قلبي مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي لا يكف على الرغم من الشيخوخة والمرض عن اللف بين الموانئ, يزرع الدنيا من مشرقها الى مغربها مؤكدا في كل ميناء انه سيعلن قيام الدولة الفلسطينية في 4 مايو المقبل شاء شاء من وأبى من أبى .. بينما يهدد هذا الذي يأبى واسمه بنيامين نتانياهو بالويل والثبور وعظائم الامور, مؤكدا بأن اتفاقيات اوسلو ليس فيها كلام عن دولة وان عرفات لو اعلن هذا الذي لم يرد له ذكر فيها, فسوف تلغي اسرائيل الاتفاقيات, ومعنى الكلام ان يعود الوضع الى ما كان عليه قبلها فيفقد الرئيس الفلسطيني لقبه ومقر رئاسته في غزة ومطاره ليجد نفسه جالسا على شاطىء بوسعيد في تونس. والاساس الذي ينطلق منه عرفات معقول ومنطقي وخلاصته ان السنوات الخمس التي حددتها (اتفاقيات اوسلو) للتوصل الى تسوية دائمة تنتهي في 4 مايو 1999 وهو ليس مسؤولا عن تسويف (اسرائيل) في تنفيذ التزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقيات, الذي كان يحسب في عهد حكومة (حزب العمل) بالشهور, فأصبح في عهد نتانياهو, وشهرته أبى من أبى ـ يحسب بالسنوات. ولان التسوية النهائية في رأي عرفات تعني اعلان دولة فلسطين, وعاصمتها القدس الشرقية فسوف يعلنها في هذا الموعد, وليكن ما يكون. والمتفق عليه بين المحللين والمسؤولين العرب والفلسطينيين ان عرفات على حق في موقفه, وان ما يصرح به في الموانىء والمطارات مطلوب ومفيد ليس فقط لانه يضع فأس عرقلة المسيرة السلمية في عنق المسؤول الفعلي عن ذلك, ويؤكد على مطلبه الرئيسي وهو اقامة الدولة, ولكن ـ كذلك ـ لانه يذكر الناخبين الاسرائيليين بأن نتانياهو ضيع اربع سنوات من دون ان يحقق لهم سلاما او يضمن لهم امنا, وبذلك يستفيد المعتدولون الاسرائيليون ويفوز باراك وحزب العمل وحلفاؤه في الانتخابات فتتحرك المسيرة السلمية وتخرج من الثلاجة. لكن الآراء تختلف بعد ذلك بين هؤلاء المحللين والسياسيين, فمن بينهم اقلية ترى ان على عرفات ان ينفذ تهديده وان يعلن الدولة بالفعل في الموعد الذي حدده ويضع العالم كله امام مسؤوليته ويقلب المنضدة على الجميع فأما سلام حقيقي, وإلا فلتفعل اسرائيل ما تشاء وتفضها سيرة ومسيرة, وآنذاك يكون لكل حادث .. حديث. ومن بينهم اغلبية ترى ان يكتفي عرفات بالحملة السياسية التي قام بها وبالمكاسب الدعائية والتفاوضية المتوقعة منها, وخاصة على صعيد التأثير على الناخبين الاسرائيليين, وان يقرر تأجيل اعلان الدولة الى 4 مايو سنة 2000 شاء من شاء وأبى من أبى لانه لو ساق فيها, فسوف يقدم لنتانياهو خدمة عمره ويهدي اليه مقعد رئيس الوزراء على طبق من فضة ويتيح له استرداد كل الاراضي التي انسحب منها جزئيا او كليا, وبذلك لا يكون لاعلان الدولة معنى او ارض او مطار, والخلاصة في رأي هؤلاء ان التهديد باعلان الدولة يمكن ان يكون شلوتا يطير نتانياهو, اما اعلانها بالفعل, فسوف يكون شلوتا يطير بعرفات. والذين ينصحون بتأجيل اعلان الدولة, يقولون بأن الصبر طيب وان في التأني السلامة وفي العجلة