الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال تعالى: ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين . منذ ان اشرق نور الرسالة الاسلامية سطرت سيرة الاسلام صلاحا ونجاحا وفلاحا لم يعهد تاريخ البشرية لها مثيلا. لقد اسس الاسلام دينا عالميا مازال يتمدد في كل اجزاء العالم, واسس المسلمون حضارة استصحبت عطاء حضارات الانسان السابقة واتت بنسيج وسطي فريد. واستطاعوا ان يؤسسوا كيانات سياسية هيمنت على الربع المعمور من العالم لمدة الف عام. ولكن منذ ثلاثة قرون استطاعت الحضارة الغربية ان تستصحب عطاء الحضارات السابقة لا سيما الحضارة الاسلامية, وان تبدع الحضارة الحديثة التي تفوقت على كافة الحضارات الاخرى وهيمنت عليها. ان الذي اهل الحضارة الغربية الحديثة لذلك التفوق امران: الاول: هو ان الحضارة الحاملة للمشعل قبلها, اي الحضارة الاسلامية, قيدها الجمود الفكري والثقافي, واضعفها التفرق المذهبي, واقعدها التخلف الاقتصادي والاجتماعي, وحبسها الاستبداد السياسي فتآكلت وتراجعت حتى صارت كالمستعدة للغزو الاجنبي والاستسلام له. والثاني: القدرات الذاتية للحضارة الغربية بلغت شأوا عظيما نتيجة لثلاثة عوامل: اولا: الحرية الفكرية وحرية البحث العلمي والتكنولوجي. ثانيا: تأسيس نظام سياسي يقيم الحكم على رضا المحكومين ويعرض الحكام لمحاسبتهم عبر مؤسسات مقننة ويحقق أمرين هامين عما: أ. التداول السلمي للسلطة عبر مؤسسات دستورية. ب. تقنين الوظيفة العسكرية واخضاعها للشرعية الدستورية. ثالثا: تأسيس نظام اقتصادي حقق جدوى استثمارية وانتاجية عالية عن طريق الاستغلال الفعال لتطور العلم والتكنولوجيا وآلية السوق الحر. هذه العوامل مكنت الحضارة الغربية الحديثة ان تقيم نظما سياسية مستقرة ومتطورة وان تقيم نظما اقتصادية منتجة ومحققة لاعلى درجة من التبادل التجاري الداخلي والخارجي وان تبني قوات مسلحة محصورة في اداء وظيفتها العسكرية عالية الكفاءة القتالية والتنظيمية واستطاعت الحضارة الغربية الحديثة ان تكتسب قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مكنتها من فرض هيمنتها على سائر انحاء العالم. اثناء القرون الثلاثة الماضية وضعت الحضارة الغربية الحديثة المهيمنة الحضارات والبلدان الاخرى امام واحد من ثلاثة خيارات: أ. رفض الحضارة الغربية ومقاومتها وبناء الحياة على اساس مستقل عنها. ب. الامتثال للحضارة الغربية باعتبارها تمثل مستقبل الانسان المحتوم وبناء الحياة على اساس التشبه بها. ت. اتخاذ موقف وسط يحافظ على الهوية الثقافية والحضارية ويقبل التحديث ويفرق بين المقومات الذاتية للحضارة الغربية وبين الحداثة. لقد اخذ بالخيار الاول دعوات وحركات وثورات عديدة في العالم الاسلامي هدفها بناء الحاضر على بعث الماضي واستلهام انجازاته ومقاومة ورفض الحضارة الغربية بحذافيرها. هذه المواقف حققت في كثير من البلدان بطولات ونجاحا مؤقتا ولكنها في النهاية تهاوت امام القوة الاقتصادية والآلة العسكرية الغربية. كانت الدعوة المهدية في السودان انجح مواقف التصدي للهيمنة الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي, وكان تصديها وبطولاتها مضرب الامثال في الشجاعة والاقدام, ولكن الكيان السياسي الذي اقامته الدعوة المهدية بعد صموده لاكثر من عقد من الزمان تصدع امام الآلة العسكرية الحديثة. اما الخيار النقيض, الخيار الثاني, فقد اخذ به آخرون لا سميا في آسيا الوسطى وفي الجزائر الفرنسية وفي تركيا الكمالية. هذه المحاولات مع ما توافر لها من اسباب التمكين تراجعت امام دعوات التأصيل الديني والحضاري والثقافي. واقع الحال الآن هو ان البلدان التي تمت فيها محاولات البعث الماضوي المحض تشهد انفتاحا عصريا. والبلدان التي تمت فيها محاولات انخراط في الحضارة الغربية تشهد بعثا تأصيليا. هذا معناه ان النهج الافضل والاجدى هو التزام التأصيل دون انكفاء والتحديث دون تبعية. ان علاقة الحضارة الغربية بالحضارة الاسلامية معقدة لاسباب اهمها: 1. الحضارة الاسلامية تكمن فيها تيارات مشدودة الى نجاحها القديم لدرجة تجعلها تظن ان استنساخ ما حدث تاريخيا ممكن. هؤلاء يسقطون نجاح الماضي على الحاضر فيشلون حركته. هؤلاء يعتقدون ان التعامل المشروع مع الاديان الاخرى والحضارات الاخرى هو ذلك التعامل الذي يقاس على سابقه في الماضي ولا مشروعية لاية معاملات تقوم على انماط مختلفة. 