساته, هكذا فقد ابرزنا ونحن نتحدث عن حدود المغرب الشمالية السياسية الاوروبية التي تشكل جزءا من استراتيجيته العامة, ثم السياسة المتوسطية التي تتقاطع مع الأولى .. اما عند الحديث عن حدود المغرب الغربية, فقد انطلقنا نحو التفكير فيما دعوناه بالسياسة التي يمليها البعد الاطلسي لهذا البلد, فأبرزنا مقتضياتها وآفاقها, كما بينا المعنى الذي تكون به هذه السياسة انفتاحا استراتيجيا يضاف الى انفتاحاته الاخرى التي تحدثنا عنها من جهة الشمال. حين ننتبه الى حدود المغرب الجنوبية يوقفنا ذلك على صفة اساسية للكيان المغربي, ونعني بذلك البعد الافريقي. المغرب بلد افريقي, هذا هو الواقع الاساسي فيه, وهذا هو الواقع الذي ينفتح بفضله على كل ابعاده الاخرى وعلى العلاقات التي يدخل بها في تفاعل مع فضاءات اخرى مثل الفضاء الاوروبي او المتوسطي او الاطلسي او العربي والاسلامي. واذا كنا قد بدأنا هذه المجموعة من المقالات التي نتحدث فيها عن كيان المغرب من اشكالية ترى ان فهم ماهو ممكن من تنسيق بين سياسات البلدان العربية, وهي شرط قيام نظام عربي, يقتضي ان نبحث في ممكنات كل واحد من البلدان العربية, لنبحث بعد ذلك امكانية تلاقيها, واذا كنا قد اتخذنا المغرب نموذجا لمعالجة الاشكالية السالفة الذكر, فإننا نرى ان السياسة الافريقية للمغرب من اكبر الدوائر التي تتقاطع معها سياسة المغرب في مستويات اخرى, كما نرى ان مساحة التقاطع بين دائرة السياسة الافريقية والسياسة العربية للمغرب من أهم مساحات التقاطع بين الدوائر التي ترمز الى مجموعة سياسات هذا البلد. المغرب بلد إفريقي, هذا هو حكم الموقع الجغرافي الذي لا اختيار فيه ولاتبديل, والذي يمكن ان تضاف اليه الابعاد الاخرى وتتفاعل معه مع بقائه القاعدة الاساسية لكل تاريخ ولكل تفاعل بشري ولكل سياسة او استراتيجية. لقد أثر البعد الافريقي للمغرب في سياساته, كما انه كان المجال الذي جعل المغرب يلعب بأبعاده الاخرى المتوسطية والاطلسية والعربية والاسلامية ادوارا هامة في افريقيا, وبخاصة في الجانب الغربي منها, وهو الذي يقع في جنوبه. تفصل المغرب عن البلدان الافريقية الواقعة في جنوبه صحراء كبيرة, ولكنها لم تكن عبر التاريخ الطويل لهذا البلد عائقا عن تواصل مستمر مع تلك البلدان الافريقية, وذلك على عدة اصعدة, نبدأ من مستويات التواصل المختلفة بذكر التفاعل البشري الذي ادى الى تأثير في التكوين المجتمعي للمغرب ولبعض البلدان الافريقية على السواء. فمهما كان قدر هذا التفاعل اقل وكان تأثيره محدودا, فانه يكون مع ذلك تأثيرا عميقا في دلالته على انتماء المغرب الى القارة الافريقية.لقد كانت هناك هجرات الى المغرب, وتوافد عليه من بعض البلدان الافريقية الواقعة في غرب القارة بصفة خاصة سكان ذوي اصول من هذه البلاد اندمجوا في تكوين المجتمع المغربي واصبحوا جزءا منه بابعاده المختلفة, بما فيها البعدان العربي والاسلامي, فالاصول الافريقية اذن جزء من مكونات المغرب. وبالمثل, فان الرغبة في نشر الاسلام, من جهة, ثم البحث عن منافذ اوسع للتجارة, من جهة أخرى, قد دفعا مغاربة من صنفين هما العلماء والتجار للهجرة الى بلدان ما بعد الصحراء حاملين لرسالة دينية او لتجارة او لهما معا. وقد اندمج بعض هؤلاء المغاربة في المجتمعات التي هاجروا اليها, واصبحوا مع تعاقب اجيالهم جزءا من المكونات البشرية للبلدان الافريقية, واصبح اصلهم المغربي عنصرا لاستمرار التواصل بين المغرب وبين تلك البلدان الافريقية. لعب المغاربة الى جانب عرب آخرين من شمال افريقيا, دورا في نشر الثقافة الاسلامية واللغة العربية المرتبطة بها في البلدان الافريقية الواقعة بعد الصحراء, وبأثر مما فعله المغاربة والجزائريون والمصريون وغيرهم صار المسلمون في القارة الافريقية يؤسسون مدارس لتعليم الثقافة الاسلامية واللغة العربية, كما صاروا يساهمون في اغناء الثقافة الاسلامية, وكتب الكثير منهم, الى حدود القرن التاسع عشر, مؤلفات باللغة العربية, فضلا عن عملهم على نشر تعاليم الديانة الاسلامية بلغاتهم المحلية, لقد عمل الافريقيون بانفسهم على ضمان استمرار الثقافة الاسلامية والعربية, فكان ذلك دلالة على الأثر العميق الذي مارسته البلدان العربية الاسلامية في شمال افريقيا, ومن بينها المغرب الذي لعب دورا بارزا في بلدان الغرب الافريقي. لا يمكن ان نقول ان الصلة بين المغرب وافريقيا لم تكن إلا على هذا المستوى الذي يرمز اليه التفاعل الايجابي, وما يرتبط به من تكوين مشترك يجعل الانسان المغربي افريقيا في جزء من كيانه. لقد كان هناك ايضا صراعات ونزاعات سياسية او دينية او متعلقة بامتداد النفوذ, وما عدا ذلك مما هو طبيعي في تاريخ مجال واسع سعة قارة بأكملها. كان من الطبيعي ان يكون هناك تفاعل بشري, وتبادل تجاري, وتواصل ثقافي وديني, وحروب ونزاعات. لكن عبر هذا كله تشكلت تلك العلاقة العميقة التي تربط المغرب بالقارة الافريقية التي ينتمي اليها. هناك بين المغرب وافريقيا التي ينتمي اليها تاريخ مشترك هو الذي يمكن ان نستمد منه فكرة عن ضرورة السياسة الافريقية للمغرب, وهي سياسة لاتتعلق بالماضي فحسب, بل تتعلق بالحاضر وبما يمكن ان يطمح اليه المغرب صحبة البلاد الافريقية في المستقبل. احد محاور السياسة الافريقية للمغرب والمستمدة من التاريخ المشترك هو العمل على استعادة مظاهر القوة في تلك العلاقة التي تجعل المغرب ممتدا بسياسته الى مابعد صحرائه, ستكون هذه السياسة معاكسة بطبيعتها لتلك التي عملت قبلها, خلال القرن التاسع عشر بصفة خاصة, على الفصل بين الشمال الافريقي المسلم, وبين بلدان ما بعد الصحراء التي كانت تربطها بهذا الشمال روابط العقيدة وعبر ذلك, نسبيا, روابط الثقافة واللغة الاساسية لهذه الثقافة. ستكون هذه السياسة محاولة لاستعادة الاتصال بعد فترة انفصال عملت سيادة الهيمنة على افريقيا من اجل تحقيقه. لقد عملت السياسة الاستعمارية قبل القرن التاسع عشر وخلاله على الفصل بين العناصر التي ادت بتداخلها الى وجود روابط قوية بين بلدان الشمال الافريقي والبلدان الواقعة مابعد الصحراء, فحاولت تلك السياسة ان تفصل بين الاسلام واللغة العربية, وذلك لفصل بعض الروابط اللغوية التي كانت من العوامل النسبية الرابطة ثقافيا بين بلدان الشمال الافريقي والبلدان الواقعة ما بعد الصحراء, فحاولت تلك السياسة ان تفصل بين الاسلام واللغة العربية, وذلك لفصل بعض الروابط اللغوية التي كانت من العوامل النسبية الرابطة ثقافيا بين بلدان الشمال الافريقي وبلدان ما بعد الصحراء. ومن الواضح انه ليس من السهل على البلدان الافريقية التي من بينها المغرب ان تعيد وصل ما انفصل وان تحقق للكيان الافريقي بعض ما كان يشكل وحدته. من هنا نرى الجهد الذي على المغرب وعلى بقية البلدان العربية الواقعة في افريقيا ان تبذله. وهذا ما نسميه من جهة اولى بالسياسة الافريقية للمغرب, بما ان حديثنا يتعلق بهذا البلد, ولكن ما ندعوه ايضا بالسياسة العربية الواجبة في افريقيا, وهو ما نرى فيه في حالة المغرب والبلدان العربية على السواء تقاطعا بين سياستها العربية وسياستها الافريقية. البعد الافريقي للمغرب يقتضي اذن سياسة تهم الحاضر والمستقبل, وهي سياسة ينبغي ان تعمل على تقوية العلاقة مع البلدان الافريقية, ففي ذلك ايضا تقوية لابعاد المغرب الاخرى العربية والاسلامية والمتوسطية والاطلسية. وبقدر ماتبدو السياسة الافريقية للمغرب تراجعا الى الوراء لانها تستعيد عناصر من التاريخ, فانها سياسة متجهة الى المستقبل من حيث انها تريد ان تشكل قوة جديدة لمواجهة مافي العالم من قوى أخرى. ان قوة السياسة المغربية المتوسطية والاطلسية, بل والعربية, متوقفة على الاساس الذي تستمده جميعها من سياسته الافريقية. لابد من الاشارة الى ان البعد الافريقي للمغرب لايقتصر على العلاقة بالبلدان التي تشترك معه في العقيدة. فهناك بلدان إفريقية اخرى ليس لها بالمغرب علاقة تعتمد على الرابطة الدينية وما يرتبط بها من ثقافة. هناك في افريقيا اختلاف وتنوع لا غنى للمغرب, ولاي بلد عربي يقع في هذه القارة, من أخذه بعين الاعتبار. فالسياسة المغربية في افريقيا ليست مجرد سياسة عربية في افريقيا, ولكنها سياسة بلد ينتمي الى هذه القارة, وتجمعه بالكثير من بلدانها عوامل ترجع الى الماضي والى الطموح المتعلق بالمستقبل. فالبلاد الافريقية تشترك مع المغرب في سياسة تهدف الى التحرر من الهيمنة التي فرضت على مجتمعاتها في الماضي, كما تهدف الى بناء عالم جديد تختفي فيه كثير من تناقضات عالم اليوم. هذه السياسة ذات الآفاق الواسعة المتسمة بالتلون حسب الجهة التي تتجه اليها من القارة الافريقية تتقاطع بالضرورة مع السياسة العربية, وعلى هذه السياسة التي تريد أن تأخذ المغرب كجزء منها ان تراعي ابعاد المغرب وما تمليه عليه من غنى في سياساته. كاتب ومفكر مغربي

طباعة Email