لا يعتقدن أحدكم ان جرجرة الصحفي او الكاتب الى المحاكم فيها اهانة وتجريح وعدم احترام للمهنة, بل من الشرف في اعتقادي ان يمثل الصحفي امام محاكمة في قضية رأي, فذلك معناه سيادة القانون, وتطور وعي المجتمع, ونيل الحقوق بالطرق المشروعة , ما يجعل من محاكمة اي صحفي نصرا له وللصحافة وللمدعي عليه وللبلاد كلها, اي نصر للجميع بما في ذلك الطرف الخاسر. وبما ان الاخ عبدالله البواردي الذي يساهم في صحافتنا الوطنية بكتابة الرأي والنقد بين حين وآخر, يمثل هذه الأيام بين يدي القضاء للنظر في قضية رأي مرفوعة ضده من رجل الاعمال المعروف خلف الحبتور, فإنه وان قفز إلى بلاط صاحبة الجلالة من خارجها, حيث لا يمارس الصحافة كمهنة له, يكون قد سبقنا إلى نيل شرف المحاكمة, أياً ما تكون نتائجها, معه أو ضده, بوصفه أول كاتب مواطن يقف أمام القضاء في قضية رأي. ويمكننا قطعاً أن نضيف الاخ ابوراشد ايضاً (خلف الحبتور) بوصفه أول رجل اعمال مثلاً أو مواطن يحقق شرف اللجوء إلى المحاكم لنيل ما يعتقد أنه من حقه وليرد عنه ما يعتقد انه مس بشخصه وسمعته, فيعبر بذلك عن وعي نقدره ايما تقدير, وعن تصرف حضاري, فيكون بذلك نموذجاً للتعامل مع ما يمكن تسميته بجرائم الرأي, حيث لم يستعن بالوسائل الأخرى التي نعرف للنيل من الصحافي, الذي عادة ما يكون ضحية افتراء, طالما انه لم يخضع لمحاكمة عادلة. وكنا نتمنى طبعا لو ان خلف الحبتور مارس حقاً من حقوقه الدستورية قبل اللجوء الى المحاكم, اي حق الرد وابداء الرأي المعاكس لوجهة نظر البواردي, لولا اننا لسنا مطلعين على الظروف والحيثيات التي دفعته الى القضاء, مع التأكيد ان اللجوء الى القضاء لأخذ الحقوق هو حق دستوري آخر مشروع, فيكون الحبتور قد احسن صنعاً, لأنه لم يمارس من الوسائل الاخرى التي نعرف في التعامل مع الصحفيين, وانما لجأ الى حيث يمكن للعدالة ان تأخذ مجراها, فنعتبر خطوته تلك فيها من الاحترام للصحافة قدر كبير. وهناك بطبيعة الحال قانون للمطبوعات والنشر قديم, ومشروع آخر جديد قد يرى النور قريباً, يحدد طبيعة جرائم النشر وكيفية التعامل معها وعقوباتها, كما ان هناك قانون العقوبات الاتحادي, فيه ايضا ما فيه من نصوص تتعلق بالرأي والفكر والنقد وحفظ حقوق الناس, يستطيع القضاء الاعتماد عليهما للفصل في قضايا الرأي, كما يسند هذين القانونين عند القضاء الاعراف العامة والقياس والحقوق والواجبات, وهذه عادة ما تكون معروفة ومتعارفا عليها, ما يجعل القضاء حقيقة قادراً على الفصل في جرائم الرأي واحقاق الحق فيها بكل ثقة. أما زميلنا البواردي, فيصح ان نقول معه انصر أخاك ظالما أو مظلوما, فاذا كان نصره مظلوما, امراً معروفاً وواجباً مهنياً واخلاقياً علينا كصحافيين, فإن نصره ظالما يكون من اختصاص القضاء وحده, اما نحن فعلينا أن نفتخر فحسب أن نصره ظالما يتم عن طريق القضاء وليس عن طريق آخر, وهذا نصر للمهنة. اما الإدانة نفسها, فأمرها عادة صعب في قضايا الرأي, لان الصحفي او الكاتب لا يتصدى حين يكتب لقضايا شخصية ولتحقيق منفعة ذاتية, فهدفه باستمرار خدمة الصالح العام, وما يعتقد انه في صالح المجتمع بكافة افراده وفئاته, فيكون نقده موجها في الاساس لأخطاء ومظاهر وعيوب يراها تعيق تطور المجتمع من وجهة نظره وبناء على قناعاته الخاصة, اما التجاوز فيحدث فقط عندما يمس بما يكتب حقوق الآخرين, وعلى رأسها السمعة والكرامة, وهذه يقول القضاء وحده كلمة الفصل فيها, ولهذه الكلمة مطلق الاحترام.