بيان (حقيقي)حول القدس: بقلم - د. حنيف القاسمي

بعيدا عن الاجواء الحماسية المفتعلة الناتجة عن بيانات التنديد والشجب والاستنكار .. الخ تلقينا في الاسبوع الماضي بيانا من نوع آخر, يختلف اختلافا تاما عن سوابقه, صدر في دبي, وكان وراءه سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة وقد وجهه الى ضمير هذه الامة, وموضوعه القدس الشريف, بيان (دبي) اشتمل على منحة حمدان بن راشد لدراسات بيت المقدس وهي منحة لدراسة الدكتوراة مخصصة للدراسات التي تتصل بالقدس من كافة جوانبها المعرفية, التاريخية والمعمارية اضافة الى الاعتناء بجانب هام في تاريخ هذه المدينة ــ مهمل الى حد كبير ــ الا وهو جمع الوثائق تمحيصا وتحقيقا, لاثبات عروبة القدس واسلاميتها. يكفي هذا البيان, انه محاولة عملية لتقديم (شيء) للقدس, بدل ذلك العويل والصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب. ويكفيه كذلك, انه ابتعد عن لغة التيئييس والاحباط الشائعة في كتابات بعض مثقفي هذا الزمان, الذين ما برحوا يلوحون برايات اليأس والاستسلام, والتسليم بالواقع الذي يحكي فصولا مأساوية أليمة في تاريخ هذه المدينة وما حولها. ويكفيه كذلك, انه نأى بنفسه عن تلك اللغة التي ترد في البيانات ذات الطابع الحماسي (شبه العسكرية والتي توجه التهديدات العنيفة لـ (العدو الصهيوني المغتصب) محذرة اسرائيل من المصير المشؤوم الذي ينتظرها ان هي ماطلت, او سوفت, في الاستجابة للاتفاقات المعقودة مع العرب. كما انه ابتعد عن البيانات الاخرى التي تخاطب عواطف الجماهير العربية, لا عقولهم, تدغدغها وتريح اسماعها, وربما اعصابها, والتي ادركت اسرائيل انها, اي تلك البيانات, عديمة القيمة والجدوى, فهي في حقيقة الامر كلام فارغ يطلق في الهواء, لا قيمة لها على ارض الواقع. في المداخلة التي شاركت فيها عند الاعلان عن اسماء الفائزين بتلك المنحة الكريمة, اشرت الى ضرورة الافادة من نتائج تلك الدراسات باتاحتها للباحثين المعنيين بشؤون القدس وفلسطين, بل وللقادة وصناع القرار السياسي بحيث تكون تلك النتائج العلمية مادة وادلة تثبت الحقوق العربية في تلك الارض. كما انه يجب كذلك توظيف تلك النتائج في تعريف الرأي العام الغربي بالحقوق التاريخية للعرب والمسلمين في تلك المدينة, بالاضافة الى تزويد الدوائر والمؤسسات الثقافية والتعليمية الغربية بتلك النتائج, وبثها عبر وسائل الاعلام لتحقيق ذلك الهدف. كما انه يجب, وانسجاما مع اهداف المنحة, الالتفات الى الابحاث والدراسات التي قام بها الباحثون والخبراء من غير العرب والمسلمين وهي الدراسات التي انتهت الى تفنيد الكثير من المزاعم الصهيونية في القدس, بل وبلغت جرأة بعضها على الخوض في الكثير من المسلمات لدى الفكر اليهودي التقليدي السائد, المعتمد على الاساطير المدونة في كتب القوم المقدسة وتفاسيرها, وربما كان من المفيد هنا الاشارة الى بعض تلك الدراسات ونتائجها وبالمناسبة فإن بعضها قديم جدا, واحد ابرز تلك النتائج كانت لفيلافيوس المؤرخ اليهودي البارز, الذي عاش في العهد الروماني, فترة معاصرة الهيكل, ولكنه لم يذكر موقع الهيكل, وقد قال فيلافيوس ان اولاد اسماعيل انتشروا ما بين الفرات والبحر الاحمر, وكانت تدعى ارض الانباط. وفي العام الماضي (ابريل 1998) نشرت صحيفة معاريف الاسرائيلية تقريرا اشتمل على بعض الاراء لعلماء اثار يهود معاصرين تشكك في الروايات اليهودية في شأن الوجود اليهودي في فلسطين ورحلتهم اليها, ومن ابرز اولئك العلماء الدكتور يسرائيل فنكلشتاين, رئيس قسم الاثار في جامعة تل ابيب, الذي نشر بحثا علميا تناول فيه ظهور اسرائيل القديمة من منظور علم الآثار الحديث واعلن فيه معارضته, وعدم قبوله بالرواية التوراتية بشأن خروج الشعب اليهودي من مصر, والذي ورد في كتبهم المقدسة. وتم بناء على الرواية, او الحكاية, تصميم الخرائط وتدافع العلماء لبيان رحلة الشعب اليهودي, شعب العبيد عائدين الى ارض كنعان. تجلى التشكيك في تعليق فنكلشتاين الذي قال: خلال عشرات السنوات من البحث الاثري العلمي لم يتم اكتشاف اية براهين اثرية لحكاية الخروج من مصر رغم حراثة سيناء كلها ودلتا النيل طولا وعرضا وعمقا ليس هناك اية براهين على ان الاسرائيليين القدامى قد مروا من هنا. مراجعة فنكلشتاين للروايات التوراتية, بل ونقده لها, وتشكيكه فيها, امور لا تخلو من مخاطرة كبرى جلبت له وعليه حملة هجومية شرسة من قبل اقرانه علماء الاثار اليهود وان كان هؤلاء من التوراتيين التقليديين حتى ان بعضهم وصفه بمعاداة التوراة واسرائيل! ومع ذلك يبقى فنكلشتاين (حالة) اسرائيلية ايجابية بثت اراءها الجديدة في ضوء الادلة التي اسفر عنها البحث الاثري والمكتشفات التي لم تثبت الاقوال والمعتقدات اليهودية السائدة. ولا شك ان هذه (الحالة) سوف تكسب اصواتا مويدة اخري في اوساط الباحثين الاسرائيليين واليهود وانفسهم بل ولدى غلاة المتعصبين للروايات التوراتية, من امثال البروفيسور ديفيد اوسيشكين والمتخصص البارز في علم الاثار والذي اعلن في نهاية عام 1997 وفي اجتماع علماء الاثار الذي عقد في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة وكان قد شارك كما ذكرت صحيفة معاريف قبل اربعين عاما في كشف احد قصور الملك سليمان اعلن انه غير رأيه وهو اليوم يتفق مع فنكلشتاين, بل انه ذهب الى ابعد من ذلك عندما قال: مقابل الادعاء المعروف القائل ان كل ما ورد في التوراة يقف على ارض صلبة, اقول انا الآن: الامر ليس على هذا النحو وانا اعلم انني زرعت بذور الشك! الخلاصة الهامة في بحث فنكلشتاين انه قلب بنتائجه المثيرة التي توصل اليها وجه العديد من نقاط الاجماع المتفق عليها لدى الفكر اليهودي واستطيع الزعم بأن تلك النتائج تمثل جانبا كبيرا من الاهمية بحسبانها مصدرا رئيسيا وهاما ينبغي للباحثين المعنيين بشأن القدس الرجوع اليه والافادة منه فهو شاهد من اهلهم. والمتوقع ان يجد الفائزون بمنحة حمدان بن راشد لدراسات بيت المقدس في امثال تلك الاقوال والدراسات الاسرائيلية ادلة اخرى تثبت اهداف هذا المشروع الحضاري الذي سعدت به الامة على يد هذا الرجل الكريم, بعد ان طال غمتها فله التحية على هذه المبادرة.

طباعة Email