مع بدء حرب البلقان تصور الكثير في العالم العربي والإسلامي ان حلف الناتو هو منقذ الاسلام والمسلمين في كوسوفو واستبشر هؤلاء خيرا بمستقبل الاسلام والمسلمين في القرن الواحد والعشرين بعد ان اصبحت اكبر قوة عسكرية في العالم توظف امكاناتها الجبارة لخدمة قضايا المسلمين في مواجهة العنف الصربي, ولكن اظن ان هذا الفريق بدأ يعيد النظر في حساباته بعد ان سمع وشهد ما هو شأن الرأي العام, فالمتتبع للكتابات العربية والاسلامية في هذا الشأن سوف يلحظ الآتي: 1ــ تأييد الاغلبية لحلف الناتو في هجومهم على الصرب اعتقادا من ان امريكا وحلفاءها يدافعون عن المسلمين العزل في كوسوفو وهذه الاغلبية ربما تأثرت في رأيها بما تشاهده في الاعلام التليفزيوني اكثر مما تقرأه في الاعلام المطبوع (الصحافة) . 2ــ حيرة النخبة العربية والاسلامية بين راغب في تأييد حلف الناتو وتأييد الصرب فكلا الموقفين سيء وغير شرعي وان كان الاتجاه يميل نحو مناصرة الولايات المتحدة وحلفائها رغبة في الانتقام من العدو الظاهر للمسلمين. 3ــ مع مرور بعض الوقت تبلورت اتجاهات الرأي العام بصورة اوضح نحو الرغبة في وصف الحرب اذ ظهرت نداءات محترمة من منظمات اسلامية ودول عربية تناشد المجتمع الدولي بوقف الحرب وتحمل حلف الناتو مسؤولية تفجير الموقف وفي الوقت نفسه تدين وبشدة القصف الاجرامي لاخواننا المسلمين. 4ــ وازنت الكثير من الكتابات الرصينة بين خروج حلف الناتو عن مبادىء الشرعية الدولية وتجاهله للامم المتحدة ومجلس الامن في هذا الشأن من جانب واعمال الابادة الوحشية لمسلمي كوسوفو من جانب آخر واستقر رأيهم على الانتصار للشرعية الدولية مما دفعهم إلى معارضة الولايات المتحدة وانصارها, ومن ثم فانهم في موقفهم المثالي تمسكوا بنصوص القوانين التي تم خرقها مئات المرات وكأنهم ضحوا بشعب مسلم في مقابل عدم التضحية بالقانون الدولي. اما الفريق الذي ضحى بالشرعية الدولية في مقابل الانتصار لحق المسلمين فتصور عن قناعة ان اعمال البلطجة الدولية التي تمارسها الولايات المتحدة بدون أية حماية قانونية لها ما يبررها, ومن ثم فانه تأييد مرهون بموقف له سماته الزمنية والمكانية والموضوعية المحددة ولا ينسحب على أعمال بلطجة أخرى من امثال ما حدث في السودان أو افغانستان أو ليبيا سابقا. ربما كانت هذه هي خلاصة حيرة الرأي العام العربي والاسلامي ازاء مأساة اسلامية بالدرجة الأولى وهو ارتباك وانقسام في الرأي قد يكون له ما يفسره ولكن ليس له ما يبرره وان كان من المهم ابداء بعض الملاحظات في هذا الشأن. تنتاب المرء الدهشة من أن الرأي العام العربي والمسلم انشغل بجوانب قانونية وفلسفية لم تجد لها صدى في ارض الواقع فليست هناك مبادرات على المستوى الرسمي تعبر عن موقف واضح ومتماسك للعالم الاسلامي. لم تصل قضية كوسوفو بكل ابعادها الى الشارع العربي والاسلامي على الرغم من انشغال الاعلام بكافة وسائله بهذه الكارثة وهذا دليل ادانة للاعلام العربي والاسلامي الذي لم ينجح بعد في ان يحرك الفرد العادي للمشاركة في قضية تمس واقعه ومستقبله بشكل مباشر, أين طلاب الجامعات العربية والقطاعات الواعية من الرأي العام العربي ــ لماذا لم تضغط في اتجاه وقف هذه المذابح على ايدى كل من الناتو والصرب؟ المشكلة ان يصل الرأي العام الى قناعة بان حلف الناتو يعمل من اجل المسلمين هناك اذ يمثل هذا تزييفا وتسطيحاً للوعي الاسلامي فما يحدث ليس إلا جزءا من مسلسل طويل من الوقائع بدأ مع انتهاء الحرب الباردة وسعي الولايات المتحدة للهيمنة على العالم وفي هذه الحلقة من المسلسل فان الدافع الحقيقي هو تأديب سلوبودان ميلوسيفيتش زعيم الصرب وكسر شوكته التي باتت تمثل تهديدا للقارة الأوروبية التي تخشى ان تؤدى نزعاته القومية الى اندلاع حرب عالمية ثالثة ومن ناحية أخرى يمثل الصرب الحليف الوحيد لروسيا في قلب أوروبا وفي القضاء عليه تتويج لصراع طويل دام اكثر من نصف قرن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق, والمسلمون في هذه الحلقة الاخيرة لا يمثلون أكثر من سبب ظاهري استند اليه الحلف ليبرر عملياته وليسوغ تحقيق استراتيجيته متعللا به, ويميل البعض الى الاعتقاد بأن الهدف مزدوج اذ ينطوى على جانبين الأول هو ضرب الصرب والتخلص من شوكة ميلوسيفيتش والثاني هو التخلص من المسلمين على ايدي الصرب. الناتو يتورط اذا كان ظاهر الامر يشير الى الدفاع المستميت لقوات الناتو في كوسوفو الا ان استقراء الاحداث يؤكد غير ذلك وكما قال رسولنا الكريم فيما معناه (انما الاعمال بالنيات) فما هو الهدف من هذا التدخل؟ اولا كان هناك اصرار امريكي على ان يتم تنفيذ اتفاق رامبوييه تحت اشراف قوات الناتو مما دفع الصرب الى التصلب والرفض مما يطرح تساؤلات عن النوايا الكامنة للاصرار الامريكي على تجاهل الامم المتحدة وهي المنظمة الوحيدة المخولة من قبل المجتمع الدولي لمباشرة مثل هذه المسؤوليات. ثانيا مع تزايد حالات تفريغ كوسوفو من مسلميها لماذا يصر الناتو على عدم انزال قوات برية لحسم المعركة. ولماذا يرفض الغرب تسليح جيش كوسوفو لفك الحصار عن نفسه؟ الا يعني ذلك ان المسلمين سوف ينتهون قبل ان تنتهي الحرب؟ ثالثا: كيف نفسر اعلان الرئيس كلينتون بانه ليس لديه تصور مستقبلي حول كيفية كسب الحرب؟ هل انتهت استراتيجيات البنتاجون والبيت الابيض عندما اصبح الامر يهم المسلمين, وهل يمكن قبول اعلان الحرب دون وجود خطط بديلة حال فشل البدائل المتاحة؟ لقد اوضح الرئيس كلينتون ان خيار ضرب الصرب هو افضل البدائل السيئة المتاحة ولنا ان نقول اذا كان هذا البديل قد ساعد على اشعال الحرب وتصفية كوسوفو من مسلميها دون ان يحقق لهم الامن فانه اسوأ البدائل الممكنة وليس افضلها وقد كان من الاولى ان تبدأ الحرب بتأمين مسلمي كوسوفو في بلادهم من خلال قوات برية, ولكن لان هذا قد يترتب عليه اصابة جندي امريكي واحد فهو البديل الاسوأ اما ذلك الذي يهدر دماء مئات الآلاف من المسلمين فهو اكفأ الخيارات الاستراتيجية من وجهة النظر الامريكية ولعل الدرس الذي لم يعه المسلمون ان ما يحدث ليس الا نتيجة مباشرة لهذه الحالة من الشتات والخلافات الداخلية التي حالت دون امكانية الانتصار لمجرد وجودهم في عالم المستقبل وفي مقابل جهاد المسلمين الاوائل لادخال الاسلام في كل بقاع الدنيا يتقاعس المسلمون الاواخر ويتفرجون على انحسار الاسلام وهزيمة المسلمين في ارجاء المعمورة. استاذ بقسيم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات