من يحمي الصحفي من نفسه ومن الآخرين؟ أما من نفسه فمبادىء المهنة وشرفها وتقاليدها تستطيع حمايته إذا تمسك بها وعمل بمقتضاها وان كلفه ذلك ثمناً باهظاً من صحته ومن رزقه أيضاً, وفي اللحظة التي يقرر فيها الصحفي أن يتنازل عن مبدأ من هذه المبادىء , أو يضعف أو يجبن, فإن حمايته من السقوط تصبح واجباً على أهل البيت والمهنة, وهنا هم نقابة أو جمعية الصحفيين. وبطبيعة الحال فإن الصحفي يستطيع أن يحمي نفسه من نفسه, كما تستطيع النقابة حمايته منها باسقاط إنتمائه إليها وإلى المهنة عندما يخالف نظمها, أما من الآخرين, فتحميه علاوة على النقابة والجمعية, القوانين العامة في البلد, الذي منها قانون للصحافة, ثم القضاء يستطيع حمايته باللجوء إليه لنيل الحقوق وطلب الحماية والعدالة. ونتحدث على خلفية قضية البواردي والحبتور لليوم الثاني, ولكن بعيداً عن التفاصيل وقريباً منها في الوقت نفسه, فهي قضية تفتح ملف حقوق الصحفي, من حقه في التعبير عن رأيه وحصوله على المعلومات وتوجيه النقد لما يراه من أوجه قصور وعيوب, إلى واجباته تجاه المجتمع وركائزه وواجباته تجاه الآخرين, فنعرف ما بين الحقوق والواجبات, حدود حركة الصحفي. طبعاً هناك صحفيون بلا حدود, إلا أن ذلك في (بلاد بره) والمقصود أنه لا حدود لعمل وحركة الصحفي ولحريته أيضاً, ما نعده حلماً بعيد المنال في وطننا العربي لسنوات بعيدة قادمة, فنبقى مع واقع الحال, الذي منه أن هناك بلداناً تفتقد للنقابات أو الجمعيات المنظمة للمهنة والراعية لها, وهناك بلدان تفتقد للقوانين عامة, لا لقوانين الصحافة وحدها, وهناك بلدان حددت للصحفي مهامه في ان يمدح بلا حدود, أي أن يسير في إتجاه واحد وممنوع الدوران إلى الخلف, فكيف يمكن للصحفي مع مثل هذه الأوضاع ان يحمي نفسه من نفسه ومن الآخرين أيضاً؟ وبعيداً عن الصحفي الذي تهزمه نفسه, فيتحول من صحفي حر إلى صحفي مرتزق ومرتش وقاطع طريق ومبتز, فيقبض ثمن خدماته مقدماً من نظام سياسي أو من شركة حليب أو من سوبر ماركت, لا فرق, فإن هناك معركة شبه مستترة بين الصحفي الحر وبين مؤسسته أو الصحيفة التي يعمل فيها, حيث تمارس عليه هذه من الاضطهاد ما يفوق أحياناً ما يمكن أن يمارسه النظام أو المجتمع, أو أفراد أو فئات في هذا المجتمع. هكذا مثلاً يمكن أن نجد أن صحفياً فقد عمله بجرة قلم لمجرد أنه طالب بزيادة راتب لتحسين وضعه ووضع أسرته, أو نجد آخر وقد أنهيت خدماته باعتباره مشاكساً كثير النقاش والجدل في العمل, والاخطر من هذين النموذجين نموذج ثالث لصحفي يطرد من عمله إرضاء لمصدر (مالي) تعول عليه الصحيفة, فطالب هذا المصدر بطرده لأنه كتب خبراً غير صحيح في رأي المصدر, أو آخر يطرد لأن مسؤولاً أغضبه رأي كتبه صحفي فأرضته الصحيفة بـ (دم) الصحفي, أو بلقمة عيشه. ونكتفي بذلك من أمثلة نعيشها ونعرفها ونسمع عنها, يتعرض فيها زملاء صحفيون لاشكال من الاضطهاد من صحفهم, لا من الآخرين, فإذا كان هؤلاء لا يستطيعون حماية أنفسهم في عقر دارهم ولا توفر لهم صحفهم الحماية الكافية والدفاع المطلوب, فإن محاسبتهم على ما (يقترفون) من آراء وأخبار وتعليقات وكتابات تصبح إضطهاداً مزدوجاً, نرجو معه من الصحفيين نيل حقوقهم عن طريق القضاء اسوة بالآخرين, فهو الملاذ الأمين لكافة المظلومين والمحرومين واللاجئين والمشردين ومن في حكمهم, صحفيين وغير صحفيين.