تدخل قضية لوكيربي مرحلة جديدة بفعل الموافقة الليبية على تسليم المتهمين لمحاكمتهما في لاهاي امام محكمة اسكتلندية, وقد امكن التوصل الى هذه الخطوة بفعل الوساطة التي قام بها بالاساس رئيس جنوب افريقيا نلسون مانديلا, وكذلك السفير السعودي بواشنطن . ويفتح هذا القبول الباب امام وضع حد لأزمة بدأت معالمها في سنة 1988 مع اسقاط طائرة تابعة لشركة بانام الامريكية فوق بلدة لوكيربي, ادعت الولايات المتحدة وبريطانيا فيما بعد انها من فعل ليبيين ينتميان الى المخابرات الليبية, وفي حمأة التحولات التي عرفها النظام الدولي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي, فقد استطاعت الدول الغربية, واساسا الولايات المتحدة وبريطانيا, بالاضافة الى فرنسا التي اتهمت ليبيا بالوقوف وراء تفجير طائرة فرنسية فوق سماء برازافيل في سنة 1989 من اعتبار هذا الفعل بمثابة ارهاب دولة, يهدد السلم والامن الدوليين, وبالتالي فانه يدخل ضمن الفصل السابع من الميثاق الذي ينص على اتخاذ اجراءات قمعية قد لا تتطلب استعمال القوة المسلحة, كما هو الامر بالنسبة للحصار, وتبعا لذلك, فقد تمكنت من استصدار القرارين 731 و748 فرضت بموجبهما حصارا جويا ودبلوماسيا على الجماهيرية. وقد ظلت الجماهيرية الليبية مساندة بدول عدم الانحياز, تنتقد هذا القرار الجائر الذي يفتقد للشرعية القانونية, لكن الهيمنة الواضحة التي تمارسها الولايات المتحدة, والدول الغربية داخل مجلس الامن حالت دون مراجعة ايجابية لهذه العقوبات, بيد ان الشهور الماضية سجلت تطورين اساسيين سيغيران من طبيعة المشكلة. يتمثل الاول على المستوى القانوني, حيث اصدرت محكمة العدل الدولية بناء على شكوى ليبية قرارا اوضحت فيه العلاقة بينها, وبين مجلس الامن. وقد اعتبرت فيه المحكمة, على خلاف ما ادعت الولايات المتحدة وبريطانيا, ان معالجة مجلس الامن لمشكلة ما, لا يعني استئثاره بها. فتولي مجلس الامن النظر في القضية لا يعني عدم دراستها من طرف المحكمة باعتبار ان زاوية النظر مختلفة. فاختصاص مجلس الامن فيما يتعلق بحفظ السلم والامن الدوليين اساسي, ولكنه ليس مطلقا. فمجلس الامن يهتم بالجوانب السياسية للنزاع, ولا شيء يمنع المحكمة من النظر في الجوانب القانونية لنفس النزاع. وقد استندت المحكمة في قرارها الى الفصل 12 من الميثاق الذي منع بشكل صريح الجمعية العامة من النظر في كل خلاف يكون بين يدي مجلس الامن. وهو الامر الذي لا ينطبق على المحكمة التي لم يمنعها الميثاق صراحة من التصدي للقضايا التي يكون مجلس الامن قد عالجها, لقد فند هذا القرار الاطروحة الانجلو امريكية التي ظلت تدافع عن فكرة مفادها ان الخلاف يندرج ضمن الاختصاص المطلق لمجلس الامن لانه يعبر عن مخالفة تندرج ضمن مقتضيات الفصل السابع من الميثاق. لقد فتح هذا القرار القضائي ثغرة كبيرة في شرعية الاجراءات المتخذة ضد الجماهيرية, وساعد هذه الاخيرة على مواصلة مطالبها لدى المنظمات الدولية بالعمل على التراجع عن هذا القرار, واذا كانت الجامعة العربية قد ظلت ملتزمة بمحتوى القرارات المتخذة ضد الجماهيرية, مكتفية بالمطالبة بمراجعتها, والبحث عن تسوية سياسية للازمة, فان منظمة الوحدة الافريقية قد ذهبت ابعد من ذلك, حيث اعتبرت ان قرار محكمة العدل الدولية يفتح الطريق امام عدم الالتزام بالحصار الجوي المضروب على الجماهيرية, وللتعبير عن ذلك بشكل عملي, فقد زار عدد من القادة