2 ـ الحضارة الغربية الحديثة تعاملت مع الحضارة الاسلامية بدرجة عالية من الذعر لأنها الحضارة الوحيدة التي كادت تمتصها بسبب تفوقها الفكري والتكنولوجي والثقافي عليها, كما كانت الحضارة الغربية في وجودها أكثر من مرة, لذلك صار التخوف من الإسلام والمسلمين شيئا عاديا في كثير من النفوس الغربية. 3 ــ الحضارة الغربية الحديثة تعاملت مع الحضارات الأخرى بدرجة كبيرة من التعالي وافتراض الدونية, وكان تعاملها مع المسلمين ظالما مهينا غدارا لم يراعوا فيهم إلا ولا ذمة, لذلك صار بغض الغرب وأهله قريبا من نفوس كثير من المسلمين. 4 ـ ان اصرار الغرب على التعامل مع الحضارات الأخرى بالتعالي ومع المسلمين بالظلم يغذي مشاعر الكراهية والتنافر في الطرفين ويرفد تيارات التشدد والمواجهة فيهما مما يسوق العالم إلى فترة صدام ظلامية. فترة ظلامية آتية حتما ما لم تهزم الحضارة الغربية نزعات التعالي والظلم فيها, وتنتهج وهي في موقف القوة والهيمنة الحالية نهجا ذا خمس شعب: * الاعتراف بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة مركبة ساهمت كل حضارات الانسان السابقة لا سيما الحضارة الاسلامية في تكوينها. * الاعتراف بأن الحضارات الانسانية والثقافات الأخرى لها دورها في بناء حاضر ومستقبل الانسانية, ولا يجوز التعامل معها ككائنات منقرضة أو في طريقها للانقراض الوشيك. * التسليم بأن منجزات الحضارة الغربية الحديثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية الصالحة لاستصحاب البشر لها في كافة البلدان, سيتم استصحابها برؤية ذاتية لا بالاكراه, والرؤية الذاتية هذه تشتمل على أقلمة ثقافية واجتماعية تحددها الشعوب المعنية باختيارها. * ان الغرب قد كان سببا أساسيا في تكوين عدد من بؤر النزاع الساخنة, ومهما كانت مسؤولية الاطراف المحلية عن استمرار تلك البؤر الملتهبة فإن اعتراف الغرب بدوره في تكوينها واستعداده للقيام بدور تكفيري في علاجها أمر هام وعتبة نحو علاقات دولية سليمة وسوية,أهم تلك البؤر هي: أــ قضية الحق الفلسطيني المغصوب وقيام دولة اسرائيل على حسابه. ب ــ قضية كشمير وأهلها كشعب متطلع لتقرير مصيره. ت ـ مسألة جنوب السودان وما كان من أمر سياسة الاستعمار لتطوير الجنوب على أساس مناقض لما في الشمال ثم عكس تلك السياسة في فترة زمانية لم تكف لتكريس الاتجاه الجديد. * ان للغرب الاستعماري مسؤولية في تخلف البلدان التي وقعت تحت نير الاستعمار, صحيح ان للقيادات الوطنية التي حكمت هذه البلدان بعد استقلالها مسؤولية في الابقاء على التخلف, لكن ينبغي ان نعترف أن النظام العالمي السياسي والاستراتيجي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية كان نظاما بالنسبة لدول الجنوب والعالم الإسلامي جزء منه غير متكافئ. فتحرير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين عالم الجنوب أي جنوب الكرة الأرضية المتخلف, وعالم الشمال المتقدم, وحصول عالم الشمال على أهم أسباب الرقي والتقدم سوف يؤدي إلى اتساع فجوة التنمية بين نصفي الكرة الأرضية بل ان هذا الوضع غير المتكافئ بالاضافة إلى تقصير كثير من قيادات عالم الجنوب سوف يؤدي إلى تهميش الجزء الأكبر من عالم الجنوب, هذا التهميش سوف يؤدي حتما إلى التظلم والغبن, والاحتجاج. ينبغي ان يهتم عالم الشمال كقيادة فعلية للأسرة الدولية اهتماما خاصا بالتنمية في عالم الجنوب لأسباب كثيرة أهمها: أ ـ أسباب سياسية, فالاحتجاج والتظلم لا يمكن حصره في عالم الجنوب بل سوف يتعداه إلى الشمال عبر عدد من وسائل الاحتجاج نسميها أسلحة الضمار الشامل, ونذكر منها تكوين مصادر مستمرة لحركات الارهاب الذي يمكن ان يسمي نفسه أسماء عديدة ولكنه في النهاية احتجاج سياسي يتخذ العنف أسلوبا. ب ـ القنبلة السكانية التي يمكن ان تنفجر في عالم الجنوب وتكون لها آثار سلبية في كافة أنحاء العالم. ت ــ القنبلة الايكولوجية . ان تصرف أي جماعة أو دولة في العالم بطريقة غير مسؤولة نحو البيئة والطبيعة سيكون له آثاره السلبية العامة. ث ــ قنبلة المخدرات, ضبط التعامل مع المخدرات انتاجا وتوزيعا أمر مهم ولا يمكن تحقيقه إلا على أساس دولي حازم. ج ـ القنبلة الصحية, ان العالم يشكل بيئة صحية واحدة وان علاج الأوبئة والوقاية من المخاطر الصحية يتطلبان مشروعا صحيا عالميا. ح. الهجرة غير القانونية. هذه الظاهرة سوف تستمر وتتصاعد ما لم تعالج اسبابها الاساسية وعالم الشمال لا يستطيع ان يتعامل معها كظاهرة امنية فحسب وان حاول ذلك فلا يحقق نجاحاً جزئياً الا على حساب الغاء الحريات العامة في مجتمعاته. ذلك النهج الغربي المطلوب يشكل لنا بيئة خارجية صالحة ولكن الاهم منها ان نقف نحن المسلمين وقفة صدق مع الذات نحاسب انفسنا ونحسب خطأنا لأن تجديد دورنا الفاعل في الحياة يبدأ بصحوة ذاتية. يجب ان نعترف اننا استقبلنا وحيا هو الاوثق لان الكتب الاخرى لم تدون على نحو ما حدث للقرآن الكريم. كذلك كان نبينا هو الاكثر تاريخية بالقياس للرسل الآخرين الذين محت اكثر تفاصيل سيرتهم الايام اللهم الا ما دون منها في القرآن الكريم. هذه الحقائق الناصعة حبسنا بها انفسنا في الماضي دون مبرر ديني صحيح الملزم لنا بموجب عقيدتنا هو القطعي ورودا والقطعي دلالة من النصوص الاسلامية. لكننا الزمنا انفسنا بتفاسير للقرآن, وبمدونات للسنة, وباستنباطات في الفقه, وبروايات للسيرة, جعلناها ملزمة لحاضرنا ومستقبلنا فألبسنا الفكر والثقافة والحياة قميص حديد ماضويا. ان في شريعة الاسلام ما هو ثابت ومتحرك وان من مقاصدها التوفيق بين حقائق الوحي والعقل. ولكن الزام انفسنا بتلك التفاسير والاستنباطات والروايات يلحق اجتهادات عقول الاقدمين بحقائق الوحي, ويلحق المتحرك من احكام الشريعة بالثابت وهذا معناه الغاء دور العقل والغاء هامش حركة الخلف.. ان في هذا تضييقاً لواسع وتبديداً لمقاصد الشريعة. الاسلام رسالة خاتمة خاطبت الانسانية في مرحلة نضجها, وكلفتها بالاجتهاد في كل ما ليس قطعي الورود وقطعي الدلالة, ان على امة الرسالة الاسلامية واجبا نجاحها في ادائه يؤهلها لقوله تعالى: (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). وإخفاقها في ادائه هو السبب المباشر لما تعاني منه اليوم من انحطاط, انها معاناة سوف تستمر ما بقيت اسبابها, ولا يخرجنا منها الا جهدنا واجتهادنا: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..). اننا ونحن نستقبل القرن الميلادي الجديد نشاهد بوضوح: 1- الاسلام الديانة, الذي فصلته حقائق الوحي واحكامه ثابتة لا ينفك يعمق في النفوس وفي التربية, ولا ينفك يتسع انتشاراً بصورة جعلته حتى يومنا هذا الدين الاوسع انتشاراً في كل قارات العالم. 2- الاسلام الحضارة ــ اي ديوان الحوار بين المسلمين والحضارات الاخرى والمجتمع والتاريخ ــ كون حضارة عالمية متفردة يزيد تقديرها يوما بعد يوم. 3- لكن مع ان الاسلام كأساس للنظام الاجتماعي مشتمل على ارفع المبادىء السياسية والاقتصادية والاجتماعية واكثرها تفوقاً على افضل ما افضى اليه التقدم الانساني في المجال الاجتماعي.. مع ذلك كله, فإن المسلمين اليوم يعيشون واقعاً اجتماعياً سيئاً, الشعوب الاسلامية هي الاكثر ضحية للجمود الفكري والثقافي في العالم, وبالتالي هي الاكثر تخلفاً اقتصادياً وسوء توزيع للثروة والدخل. وهي الاكثر تعرضاً للهيمنة الاجنبية والسبب واضح: دور العقل في التفسير والاستنباط وتحليل الروايات, ودوره في التعامل مع الجوانب المتحركة من الشريعة دور هام في مجال المعاملات اي في المجال الاجتماعي, انه دور يقع التكليف به على الامة وتعطيله يدل على تقصير الامة في القيام بواجبها ويؤدي الى ما ادى اليه من واقع اجتماعي كريه. يا أهل القبلة تعالوا الى كلمة سواء بيننا أولاً: ان كتابنا واحد معلوم ومحفوظ النص, ورسولنا واحد معلوم السيرة والهوية, هذه من نعم الله علينا كتاب الله وسنة رسول الله بين ايدينا, علينا ان نؤمن تماماً بأن ما نلتزم به هو القطعي وروداً والقطعي دلالة من الكتاب والسنة, اما الظني وروداً والظني دلالة وما ليس فيه نص اصلاً فأمور اجتهادية غير ملزمة لنا. ثانياً: التعامل مع الآخر المذهبي الاسلامي يجب ان يقوم على الايمان المشترك بالقطعيات والاعتراف المتبادل بالاجتهادات على اساس ان التقليد في الاجتهادات غير ملزم وان القاعدة السنية من اجتهد فأصاب فله اجران ومن اجتهد فأخطأ فله اجر واحد. ثالثاً: هنالك عوامل مستجدة اختلف المسلمون حول كيفية التعامل معها: * اهل السنة قالوا بالتعامل مع المستجدات على اساس القياس والاجماع. * الشيعة قالوا بمعرفة خاصة للأئمة ولمراجع التقليد في غيابهم, هؤلاء يفتون في امر المستجدات. * الصوفية قالوا بان الصالحين ملهمون مكشوف لهم الحجاب مما يتيح لهم معرفة خاصة للتعامل مع كل الامور وعلى الآخرين اتباعهم. لقد جادل المسلمون كثيرا حول تلك الاساليب, فمن قائل ان القياس غير صحيح, لانه لا تكون حالة مثل حالة ابدا, وقائل ان الاجماع في امر من الامور غير القطعية لم يقع ابدا, وقائل ان الائمة المعنيين لم يوجدوا اصلا, وان القول بالكشف مختلف عليه, وغيرها من مقالات الاسلاميين, ان عصرنا الحالي يمتاز بالغاء المكان عن طريق المواصلات, والغاء الزمان عن طرق الاتصالات مما يتيح لنا وسائل افضل في التعامل مع هذه القضايا. الاسلوب الامثل هو تحديد هيئة او هيئات فنية ذات معرفة وتخصص في كل المجالات ذات دور استشاري. واتخاذ هيئة او هيئات تشريعية ذات تفويض شعبي للتداول بشأن المستجدات واتخاذ قرار بشأنها. رابعا: ينبغي ان نحدد اساساً واضحا للتعامل مع الآخر الملي في اوطاننا. انهم وجدوا معنا في هذه الاوطان واستمروا فيها باختيارهم, وان هذا الموقف اكسبهم موقف اهل العهد ــ عهد المواطنة ــ وان نحن سحبنا منهم هذا الحق فانهم في نطاق القانون الدولي المعاصر سوف يسعون الى حق تقرير المصير. ان عهد المواطنة يقتضي الاتفاق على حد ادنى من الحقوق لكل المجموعات الوطنية, والا دفعناهم دفعا نحو العمل لتقرير المصير ومن ثم التمزق الحتمي, علينا اذن ان نقر عهد المواطنة وحق المواطنة كأساس للكيان الوطني, فالوطن لكل سكانه بموجب عهد المواطنة, ولكن هذا لايتعارض مع الحقوق الدينية والثقافية للمجموعات الوطنية المختلفة مادامت لا تطالب بوضع ينتقص من حقوق المجموعات الاخرى. ان الشريعة الاسلامية واجبة التطبيق للمسلم, وعلينا ان نضع ميثاقا واضحا يوفق بين حق المسلمين في تطبيق الشريعة الاسلامية, وحقوق المواطنة للآخرين. وعلينا ان نعلن بوضوح التزامنا الاساسي بان التعامل بيننا وبين اهل الملل الاخرى يقوم على مبدأين اساسيين هما: لا اكراه في الدين .. الآية ــ ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن .. الآية. خامسا: النظام الدولي الحالي يقوم على اساس العهد الذي يقوم عليه نظام الامم المتحدة. انه نظام بالنسبة للمسلمين يعتمد على مرجعية اسلامية اساسية هي: واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا .. الآية. لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم .. الآية. ان النظام الدولي المعاصر لم ينشأ من فراغ, لقد كانت بداياته مستمدة من مفاهيم المعاهدة والائتمان, ومعاملة الاسرى, والعلاقات بين الكيانات السياسية الدولية التي خطها المسلمون استنباطا من مبادىء واحكام الاسلام, وتسربت الى اوروبا عبر الاندلس وصقلية وجنوب ايطاليا. وقديما قال بلاسكو ايباريز في كتابه (تحت ظلال الكاتدرائية) ان احياء اسبانيا لم يأت من الشمال بل من الوسط مع العرب الفاتحين. نعم .. ان النظام الدولي الحالي اقيم في غياب كثير من البلدان الاسلامية. نعم .. ان فيه نقصاً يفتقر الى تصحيح وتصويب لتكتمل عدالته. وهذا ما ينبغي ان نسعى اليه ونحققه. سادسا: هنالك منجزات حققها الغرب لاتتعارض مع اصول مبادئنا الاسلامية, ولكن الفضل في تحقيقها وتكوين مؤسسات لاستدامتها