الندامة وان على الفلسطينيين ان يحسبوا لاقدامهم قبل الخطو موضعها وان يتأكدوا اولا من وجود تأييد دولي, ومشروعية كونية لهذه الخطوة يتمثل في استعداد عدد محترم من دول العالم الاعتراف بهذه الدولة فور الاعلان عنها, ليكون في ذلك ضمان ضد أ ية اجراءات حمقاء قد يتخذها نتانياهو وهذا هو الهدف الحقيقي من اتخاذ عرفات من الطائرة مقرا لرئاسته ومن مباحثاته التي تدل كل الشواهد على انها لم تحقق الغرض المقصود فقد وجد الرجل ـ باللغة الدبلوماسية ـ (تفهما) لموقفه ولكنه لم يحصل على تأييد له وتعاطفا مع مطلبه بانشاء دولة ونصيحته بأن يتم ذلك عبر التفاوض مع الطرف الآخر. وافضل ما حصل عليه عرفات هو اعتراف الاتحاد الاوروبي بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره, وهو ما يمكن ان نستنتج منه, انه يؤيد حق الفلسطينيين في اقامة دولة, من دون ان يعني ذلك بالضرورة تأييده لقرار اعلانه من طرف واحد في 4 مايو المقبل. واسوأ ما حصل عليه هو موقف (البيت الابيض) و(الكونجرس) وقد رفضا تماما فكرة اعلان الدولة الفلسطينية. وتعللوا ـ كالعادة ـ بأنهم ضد الاجراءات الانفرادية من حيث المبدأ بل واعتذر الرئيس كلينتون عن اصدار تصريح يتعهد فيه بالعمل على التوصل الى تسوية نهائية خلال عام اضافي ينتهي في 4 مايو سنة 2000, مصرا على استمرار المفاوضات الى يوم تحين الساعة, وملمحا الى ان اعلان الدولة قد يضطره باعتباره الراعي الرئيسي لتلك المفاوضات الى الانسحاب. وليس مهما ان الجدع البلطجي يواصل اتخاذ اجراءات من طرف واحد, ويستأنف العمل في المستوطنات ويخرج لسانه للذين في البيت الابيض فلا يعترض احد, لاننا نعيش في عالم من الورق, وهذا الورق يقول ان اتفاقيات اوسلو لا تنص على الانسحاب من الاراضي التي احتلت في عدوان 1967, ويتعامل معها باعتبارها (ارض متنازع عليها) ولا تنص على وجود دولة, وهذا هو المنطق الذي استندت اليه معظم دول العالم في نصح عرفات بألا يعلن الدولة وبأن يواصل التفاوض وامره الى الله! وهو كلام يفتقد للمنطق وبالتالي للحق, وللعدل, فالمرجعية الاساسية التي تستند اليها (اتفاقيات اوسلو) هي القرار 242 الشهير الذي يتحدث عن عدم جواز الاستيلاء على الاراضي عن طريق الحرب, وينص على الانسحاب من الاراضي التي احتلت في عدوان 1967 وعن حق دول العالم في ان تعيش في سلام في نطاق حدود آمنة ومعترف بها ووصف هذه الاراضي في اتفاقيات اوسلو بأنها متنازع عليها بما هو مجرد تكرار للتفسير الاسرائيلي للقرار 242, الذي يدعى بأنه لا ينص على الانسحاب من كل الاراضي بل من بعضها, وهو تفسير لم تتمسك به اسرائيل في معاهدتها مع مصر, ومعنى هذا الكلام ان اسرائيل ملزمة بمقتضى هذا القرار بالانسحاب من الاراضي المحتلة, واعادتها لاصحابها وهم بالطبع احرار في ان يقيموا عليها دولة او يقشروا فيها بصل! والاهم من ذلك كله ان القرار 242 قرار يتعلق بالنتائج التي ترتبت على عدوان 1967 اما قرار الشرعية الدولية الذي يتعلق بالمشكلة الاصلية وهي قضية فلسطين فهو القرار 181 لسنة 1947 المعروف بقرار التقسيم وهو قرار نسيه العرب وتعلقوا بحبل القرار 242 الذائبة ومن حسن الحظ ان الفلسطينيين قد تذكروه اخيرا, الزعم الاسرائيلي بأنه لا القرار 242 ولا اتفاقيات اوسلو تعطيهم الحق في اعلان الدولة, فأبلغوا الامم المتحدة بأنهم يعتبرون القرار 181 بات مقبولا لاقامة السلام على اساس التعايش, وان على اسرائيل ان تفسر للمجتمع الدولي الاجراءات التي اتخذتها بطريقة غير مشروعة لمد قوانينها وتنظيماتها الى الارض التي احتلتها في حرب 1948 لتتجاوز الارض المخصصة للدولة اليهودية بمقتضى هذا القرار. وما كاد الاسرائيليون يسمعون بذلك حتى انشالوا وانهبدوا ليس فقط لان الفلسطينيين يريدون اقامة دولة ولكن لانهم كذلك يريدون ان تمتد حدود هذه الدولة, لكي تشمل فضلا عن الارض المحتلة عام 1967 حوالي 20% من ارض اسرائيل الحالية, وهي النسبة التي اقتطعتها نتيجة لحرب 1948 من المساحة التي كانت مخصصة بمقتضى قرار التقسيم, للدولة الفلسطينية,ثم ان هذا القرار, ينص على ان تكون القدس وما حولها كيانا منفصلا تحت نظام دولي وهو ما شاطت له رأس شارون الذي اكد بأن القدس ستظل عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل شاء من شاء وأبى من أبى. وردا على المذكرة الفلسطينية قالت اسرائيل في مذكرة قدمتها للامين العام للامم المتحدة ان الدول العربية والقيادة الفلسطينية رفضوا قرار التقسيم عند صدوره وخاضوا الحرب سنة 1948 ضده وواصلوا رفضهم له من فوق منابر الامم المتحدة لمدة 30 سنة وحتى سنة 1967 وان محاولة احيائه هي تغيير لمرجعية السلام تعرض المسيرة السلمية للخطر. وما يتجاهله الاسرائيليون هو ان اسرئيل قبلت عضوا في الامم المتحدة استنادا الى قرار التقسيم, وانها وافقت عليه عند ذلك, كما وافقت عليه, ووافقت عليه كذلك الدول العربية عند توقيع (بروتوكول لوزان) مع لجنة التوفيق الدولية في مايو 1949 وانه لم يحدث منذ ذلك الحين, ان اعلنت الحكومات العربية رفضها له, صحيح ان هذه الحكومات قد تعودت طوال تلك السنوات, ان تكذب على شعوبها وتدعي انها ترفض قرار التقسيم, لكن الاصح منه, ان هذه الحكومات نفسها كانت تطالب من فوق منبر الامم المتحدة, بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية, من قرار التقسيم الى قرار اعادة اللاجئين وتعويضهم, وليس من حق اسرائيل ان تتعلل بهذه الاكاذيب, لتعتبر القرار 181 غير قائم. وسواء اعلنت الدولة الفلسطينية في 4 مايو المقبل او اجل هذا الاعلان وهو الارجح لمدة عام فقد آن الاوان ليرفع العرب والفلسطينيون سقف مطالبهم, وان يكفوا عن التعلق بالحبال الذائبة للقرار 242 وتابعه اوسلو, لكي يطالبوا بتنفيذ قرار الشرعية الدولية الاصلي, وهو قرار التقسيم الصادر عام 1947 وان يعبئوا كل ما يستطيعونه من قوى محلية ودولية, وراء هذه المطالبة فلا يفل الحديد إلا الحديد, ولا يواجه تشدد نتانياهو التفاوضي إلا تشدد مثله, ولا وسيلة للتغلب على اراء الذي يأبى إلا ان يكف من يشاء عن قبول ما يأبى.. وقلبي مع الرئيس الفلسطيني.