الافارقة ليبيا في تحد واضح لقرارات مجلس الامن. ان هذين العاملين ساعدا الى حد كبير على اقناع الاطراف المعنية بضرورة البحث عن حل وسط بين المطالب الغربية, وموقف الجماهيرية. في الوقت نفسه, فقد تكثفت الوساطات من اجل التوصل الى حل يوفق بين مصالح هذه الاطراف. وفعلا فقد مكنت الجهود التي قام بها الرئيس مانديلا من تذليل اخر الصعوبات, وصياغة الاتفاق الذي ينص على محاكمة المتهمين الليبيين في لاهاي من طرف محكمة اسكتلندية, وذلك تحت ضمان الامم المتحدة. وتبعا لهذه التسوية, ولقرارات الامم المتحدة, فان مجلس الامن سيقوم بتعليق العقوبات بمجرد ابلاغه من طرف الامين العام بتسلمه للمتهمين. وفي الواقع, فان هذا التسليم لا يعني انهاء المشكلة بشكل نهائي. فلا يتعلق الامر الا بخطوة نوعية في ملف يبقى مفتوحا, فمن جهة, فان القرار 1192 الذي كان قد اتخذه مجلس الامن في 1998 كان قد ربط تعليق, ثم رفع العقوبات بمدى تعاون السلطات الليبية مع القضاء الفرنسي فيما يتعلق بتفجير الطائرة الفرنسية, والذي خلف 170 قتيلا في سنة 1989, وقد كان القضاء الفرنسي قد ادان ستة من الليبيين, من بينهم احد المقربين من الزعيم الليبي معمر القذافي, لكن في اعتقادنا, فان السلطات الفرنسية, في اطار مصالحها مع الجماهيرية, وكذلك تدعيما لنزوعاتها العربية قد لا تصل الى حد استعمال حق الفيتو لمنع صدور قرار يعلق العقوبات في انتظار رفعها النهائي. وبالتالي يبقى الامر مرتبطا بالمسار الذي ستؤول اليه هذه المحاكمة, التي ستعرف, ولا شك نقاشات قانونية وسياسية واسعة, وبصفة عامة يمكن ان نستشرف مآلية هذا الملف من خلال ثلاث سيناريوهات: يتعلق الاول بحالة تبرئة المتهمين من التهمة الموجهة اليهما. ففي هذه الحالة, يصبح من حق الجماهيرية ان تطالب بتعويضات عن الخسائر التي لحقتها من جراء القرارات المجحفة لمجلس الامن. اما السيناريو الثاني, فيكمن في حالة ادانة المتهمين بقيامهما فعلا بتفجير الطائرة, ولكن بوصفهما قاما بهذا العمل بمحض ارادتهما. فهذا الامر قد يضع حدا للمشكلة, ويمكن عائلات الضحايا من المطالبة بالتعويضات. بيد ان السيناريو الثالث, وهو الاصعب يتجلى في ادانة المتهمين بوصفهما قاما بالعمل من خلال تعليمات صدرت لهما من اجهزة مسؤولة في ليبيا, وقد تكون دولة اخرى. ففي هذه الحالة, فان الغرب سيدعم اطروحته المدعية ان هناك انظمة تمارس ارهاب الدولة. وقد تتطور الاوضاع الى المطالبة بمحاكمة مسؤولين اخرين. وقد يضطر مجلس الامن تحت ضغط الدول الغربية الى استصدار عقوبات اكثر شدة ضد الجماهيرية. لكن هذا السيناريو الاخير اذا لم يكن من الممكن استبعاده, فانه يظل ضعيفا. فمن المؤكد ان السلطات الليبية تكون قد حصلت على ضمانات تجعل المحاكمة لا تخرج عن حدود غير مأمونة. وقد تكون الدول الغربية نفسها قد وصلت الى قناعة بعدم جدوى مثل هذه العقوبات, اذا كان الهدف منها هو القضاء على بعض الانظمة التي لا تمثلها لاسيما وانها واجهت معارضة كبيرة سواء في الاوساط الرسمية او الشعبية. في الظروف الراهنة, وفي ظل المعلومات المتوفرة لدينا, فانه يفضل الانتظار ومراقبة تطورات المحاكمة. ولكن المهم بالنسبة للجماهيرية هو الخروج من العزلة التي فرضت عليها منذ سنوات, الامر الذي سيسمح لها باعادة استرجاع مكانتها في النظام الدولي, والقيام بشكل عادي بالادوار التي تتوق اليها. استاذ العلاقات الدولية- جامعة محمد الخامس ــ المغرب