يرجع للحضارة الغربية في المقام الاول. تلك المنجزات ينبغي ان نستصحبها دون ادنى حرج, وان نحدد مرابطها في مقاصد الشريعة الاسلامية: أ. الحرية الفكرية وحرية البحث العلمي والتكنولوجي. ب. النظام السياسي الذي يقوم على رضا المحكومين ومساءلة الحكام ويحقق التداول السلمي للسلطة والخضوع العسكري للشرعية الدستورية. ت. النظام الاقتصادي الذي يقوم على آلية السوق الحر لاسيما في مجال الاستثمار والانتاج والتبادل التجاري. ث. الالتزام بحقوق الانسان على اساس ان الله كرمه واوجب له حقوقا مقدسة. ان حقوق الانسان التي جاء بها الاسلام تتكامل ولا تتناقض مع حقوق الانسان العالمية على نحو ما اوضحنا بالتفصيل. وحقوق الانسان في الاسلام تمتاز على غيرها لانها تستمد من جذور روحية وخلقية وتستوجب جزاء اخرويا. ــ لقد دار في مسألة المرأة جدل كبير, المرأة هي الوالدة والزوجة والاخت والبنت للرجل, والنساء في مفهوم الاسلام شقائق الرجال, والنصوص الاسلامية واضحة في مساواتها انسانيا وايمانيا: ــ يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم.. الآية. ـ اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض.. الآية. ــ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. الآية. هذه المساواة بين الرجل والمرأة حددها امران: الاول: فطري وهو ان للرجل والمرأة في امر التوالد والاسرة وظيفتين مختلفتين متكاملتين, هنالك احكام تتعلق بهذا الاختلاف لا مفر منها بل هي واجب تقتضيه الفطرة, المهم الا يكون هذا مدخلا للتفاضل بل للتكامل, الامر الثاني: احكام واستنباطات لحقت بالمرأة بسبب ظروف فكرية وثقافية واجتماعية مقدرة في زمانها ولكنها الآن تجاوزتها الظروف. ان حقوق المرأة في الاسلام كانت طفرة تحريرية في ظروفها, اما الآن فإن حقوق المرأة العالمية قد بلغت مرحلة متطورة. التحدي الذي يواجهنا هو هل تستطيع المرأة ان تكون مسلمة وحديثة في آن؟ الجواب: نعم. سابعا: الجهاد هو ذروة سنام الاسلام, والجهاد هو رهبانية امة محمد صلى الله عليه وسلم والجهاد ماض الى قيام الساعة, ان مادة جهد هي اساس الصلاح والفلاح والنجاح في كل مجالات الحياة. ولا يفلح الانسان في اية حالة اذا لم يبذل الجهد: لابد لنيل الشهد من ابر النحل. الجهاد في هداية الاسلام هو بذل الجهد كله للالتزام بأمر الله. انه يبدأ دائما بالزام النفس على الفضيلة, وهذا هو الجهاد الاكبر لان فاقد الشيء لا يعطيه. ثم يتجاوز الانسان نفسه الى اسرته والى مجتمعه وعليه بذل الجهد كله وبكل الوسائل للالتزام بهدى الله. هذا الالتزام يصير التزاما قتاليا في حالة فتنة الناس عن دينهم اي اكراههم على الخروج من دينهم وفي حالة الدفاع عن النفس, اي دفاعا عن العقيدة ودفاعا عن الحياة: اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير. ان اتحاد الفهم بين كافة اهل القبلة حول هذه النقاط السبع واجب اسلامي. الحقائق الجديدة: هنالك سبع حقائق جديدة في عالم اليوم لم يسبق للفكر الاسلامي ان حدد موقفا بشأنها انها حقائق ينبغي ان نحدد نحوها مواقف واضحة هي: اولا: الوطنية: الوطنية والدولة القومية المترتبة عليها شكل سياسي جديد اتخذته الكيانات الاوروبية منذ صلح وستيفاليا في 1648م وصار الوحدة المعتمدة في العلاقات الدولية. لقد عرف الاسلام رابطة الاسرة ورابطة القبيلة, ورابطة الاقليم او الجهة.. لكن الوطنية تقوم على اساس ثقافة معينة, وتاريخ, وتجارب تكون شعبا مرتبطا بارض معينة. المواطنة هي الرابطة التي تجمع بين شرائح هذا الوطن, انه تطوير لرابطة الاسرة والعشيرة, يربط بين المجموعات الوطنية والدولة, وله فاعلية في تنظيم مصالح المواطنين من حيث توافر اسباب المعيشة والامن. ان الرابطة الوطنية يمكن ان تكون مفيدة في سبيل تحقيق التنمية وكفالة سبل المعيشة والآمن, ومع انها تقوم على مفهوم متشدد على السيادة الوطنية, فإن التعامل مع السيادة بصورة مرنة لتقبل الانتماء الى كيانات اوسع ممكن ما دام ذلك يتم برضا المواطنين, لذلك يجب الا ننظر الى الانتماء الوطني بريبة وألا نضعه في مقابل الولاء للامة الاكبر, بل نعتبر الانتماء الوطني صالحا في حدوده المختارة قابلا للتوسع الاختياري. ثانيا: القومية: ان في الامة الاسلامية عدة قوميات, والاسلام لم ينف الانتماء القومي بل استصحبه بصورة جعلت العرب يحققون بالاسلام امجد ايامهم, كذلك حققت القوميات الاخرى الطورانية, والفارسية, والهندية بالاسلام امجد ايامها وافضل عطائها. ان علينا ان نعترف بالانتماء القومي لاسيما على اساس ثقافي ولغوي وسلالي لا يتعارض مع الانتماء الاوسع للامة الا اذا كانت فيه عصبية, العصبية هي الشعور الذي يمقته الاسلام لا القومية. ثالثا: العولمة هنالك عوامل جديدة في عالم اليوم هي: * تكنولوجيا المواصلات نسفت المسافات وتكنولوجيا الاتصالات كمشت الزمان فصارت اطراف العالم متداخلة وصار كوكب الارض اقرب الى حاضرة واحدة. * المصلحة البيئوية (الايكولوجية) لكوكب الارض واحدة مما يوجب التعامل معها كوحدة طبيعية واحدة. * هنالك فضاءات تملكها الانسانية ملكا مشتركا: الفضاء والبحار والمحيطات والاجزاء غير المأهولة من الكوكب. * اثناء التسعينات انعقدت مؤتمرات قمة قاربت بين وجهات النظر حول كثير من القضايا الهامة: السكان, المرأة, النواحي الاجتماعية وهلم جرا. * هنالك عدد من الاديان العالمية كالمسيحية والاسلام والبوذية والاديان التي كونت حضارات كالمسيحية والاسلام والهندوسية, والحضارات المتعددة الاديان كالصينية واليابانية والثقافات الانسانية الكثيرة لقد انطلقت حوارات جادة بين اطراف هذه الانتماءات وهي حوارات تصب في خانة تبين القيم المشتركة بينها والتنوع والتعدد فيها ان هذه الحوارات تتجه لتكوين تصور موحد للتعايش والتسامح الديني والحوار بين الحضارات تجنبا للصدام والخصام. * التطور الاقتصادي والتجاري وحركة الايدي العاملة والاستثمارات والحركة المالية العالمية تتجه لخلق سوق عالمي واحد. هذه العوامل الستة هي التي تقف وراء العولمة كظاهرة مرتبطة بتطور الوعي الانساني والتاريخ الانساني, لكن العولمة تتم في عالم فيه توزيع غير عادل للسلطة والثروة والقوة العسكرية, لذلك فإن القوى المهيمنة عالميا انما تلون العولمة بلونها وتحاول اخضاعها لمصالحها الذاتية. ان علينا ان نقبل العولمة كتطور حتمي لتاريخ الانسان, وان نتخذ ما نستطيع من اجراءات على كافة الاصعدة لكيلا تتحول العولمة الى امتثال للهيمنة الدولية, هذه معادلة صعبة ولكن الانكفاء دون العولمة تخلف والامتثال للهيمنة تبعية, وعلينا ان نحقق الانفتاح نحو العولمة ونتجنب التبعية. رابعا الوحدة الاسلامية التطورات العالمية نحو العولمة تزيد من الوعي بالذات الحضاري وبالمصالح الوطنية الاقليمية لذلك نشطت مع العولمة تيارات التكوينات القومية والاقليمية لتحقيق اقصى درجات الانتفاع بالواقع العالمي الجديد وحماية المصالح الخاصة والحماية من الهيمنة. ماذا عن الوحدة الاسلامية؟ الوحدة المتجسدة في دولة واحدة لم تعد ممكنة في المستقبل المنظور, انها اختفت من الواقع الاسلامي منذ نهاية العهد الاموي في عام 150هــ ان مفهوم القيادة العليا الواحدة كما كان متاحا للخليفة لم يعد واردا لان ضوابط العدالة صارت تقتضي ان يكون رئيس الدولة مختصا بالسلطة التنفيذية, ضمن اطار يحدد مؤسسات السلطة التشريعية والقضائية, وآليات تبسط الشورى والمشاركة على نطاق واسع عبر مؤسسات المجتمع المدني والصحافة وآليات البحث العلمي والاجتهاد الفكري والتطور الثقافي, وهي آليات لها دورها ووزنها ووظيفتها القانونية حتى في اطار دولة قطرية واحدة لم تعد توجد مؤسسة قيادة شاملة مطلقة الا في الدولة الاستبدادية. ان وجود دول مختلفة محكومة بنظم دستورية لايمنع التعامل مع مفهوم السيادة الوطنية بمرونة وتحقيق وحدة في مجالات عديدة. 1 ــ في المجال الروحي والعبادي اذ يمكن للمسلمين الاتفاق على ما يجمع بينهم والتعايش فيما يفرق بينهم على ان يقيموا تنظيما موحدا يقرر بشأن المسائل العقدية والعبادية ويتخذ تكوينا جماعيا شوريا. 2 ــ تكوين محكمة استئناف عليا ذات صلاحيات متفق عليها للحكم في قضايا معينة. 3 ــ برنامج موحد للتعليم الديني وتعاون في كافة المجالات التعليمية, برنامج يحقق التعاون في مجالات معينة ويفسح مجال التنوع. 4ــ تعاون ثقافي واعلامي. 5ــ تنسيق تنموي وتجاري في المجال الاقتصادي والتجاري. 6ــ تحديد آليات للحوار الداخلي بين المسلمين واخرى للحوار مع غيرهم. ان الابقاء على تعدد الدول لا يتنافى مع درجة عالية من التوحد في المجالات الدينية, والثقافية, والاقتصادية, والحضارية لبلوغ درجة من الوحدة الاسلامية وترك المجال مفتوحا للتطوير. خامسا : التعددية الاجتهادية هناك نظرة سلبية جدا لدينا نحو التعددية في المسائل الاجتهادية بنبغي ان تكون نظرتنا لكل أنواع التعددية المذهبية والفكرية الاسلامية ايجابية لأنها احدى نتائج الحرية اللازمة على ان نلتزم في هذا الصدد بأمرين هما: الأول: التسليم بالقطعي ورودا والقطعي دلالة من نصوص الاسلام. الثاني: تجنب التعصب لاجتهادنا الخاص والتعامل معه بقاعدة اجتهادنا صواب يحتمل الخطأ, واجتهادكم خطأ يحتمل الصواب. هذه النظرية المرنة للتعامل المذهبي مع التراث المنقول ومع العطاء الانساني ومع الاجتهاد الآخر هو المطلوب لاخراج أنفسنا من الانكفاءة ومن التعصب الذميم. التعددية فيما عدا وحدانية الذات الالهية جزء لا يتجزأ من نظام الكون, وينبغي التخلص من النظر الى فرقة واحدة ناجية, فمن كفّر مسلما فقد باء بالكفر أحدهما, ومن اجتهد فأصاب فله أجران, ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد, وليس من طلب الباطل فأصابه كمن طلب الحق فأخطأه. ان الانسان هو محور رسالة الاسلام لاسعاده في الدنيا والآخرة. وكل هداية للانسان ينبغي ان تراعي عوامل الزمان والمكان. الشريعة الاسلامية تفوقت على الملل والنحل الاخرى لاعترافها بالانسان كانسان وتكريمها للانسان كانسان, ومراعاتها لظروف المكان والزمان.. ان إهدار هذه المعاني إهدار لمقاصد الشريعة. وللانسان عشرة مطالب أساسية تفتقر الى اشباع متوازن هي: المطالب الروحية, الخلقية, العاطفية, المعرفية, المادية, الاجتماعية, البيئية, الجمالية, الرياضية والترفيهية. ان الاسلام دين الفطرة.. فطرة الله التي فطر الناس عليها, مستبين لتلك المطالب ولضرورة اشباعها اشباعا موزونا ينبغي على المسلمين السعي لتحقيقه اجتهاديا في ظروف الزمان والمكان المختلفة. سادسا: الحركة في الشريعة الاسلام عقيدة وشريعة. الشريعة الاسلامية فيها عبادات ثابتة ومفصلة ومعاملات مرنة. منذ عهد الخوارج هناك من جعل أمر السلطة السياسية ــ الامرة ــ كالعبادات, وهذا عين الخطأ الذي وقع فيه الخوارج ومن خلفهم بعد ذلك. علينا ان ندرك بوضوح: أ ــ ان العبادات مفصلة وثابتة, لكن المعاملات معممة ومتحركة. ب ــ الثابت من أحكام الشريعة لا تؤثر فيه عوامل الزمان والمكان. أما المعاملات, أي المتحرك من مقاصد الشريعة فإن الثبات يفسده ويؤدي الى عكس مقاصده. ج ــ الأمة باجتهادها المستمر مكلفة بتطوير فقه المعاملات على أساس لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال. في ظروف معينة, وأمام زحف التتار على ديار المسلمين اجتهد بعض الفقهاء ورأوا أن حماية بيضة الاسلام توجب تقديس المسؤولية السياسية, وعلى النمط نفسه اجتهد الشيخ أبو الأعلى المودودي وصاغ مفهوم الحاكمية لله على نحو مشابه لمقولة الامرة لله. ان الذين رأوا باجتهاد معاصر ان يعطوا الامرة أو القيادة السياسية قدسية العقائد والعبادات مهدوا للتطرف الاسلامي المعاصر الذي جعل اجتهاد أصحابه السياسي هو موقف الأمة كل الامة ونفى رأي الآخرين باعتباره كفرا وخروجا عن ملة الاسلام. هذا الاعتقاد هو الذي مهد للتيارات الاحتجاجية المتطرفة المعاصرة. نعم ان المسلمين في محنة يواجهون اضطهادا عظيما واذلالا على يد الهيمنة الدولية واسرائيل. ان أصحاب هذا الاتجاه اعتبروا أنفسهم مبعوثي العناية الالهية واستحلوا لأنفسهم العمل لاستلام السلطة بالقوة والانفراد بها واستحلوا لأنفسهم استخدام أساليب العنف العشوائي الذي يزهق الأرواح البريئة ويدمر الأملاك في سبيل تحقيق