لا يبدو ان هناك مخرجا من الأزمة التي تعيشها دول أمريكا اللاتينية, فالمصائب كما يقول المثل الشعبي الاسباني (لا تأتي فرادى) , الوضع في معظم هذه الدول , إن لم يكن كلها, ينذر بمستقبل غامض لا يعلم أحد الى أين يمكن ان يؤدي بأمم تعتبر من أكثر الأمم امتلاكا للثروات الطبيعية, ومع ذلك لا تملك قوت يومها, بعد ان توالت عليها مصائب العولمة المتمثلة في انهيار العملات وأسعار المواد الخام لتسقط في مصائب الأنظمة التي تدعي الديمقراطية التي تدعمها الشركات المتعددة الجنسية, والتي أغرقت البلاد في الديون الخارجية, ثم جاءت الطبيعة بالزوابع والأعاصير من (النينيو) إلى (ميتش) لتأخذ ما تبقى على الأرض من فتات, ولتترك لتلك الشعوب مزيدا من المصاعب التي تواجهها في حياتها. حسب التقارير التي تداولتها الوفود المشاركة في السنوي الذي عقده (البنك الانترأمريكي للتنمية) قبل قليل في باريس, فإن الاقتصاد في معظم دول أمريكا اللاتينية يسير من سيء إلى أسوأ, الأعاصير الطبيعية انضمت الى انخفاض أسعار المواد الخام التي تصدرها للعالم الصناعي والمتقدم, اضافة الى الأزمات المالية العالمية من جنوب شرق آسيا وحتى البرازيل, كل هذا يصب في النهاية في أزمات شعوب تلك البلاد, أو حسب المثل الشعبي تنضم الى مصائب تلك الشعوب حتى (لا تأتي المصائب فرادى) . من أمثلة ذلك ما يحدث في الاكوادور التي تعيش حالة من الفوضى السياسية والمالية بعد ان دمر اعصار (ميتش) القليل الذي كانت تملكه حتى وقت قريب, أو ما تعرضت له أيضا نيكاراجوا وبوليفيا والهندوراس, وكولومبيا التي لم تقصر الطبيعة دمارها على الأعاصير لترسل لها زلزالا يدمر ما تبقى من الاعصار والحرب الأهلية بين الجيش الحكومي والجماعات المسلحة, التي تخوض أقدم حرب (تحرير شعبية) في القارة المترامية الأطراف. هذه المصائب ليست مجرد تعبيرات انشائية, بل تؤكدها الأرقام الاحصائية بشكل مثير, فقد انخفض دخل تلك الدول خلال العام الماضي 1998 عن السنة بشكل يؤكد مدى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها معظم تلك الدول. هناك أيضا تقرير اللجنة الاقتصادية الخاصة بأمريكا اللاتينية التابعة للأمم المتحدة, الذي يؤكد ان كل أمريكا اللاتينية تعاني من انخفاض حاد في دخولها على الرغم من تزايد أعباء الديون الخارجية, التي تدين بها سواء لصندوق النقد الدولي, أو لدول دائنة, أو ديون البنوك الخاصة. الدخل القومي لفنزويلا انخفض العام الماضي بنسبة 5.1 في المائة, وانخفض الدخل القومي لبوليفيا بنسبة 7.9 في المائة, والاكوادور بلغت نسبة انخفاض دخلها القومي 5.8 في المائة, فيما بلغ انخفاض الدخل القومي في كل من بنما والتشيلي بنسبة 7.6 في المائة, وانخفض الدخل القومي لكولومبيا بنسبة 5.6 في المائة, والبيرو بلغت نسبة انخفاض دخلها القومي 4.6 في المائة والارجنتين التي كانت خلال السنوات الخمس الاخيرة احدى الدول الاكثر نمواً انخفض دخلها القومي خلال العام الماضي بنسبة 5.3 في المائة. اضافة الى هذه الارقام يجب ان نضيف ارقاماً اخرى تتعلق بالديون الخارجية لتلك الدول, حيث تؤكد الاحصائيات الرسمية ان مجموع الديون الخارجية لامريكا اللاتينية وصل الى 700 بليون دولار, وهو ما يساوي مجموع صادرات تلك الدول مجتمعة خلال عامين كاملين. النتيجة المباشرة لتلك الارقام زيادة عدد الفقراء والمهمشين اقتصادياً واجتماعياً في امريكا اللاتينية, وتقرير الامم المتحدة لم يغفل هذا الثمن الاجتماعي للأزمة الاقتصادية الناتجة عن الديون الخارجية والازمات الاقتصادية الاخرى, حيث تعيش بعض المدن الكبرى حالة من القلق المتفجر الذي ينذر بالانفجار في اية لحظة, مثلاً حزام الفقر الذي يحيط بمدينة مثل العاصمة الارجنتينية بوينس ايريس يصل الى حوالي 30 في المائة من مجموع سكان تلك المدينة, مما جعل ظاهرة الجريمة ظاهرة عادية, او مدينة مثل العاصمة الكولومبية بوجوتا التي تعتبر من اخطر مدن العالم امنيا, وتتقدمها في ذلك العاصمة المكسيكية. ويتوقع الخبراء مصيراً مشابها لذلك في العاصمة التشيلية سانتياجو التي تحولت الى ضحية لزحف كبير من العاطلين الهاربين من مناجم النحاس, بعد ان انخفضت اسعار خامه عالمياً ولم يعد قادراً على تلبية احتياجات البلاد من العملة الصعبة, ودفع العديد من الشركات الى ايقاف جزء من اعمالها وما يعني ذلك من مزيد من البطالة. ينضم الى هذه الازمة مزيد من الازمات, منها جيش العاطلين الجديد المنتظر ان تلقي به الشركات التي يتم بيعها للقطاع الخاص في اطار خصخصة القطاع العام, اضافة الى تلبية مطالب الهنود الحمر اصحاب القارة الاصليين, الذين اجبرهم الجوع والموت ومذابح الجيوش المختلفة على المطالبة بحقوقهم, وهو عبء كان حكام تلك البلاد لا يقيمون له وزناً على الاطلاق, لكنها ظاهرة صارت واقعاً لا يمكن انكاره, ولا بد من الاستجابة لهؤلاء حتى يمكن ان تكتمل دائرة الاستقرار السياسي ان كان لها ان تستقر. لكن لو تركنا الارقام الباردة التي قد لا تعني شيئاً بالنسبة للمعتادين على الاطلاع عليها, مثل موظفي صندوق النقد الدولي الذين لا هم لهم سوى تحصيل تلك الديون وفوائدها, وتوجهنا الى النتيجة الاجتماعية التي يمكن ان تترتب على تلك الارقام, فإن الامر مرعب, المحللون الاجتماعيون يرون ان نتيجة استمرار التدهور الاقتصادي يمكن ان يؤدي الى انفجار شعبي يغطي معظم دول تلك القارة, لان الديون الخارجية وفوائدها تقع عادة على عاتق الطبقات الشعبية الفقيرة التي لم تستفد من تلك الديون في شيء. هذا الانفجار الذي بدأت بوادره في المظاهرات الاحتجاجية في كل من الاكوادور والبيرو التي جرت الاسبوع الماضي يمكن ان يؤدي الى ظهور (امراض سياسية واجتماعية) اخرى في شكل زعماء ديماجوجيين يحاولون استغلال السخط الشعبي لاغراق البلاد في المزيد من الازمات المصطنعة, التي تزيد ايضا من الضغوط التي تتعرض لها تلك الشعوب, كما حدث في فنزويلا التي استطاع (كولونيل انقلابي) ان يصل الى رئاسة البلاد على اكتاف الجماهير الغاضبة من فساد الحكم الديمقراطي, لكن اولى خطواته على رأس حكومته كانت تنفيذ مطالب الدائنين للحصول على مزيد من الديون الخارجية بما يعنيه ذلك من مزيد من الفقر بين الطبقات الفقيرة. او مثل البيرتو فوجيموري رئيس البيرو الذي لايزال يمارس لعبة مزدوجة من خلال لعبه على مطالب الطبقات الفقيرة, في الوقت الذي يغرق البلاد في المزيد من الازمات المالية والدستورية ببحثه عن تغيير مواد الدستور التي تمنعه من البقاء في الحكم فترة جديدة. الامر نفسه يقوم به كارلوس منعم رئيس الارجنتين الذي يحاول البقاء لفترة ثالثة بعد ان كان اول من تولى الرئاسة لفترتين متتاليتين بعد تغيير دستور بلاده ليسمح له بذلك, وهو على استعداد لتدمير حزبه الذي انتخبه ليظل في الحكم لأطوال فترة ممكنة. من الصعب التنبؤ بما يمكن ان يحدث في تلك القارة خلال السنوات القليلة المقبلة, لانها لا تواجه اخطارا خارجية فقط, بل هناك اخطار تكمن في تركيبها السياسي والاجتماعي, وتغذي تلك الاخطار مؤسسات دولية لا ترى في هذه الشعوب سوى حقول تجارب لمزيد من الارباح, دون النظر الى امكانية التعامل معها على قدم المساواة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا