الصدفة وحدها هي التي احيت واجب العزاء في الذكرى السنوية العشرين لمعاهدة كامب ديفيد. لقد فقد المصريون شهيتهم لتناول طبق السلام المطبوخ على الطريقة الإسرائيلية , فقد عجن الاسرائيليون السلام بالسموم والهموم, ورشوا عليه املاحا شديدة الملوحة من عقدهم النفسية والامنية والدينية والتاريخية, وضربوه بالبيض الفاسد في خلاط التوسع, وبدلا من ان يضعوه في الفرن وضعوه في الفريزر, وبدلا من ان يقدموه ومعه قرنفلة, قدموه ومعه قنبلة, فكان ان رفضه المصريون, وعافته انفسهم, وفضلوا عليه طبق الفول الشهير الذي يتناولونه منذ سبعة آلاف سنة, مع انهم وعدوا بانهار العسل والحليب وجنات الرخاء التي تجري من تحتها الانهار لو وافقوا على السلام, وقد وافقوا, لكنهم وجدوا الشقاء, لا الرخاء. وهكذا .. راحت ذكرى معاهدة كامب ديفيد تمر في فتور سنة بعد اخرى حتى جفت في عامها العشرين تماما, ولكن, الصدفة والصدفة وحدها نصبت العزاء في السلام, في الذكرى العشرين لولادته ميتا. ففي هذه الذكرى عرض فيلم يواجه التطبيع, ويحذر منه, ويصرخ في وجهه, هو فيلم (فتاة من اسرائيل) وهو اسم تجاري وضعوه في اخر وقت قبل العرض وكان اسمه (ظل الشهيد) وهو مأخوذ عن قصة (الوداعة والرعب) لمحمد المنسي قنديل, والفيلم هو العمل الاول للمخرج ايهاب راضي, وهذا ما يعطيه اهمية خاصة, ليس لان الترحيب بالمواهب الشابة فريضة, ولكن لانه يعبر عن وجهة نظر الجيل الذي تفتح وعيه في ظل علاقات السلام والتطبيع مع اسرائيل, الجيل الذي راهنوا انه سيولد بدون ذاكرة وطنية, وسينسى جراح الحروب وظلال الشهداء, وسيحولهم إلى خردة يبيعها في اسواق تل ابيب. القصة التي كتبها محمد المنسي قنديل تدور في فارنا في يوغسلافيا ــ وكانت في يوم من الايام مصيفا مناسبا للطبقة الوسطى ــ حيث يقع شاب مصري جاء في رحلة سياحية مع اسرته في حب فتاة اكتشف فيما بعد انها اسرائيلية, والحب هبة من عند الله, لا دخل لارادة البشر فيه, ولكن عندما يصبح الحب ارتباطا يتدخل المجتمع ويفرض شروطه, الحب في هذه الحالة محكوم بالعوامل السياسية, والاقتصادية, والدينية, وغير معزول عن الحياة العامة, فلم يعد بوسعك ان تختلي بحبيبتك دون ان يكون صندوق النقد الدولي ـ بشروطه الاقتصادية الصعبة ـ ثالثكما, ولم يعد بوسعك وانت تنظر في عينيها ان تتجاهل القصف الامريكي للعراق, ولم يعد بوسعك وانت تدعوها على عشاء ان لا تحدثها عن ذبح المسلمين في البلقان, في ابشع عملية ابادة عرقية ونحن على ابواب قرن يقولون انه سيكون قرن الحقوق والحريات, ان الحب اصبح محكوما بالعامل السياسي, حتى ليخيل لي ان كل قصة حب معاصرة في عالمنا العربي تقع في اطار اجهزة وادوات التنصت والرادارات الاسرائيلية أو اجهزة الامن العربية. كان من الصعب على الاسرة المصرية ان يقع ابنها في حب فتاة اسرائيلية, فالاب مدرس تاريخ, كان مهمته في الحياة تنمية الوعي السياسي للاجيال الجديدة, والام لم تخرج من احزانها على ابنها الشهيد الذي ذبحه الاسرائيليون في حرب يونيو ,1967 لاتزال جراح الاسرة مفتوحة, ولم يعرف الفرح طريقه اليها الا بعد ان تخرج ابنها الثاني الذي سيقتله الاسرائيليون بالتطبيع العاطفي والجنسي, كما قتلوا شقيقه الاكبر بالرصاص, والدفن حيا هو وباقي الاسرى, في مقابر جماعية. تغير موقع الاحداث في الفيلم من فارنا إلى طابا, ورغم ان الموقع جميل وساحر ومنح الفيلم فرصة لالتقاط مشاهد جذابة بتلاقي الجبال والمياه وسقوط الشمس وبزوغها ورعاية القمر للصحراء في الليل, فان هذا الاختيار اضعف السيناريو قليلا, فالسيناريو مبني على عدم معرفة الشاب المصري بجنسية الفتاة الاسرائيلية التي يقع في هواها, ويمكن ان نصدق ذلك في فارنا, حيث كل جنسيات العالم, ويصعب ان نصدقه في طابا, لان الجنسية الغالبة هناك هي الجنسية الاسرائيلية, فالاصل ان كل ما في طابا هو اسرائيلي إلى ان يثبت العكس, ولو تجاوزنا هذه النقطة فاننا لن نتجاوز الصراخ والخطب الانشائية التي لجأ اليها الفيلم في التعبير عن مخاوف المصريين من التطبيع وسيطرة اليهود على بلادنا, هي رؤية سياسية ضيقة الافق من صناع الفيلم, فنحن لا نخاف اسرائيل, ولا نخاف من سيطرتهم على مقدرات الامور في بلادنا, نحن نرفض التطبيع لان الحواجز النفسية بيننا وبينهم لم تسقط, وانفاسهم الثقيلة على الاراضي المحتلة لاتزال تضغط عليها, وصراع الوجود, والحدود بيننا وبينهم لايزال ساخنا حتى لو كانت هناك معاهدات واوراق. ان اسرائيل مجتمع عسكري وعرقي وتوسعي, وهي صفات وخصائص لا تستطيع ان تمنح شيئا حقيقيا للسلام, و(الجيتو) الاسرائيلي الذي لايزال محكوما بعقد الخوف والعزلة لا يفتح ابوابه لاحد من خارجه, لان اي اختراق لجدران (الجيتو) هو اختراق للتاريخ السري للمجتمع اليهودي, وهو مجتمع يحاصر نفسه من ايام الانبياء الاوائل, ويرفض الدخول في اي علاقات ــ تتجاوز علاقات البيع والشراء ــ مع المجتمعات الاخرى. ولا يكفي ان نذهب للصلاة ركعتين في المسجد الاقصى, أو نوقد شمعة في كنيسة القيامة, ونقيم ليلة في فندق الملك (داوود) كما فعل الرئيس الراحل انور السادات, حتى يفتح المجتمع الاسرائيلي ابوابه على مصاريعها, ويأخذنا بالاحضان, ويرحب بالسلام ويغني لنا: طلع البدر علينا. ان كل الذين تصوروا ذلك, ذهبوا بعيدا باحلامهم, واوهامهم, وفقدوا ارتباطهم بالارض, وتعذر عليهم رؤية الاشياء بحجمها الطبيعي, وهو امر طبيعي, يحدث لكل من يسبح في الفضاء, ويبقى تائها في منطقة انعدام الوزن, ولعل كل الذين احتضنوا اسرائيليين بدعو السلام, اكتشفوا في النهاية انهم يحتضنون قنفذا بريا يمتلىء بالمسامير, والخناجر, والاشواك. ويدور حوار صريح بين والد الشاب المصري (عبدالغني مدرس التاريخ) ووالد الفتاة الاسرائيلية (يوسف مدرس الفلسفة) وخلفهما دير سانت كاترين: الاسرائيلي: لا أنا مسيحي, ولا أنت .. لكن جميل في الاديان انها تلتقي, والشموع تقاد, والاسلحة تختفي. المصري: تقصد تختفي في مخابئكم السرية عشان لما نأمن لكم تظهروها, ده طبعكم. ــ أنت ليه بتتكلم بمنطق الحرب, أنا بأكلمك بمنطق السلام. ــ لعب بالالفاظ, تحايل, مناورة, خداع, عايز تقنعني انكم صحيح بتوع سلام؟ ــ شوف الايجابيات اللي بيننا, احنا تاريخ مشترك, رؤساؤنا ورؤساؤكم حطوا بذرة لتطبيع العلاقات, والوفود بيننا رايحة, جاية, واسمح لي اقول لك ان بنتي وابنك متفاهمين اكثر منا, احنا بنمد ايدينا بالسلام. ــ للاسف عمركم ما حتتغيروا, نفس المنطق المغلوط, والحقيقة المقلوبة, لو قرأت جرائد النهارده أو امبارح أو بكره ح تقرأ فيها عن حبكم وعن سعيكم للسلام, غارة على جنوب لبنان, تفجير بيت في غزة, طياراتكم بتفرش الدم في كل مكان. ــ استاذ عبدالغني, أنا كل هدفي اننا نطبع العلاقة بيننا, نبقى اصدقاء. ــ أنا اقولك .. انتو عايزين تطبعوا العلاقات بينا ليه؟ لغاية ما تهضموا الارض اللي احتلتوها, معدتكم دلوقت ما تسعش اكثر من كده. ويتكرر الحوار نفسه بينهما في مشاهد النهاية, مع تبادل اللكمات هذه المرة, في اشارة واضحة على ان الصراع الدائر لن يكون بالكلام فقط, وانما سيكون بالعضلات ايضا, لن يكون صراعا باردا فقط, وانما سيكون ساخنا كذلك, ونجد هذه الاشارة متكررة في مشاجرات الاجيال الجديدة من الطرفين. وفي الفيلم نجد البطل الشاب ينسى دروس التاريخ التي تعلمها من ابيه, وينسى تجارب الدم والحزن التي عاشها هو واسرته بعد استشهاد اخي, وينسى فتاته السمراء التي تحبه, ويندفع نحو شهواته التي فجرتها بحرية الفتاة الاسرائيلي, ويندفع نحو تصوراته الوهمية عن مستقبله الذي سيبدأ بقوة بعبوره الناحية الاخرى من طابا, إلى إيلات, ومنها إلى امريكا, يترك كل شيء وراءه, وطنه, وحبه, واسرته, وتاريخه, ليبدأ مستقبله في اسرائيل, وكان يمكن ان ينتهي الفيلم على هذا النحو, لولا ان صناع الفيلم ــ وعلى رأسهم مخرجه الشاب ـ تصوروا ان ذلك مستحيل, وان هذه الرحلة إلى اسرائيل هي هزيمة لنا وانتصارا لهم, فكان ان عاد الشاب إلى طابا سابحا في المياه بعد ان ابحر القارب الذي يحمله إلى ايلات, وهي نهاية سعيدة في السينما المصرية التي ادمنت النهايات السعيدة, ولكنها في الوقت نفسه نهاية تعبر عن رأي جيل ايهاب راضي في التطبيع, واسرائيل, والسلام المدفون في فريزر, والحرب الباردة بين العرب واسرائيل وهي حرب ربما تكون اشد ضراوة, واطول عمرا من حروبنا الساخنة معها. وجهة نظر تقول ان الاجيال الشابة التي ولدت بعد كامب ديفيد ربما فقدت الوعي قليلا, وربما اخطأت في احلامها كثيرا, لكنها في النهاية استردت صوابها, واعادت وعيها المفقود, وافاقت من الاوهام التي وضعوها في السجائر المحشوة بالبانجو. لكن .. نهاية الفيلم على هذا النحو الرومانسي, الوطني, الذي يسعد المتفرج هي نهاية ادمنتها السينما المصرية, سينما النهايات السعيدة, هي نهاية تجاوزها الواقع, فكثير من الشباب ــ الذين في نفس عمر بطل الفيلم وفي نفس مشاكله الاقتصادية ــ قد تعرفوا على فتيات اسرائيليات, سواء في سيناء, أو في اسرائيل التي سافروا اليها بحثا عن عمل, وكانت هناك علاقات, ومخدرات, وبعضهم انجب في الحرام من يهوديات, وهو موضوع استفز الصحف العبرية كثيرا, وسبب مشكلة في اوساط المتشددين دينيا في اسرائيل, وقد طالب هؤلاء المتشددون بطرد الاطفال, الحرام وترحيلهم إلى مصر, ورجم امهاتهم عقابا على جريمة الزنا, وقد تكرر نفس الطلب مع الاسرائيليات اللاتي تزوجن من مصريين وانجبن منهم اولادا وصل بعضهم إلى سن الدراسة, وقد كان عدد هؤلاء الاطفال منذ عامين 46 طفلا, وقد وصفتهم الصحافة هناك بالمصريين الجدد, وطبقا للقانون الاسرائيلي المدني حصل اباء هؤلاء الاطفال على الجنسية الاسرائيلية, ولكن طبقا للقوانين الدينية فان امهاتهم اليهوديات يجب رجمهن بتهمة الزنا, فلا زواج بين يهودية وغير يهودي, وان كان الاطفال يصبحون يهودا طبقا للقاعدة السائدة, ان اليهودي هو من كانت امه يهودية. ولعل سبب تخلف الفيلم عن الواقع هو انه استغرق في اعداده اربع سنوات ما بين اعتراض الرقابة وموافقتها, ما بين كتابة السيناريو ثلاث مرات والتصوير في طابا, وهو اجمل ما في الفيلم, وقد تسبب هذا التأخير في ان اصبح الفيلم مجرد نسخة عصرية سياسية غير محكمة من روميو وجولييت, أو اصبح معالجة ساذجة, زاعقة لكثير من قصص الحب التي كتبت من قبل عن غراميات العرب واليهود ايام وجودهم في البلاد العربية قبل هجرتهم إلى اسرائيل, أو بين يهوديات وعرب في فلسطين المحتلة, وهي مشكلة من المشاكل المزمنة في اسرائيل, حاول بعض المتطرفين حلها بقتل الرجال الفلسطينيين الذين يتسببون فيها أو القاء ماء النار بين سيقانهم كما كان يفعل انصار الحاخام المتطرف مائير كاهانا, وكان هناك حلا اخر لجأت اليه السلطات الاسرائيلية مع المصريين الذين سافروا وتزوجوا هناك, وهو سحبهم إلى الحدود المصرية وضربهم وطردهم عندها. ان التجارب التي عاشها شاب مصري في اسرائىل ــ في الحب والعمل والانجاب والتعامل مع المجتمع هناك ــ هي تجارب اشد قسوة من التي عاشها بطل الفيلم, هي تجارب يتجسد فيها كل عناصر الاختلاف والكراهية والعنصرية ومشاعر التعالي من الجانب الاخر, وهذا ما جعل اعداد الشباب المصري الذي كان يسافر إلى اسرائيل تتراجع عاما بعد عام, واحلامهم تتساقط حلما بعد حلم, ربما يظل بطل الفيلم يتذكر الفتاة الاسرائيلية التي تركها وعاد إلى أهله ووطنه, وربما يندم لانه لم يكمل التجربة, وربما يشعر ان فرصة عمره ضاعت تحت شعارات وطنية جوفاء, ربما, ولكن الشباب المصري الذي عبر إلى الجانب الاخر, ضاربا عرض الحائط بكل الجذور والاصول هو الذي دفع الثمن غاليا, هو الذي يستحق ان نسجل تجربته صحفيا, وادبيا, وسينمائيا, هو الذي سيقول لنا ــ كما قال للصحف العبرية ـ ان اسرائيل ليست جنة وانما هي جهنم, هي نوع من الذهب القشرة, يبرق من الخارج فقط, اما ما تحت هذا البريق فهو صدأ, وصديد.