أهدافهم. الإمرة لا تكون في شريعة الإسلام إلا عن طريق: (وأمرهم شورى بينهم) . والعمل من أجل الأهداف مهما عظمت لا يكون إلا بموجب: (أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) . والقتال في الإسلام له ضوابطه وهي: الدفاع عن النفس وعن حرية الدعوة, إن ربط الإسلام بالسلطة السياسية المستبدة, وربط العمل الإسلامي بأساليب العنف العشوائي جلب للإسلام ضررا كبيرا وأعطى أعداءه حجة قوية للنيل من ديباجته الوضاءة إن علينا معشر أهل القبلة أن نرفض أية عملية استيلاء على السلطة بالقوة الغاشمة, وأن نرفض أية دولة تقوم على أساس بوليسي يقهر الناس, وأن نرفض أية صلة بين الدعوة للإسلام والعنف العشوائي, وأن نعتبر الاستيلاء على السلطة باسم الإسلام ترهيبا بعيدا عن مقاصد الشريعة, كما نعتبر أية دولة بوليسية قاهرة خارجة على مقاصد الشريعة. لقد صار نهج الذين ربطوا الإسلام بالاستبداد الغاشم وهم في السلطة, والذين انتهجوا العنف العشوائي كأسلوب لمعارضة النظم الشرعية, وإن كانت ظنية, سبة على الإسلام, ووسيلة للإساءة إليه, ومخلب قط للتدخل الأجنبي, لذلك وجب علينا أن نتبرأ منهم وندين نهجهم.. هذا طبعا لا ينطبق على الذين يتخذون العنف أسلوبا لمقاومة الاحتلال الأجنبي, فهم إنما يردون على العدوان بمثله: (ولاعدوان إلا على الظالمين) . إن أسلوب الدعوة المشروع هو بالتي هي أحسن, والتغيير المشروع هو بالتعبئة الشعبية وبالعمل المدني الخدمي والترجيح الديمقراطي لأن أساليب العنف ضد النظم المؤسسة بشرعية ذات قبول واسع يؤدي لنتائج عكسية, لاسيما العنف العشوائي والانقلابات العسكرية التي ما بنت قصرا إلا هدمت مصرا وما ادعت عمل إصلاح إلا أتت أضعاف أضعافه من الإخفاق. سابعا: التحول السياسي إن الضغط الإصلاحي المنظم على كل الأصعدة من شأنه أن يحقق إصلاحا ديمقراطيا, وان تدرج في النظم القائمة, ودلائل هذا الإصلاح ظاهرة للعيان وكل من سار على الدرب وصل, إن الخريطة الإسلامية على المستوى الشعبي مكونة من: * هيئات ومنظمات وتكوينات تقليدية لها دورها الديني والثقافي والاجتماعي الإسلامي ولها سندها الشعبي العريض وان كانت على درجة عالية من الضمور في حركة تغيير المجتمع. * جماعات احتجاجية مندفعة انتهجت العنف العشوائي وصار لها درجة من التأييد في مجتمعاتنا ذات الإحساس القوي بالظلم والاضطهاد والهيمنة الأجنبية والتكوين السكاني الذي يغلب عليه الشباب العاطل من العمل, هذه الجماعات جعلت دورها السياسي مقدسا وأسقطت على نفسها دور الأمة وقدست قيادتها وكفرت المجتمع الواسع. * مفكرين إسلاميين على درجة عالية من الوعي والاستنارة والالتزام الإسلامي والإحاطة بالفكر الإنساني والتجارب الإنسانية المعاصرة ومقدرة عالية على استصحاب النافع من فكر وأساليب العصر, لكن هؤلاء مع وضوح رؤيتهم لا يجدون سند الهيئات التقليدية الشعبي العريض ولا تأييد الشرائح المتحمسة الشعبية المندفعة في تأييد حركات الاحتجاج. * أنصار الله ينتمون الى دعوة المهدية في السودان, إن مدارس المهدية في الإسلام عشر مدارس: ثلاث شيعية هي الاثنى عشرية, والسبعية, والزيدية, وأربع سنية هي: صاحب آخر الزمان, وإمام القرن, ومدرسة فخر الدين الرازي القائلة بالشاهد لله بالحق, ومدرسة ابن كثير القائلة باثني عشر مهديين, ومدرستين صوفيتين: مدرسة ابن عربي والمدرسة القائلة بخاتم أقطاب الزمان, ومدرسة فلسفية قائلة برئيس المدينة الفاضلة. المهدية في السودان سنية ومقولتها تجعل المهدية وظيفية هي وظيفة إحياء الكتاب والسنة بصورة ذات خصوصية تجيز لها تعليق المذاهب وإبطال التفرق بين المسلمين عودة للكتاب والسنة, هذا موقفها النظري, لكن موقفها من الخريطة الإسلامية الشعبية هو أنها جمعت ما تفرق بين التكوينات الإسلامية فهي ذات موروث شعبي تقليدي عريض, وهي ذات طلائع فدائية متحمسة, وهي ذات كوادر فكرية مثقفة لذلك يرجى أن يكون لها عطاء إسلامي في داخل السودان وفيما يتجاوز السودان داعية لنهج إسلامي ملتزم ومستنير بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة.