تصاعدت في الأيام الماضية فرصة اختيار مرشح عربي للفوز بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو للثقافة والتعليم والعلوم, وهو منصب جد هام وحساس. وعلى الرغم من وجود اكثر من عشرة مرشحين حتى الآن, وقد يتزايدون, حتى نوفمبر المقبل , الا ان فرصة اختيار مرشح عربي مطروحة بقوة, الا ان المشكلة ان العرب لم يتفقوا بعد على تسمية هذا المرشح. ففي الساحة الآن كل من الدكتور غازي القصيبي من المملكة العربية السعودية, والدكتور اسماعيل سراج الدين من مصر, وكل من الرجلين مشهود له بالكفاءة على المستويين العربي والدولي, بيد ان الخشية تأتي من تفرق الصف, وضياع فرصة تبدو متاحة بشكل كبير. فقد أعلنت دولة الامارات ودول خليجية اخرى عن تأييدها لترشيح القصيبي, خلال اجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست في ابوظبي, وكذلك وزراء التربية العرب خلال اجتماعهم في ليبيا مؤخرا. والدكتور القصيبي شخصية معروف عنها الاهتمام بالفكر والعمل الدبلوماسي, وأذكر ان الرجل فاز في مسابقة دولية نظمتها احدى الصحف العربية الدولية في 1996 باعتباره الشخصية الثقافية العربية البارزة في هذا العام, وهو رجل يتمتع بتجربة واسعة في مجالات الادارة والثقافة والتربية والتعليم. أما الدكتور اسماعيل سراج الدين, فقد حصل على تأييد بعض الدول العربية والافريقية الأخرى, وكذلك شخصيات عالمية ومؤسسات دولية وأهلية. وقد بدأ في الايام الماضية حملة اعلامية للحصول على المزيد من التأييد لترشيحه, وللدكتور سراج الدين دور بارز في تأكيد التعاون بين شعوب العالم من خلال التربية والعلوم والثقافة وحقوق الانسان, وهو من المدافعين عن حقوق المرأة ومحاربة الفقر والمحافظة على التراث. وهو يتولى الآن منصب نائب رئيس البنك الدولي للانشاء والتعمير, ويشارك في مجموعات استشارية بالبنك تتولى قضايا البحث الزراعي والدول الفقيرة ووسائل مواجهة تحديات القرن المقبل. ويلاحظ المتابع للاحداث, ان الموقف المصري الرسمي بترشيح الدكتور سراج الدين لم يعلن بشكل رسمي الا مؤخرا, وقد سبقته حملة مدنية لترشيحه, بينما سعت الرياض الى جلب التأييد لمرشحها خلال انعقاد مؤتمر وزراء خارجية دول الخليج في أبوظبي, كما سعت للحصول على تأييد الجامعة العربية له, ويتجول الدكتور القصيبي الآن في منطقة الخليج لدعم ترشيحه. أما المرشح المصري فإنه زار مصر مؤخرا, وعقد عدة ندوات ولقاءات رسمية وغير رسمية للحصول على المزيد من التأييد, كما يشن بعض مؤيديه حملة اعلامية على صفحات الانترنت. وأيا ما يكن الامر, فإننا لا نريد ان نفاضل بين شخصيتين عربيتين مرموقتين, وأرى ان العامل السياسي سيتدخل لاقناع اي من الطرفين بالتنازل للآخر, دعما للحقوق العربية والاسلامية باعتلاء منصب هذه المنظمة في وقت يواجه العالم عدة ظواهر ومقولات جديدة منها: * ان القيم الحضارية والانسانية تعد جزءا اصيلا من الثقافة العالمية في مواجهة دعوات تؤكد على الخصوصية الحضارية للشعوب. * تزايد الدعوة لمفهوم المواطنة الكونية, في مواجهة الدعوة الى الحفاظ على السيادة القومية. * انتشار ثقافة العلم كتقنية وكوسيلة تفكير, في مواجهة ثقافة الخرافات والشعوذة والسحر. * تعاظم ظاهرة العولمة, في مواجهة قضايا كثيرة غير محسومة حتى الآن منها قضية التراث والمعاصرة وكيفية التعاطي مع قضايا العالم الجديد. * تنامي ثورة الاتصال والاعلام, والقرية العالمية في مواجهة التمسك بالحفاظ على الهوية والثقافة المحلية والوطنية. * انتشار مقولات الهيمنة وتصادم الحضارات, في مواجهة ثقافة اسلامية تتسم بالتسامح في التعامل مع الثقافات الاخرى. * تكاثر الوسائل التربوية والتعليمية الجديدة, والمعبأة بثقافة وتقنيات غربية في مواجهة تراجع مقومات العملية التعليمية في دول عديدة, وانفصال المناهج التعليمية عن الواقع التاريخي والتراثي في دول اخرى. * انحراف الملكات الفكرية لبعض العلماء في اكتشاف ظواهر علمية, واستنساخ ما لا يمكن استنساخه في مواجهة انتشار ظاهرة الامراض الكونية والعابرة للحدود, والتي تفتك بأجيال من البشر. * تعاظم الفوارق بين الأغنياء والفقراء, على مستوى الدول والأفراد, فعلى سبيل المثال يمتلك أربعة أفراد ما يزيد على ميزانية 48 دولة. وفي ظل هذه الظواهر الجديدة, تواجه اليونسكو عدة تحديات منها: أولا: منذ انشاء اليونسكو في عام 1946 حظي بهذا المنصب ستة مدراء (ثلاثة من أوروبا وواحد من المكسيك وآخر من اسبانيا), بينما لم يحظ به سوى افريقي مسلم واحد, هو ا حمد مختار امبو, الذي لعب دورا كبيرا في توجيه دفة العمل الثقافي في هذه المنظمة, وواجه معارضة شديدة من الجانب الامريكي والبريطاني, لتبنيه فكرة النظام العالمي الاعلامي الجديد, والذي كان يدعو فيه الى تحقيق اكبر قدر من التوازن في التدفق الاعلامي بين الشمال والجنوب, والحد من الهيمنة الاعلامية الغربية على دول العالم الثالث, ولهذا الموقف دلالاته في وقت تتصاعد فيه المقولات الخاصة بتصادم الحضارات, وعلو شأن الثقافة الاسلامية كمنافس حقيقي وفعال للثقافة الغربية, ومن ثم فقد يلاقي أي منافس ينتمي لهذه الثقافة مواجهة ليست بالهينة, اذا حاولت اثبات الوجه الحضاري للاسلام, وفي هذا الصدد اشير الى ان المقالات الاخيرة التي نشرها فريديكور مايور (الاسباني) المدير الحالي لليونسكو في الصحف العالمية, ونشرت هنا في الصحف الاماراتية, تؤكد تنبه الرجل للجوانب المظلمة والسلبية في الثقافة الغربية. ثانيا: ان اليونسكو كثيرا ما أعلنت عن الكثير من العقود التي تبنت فيها حملات لدعم الثقافة والتعليم والتربية والفقر, مثل العقد العالمي للتنمية الثقافية, الا انها لم تحظ بكثير من النجاح, ولا المتابعة والتقييم الجيد لبيان آثارها وفعاليتها, وإن كانت اليونسكو قد لعبت دورا ذا بال في حماية التراث والاعمال الثقافية والسياحة في بعض البلدان. ثالثا: ان ميزانية اليونسكو من الصغر, بما لا يمكنها من اداء الكثير من المهام المكلفة بها, ويزيد الامر سوءا حينما يتدخل العامل السياسي في دفع الدول لحصصها المقررة للمنظمة, ويذكر هنا الامتناع الامريكي والبريطاني عن دفع حصتهما للمنظمة لرفضهما فكرة النظام الاعلامي العالمي الجديد, الذي مات بالسكتة القلبية, وأعلنت اليونسكو تخليها عن تبنيه, بالرغم من انه يلبي حاجات كثيرة لدول العالم الثالث, التي تمثل الاكثرية في هذه المنظمة, مما يتطلب الامر الدعوة الى دعم ميزانية اليونسكو وتنميتها. رابعا: انه لا يمكن فصل الثقافة والتعليم والعلوم والسياسة عن بعضهم بأي حال من الأحوال, وهو التوجه الذي تحاربه امريكا, وهو ما يتطلب اعادة صياغة للتوجهات العامة لليونسكو, خاصة في ظل انتشار فكرة الثقافة العالمية والعولمة, وهي قضايا تقع في لب اهتمامات اليونسكو التي طالما دعت لاحترام الهوية الثقافية للشعوب, وتنمية السياسات الثقافية للدول المنتمية لها. خامسا: انه بينما يحتفل العالم بتباشير قرن جديد, فإن الملايين من البشر ما زالت تعاني من الحرمان من تلبية احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وتعليم ورعاية صحية, وهو امر يدعو لاعادة شن الحملات التسويقية والاعلامية للمفاهيم التي قامت عليها اليونسكو كالسلام والعدالة والتعاون وحقوق الانسان. سادسا: ان قضايا الاقليات بمستوياتها المتعددة, ما زالت مطروحة بشدة, وتحتاج لمزيد من الاهتمام, سواء على مستوى الفئات كالمرأة ودورها في المجتمع أو مستوى الأقليات الدينية, واستفحال ظواهر التطهير العرقي, والتهديد باستخدام قوانين محلية بحجة حماية طوائف دينية في مجتمعات أخرى. وبعد, فكما فعلها مختار أمبو السنغالي, حين دافع عن هوية العالم الثالث, أتمنى ان تعتلي عرش اليونسكو شخصية عربية اسلامية, تظهر الوجه الحضاري للاسلام, وتعلي قيم التسامح والتعاون والخير بين الشعوب. قسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات